وحيد حامد فيلم عمارة يعقوبيان عادل إمام
1

من عادتي الشخصية قبل أو بعد أو أثناء مشاهدة الفيلم، أن أقوم بالتعرف على مؤلف الموسيقى التصويرية، الوجوه الجديدة وأهم ما في الأمر التعرف على كاتب السيناريو والحوار، وظللت سنوات كثيرة لا يظهر لي سوى اسم المؤلف ذاته حيث هيمن على الساحة بنجاحاته لعشرات السنين، وراء كل فيلم ناجح كان اسمه في خلفيته حاضرًا وبقوة، كان ذلك الاسم وحيد حامد.

كنت دائمًا ما ألاحظ أن لكل كاتب تيمة ومنطقة مميزة يكون فيها أكثر إبداعًا من سواه، ولكني لم أجد شخصًا بارعًا في تقديم السياسة والكوميديا والاجتماع، إضافة إلى كتابة المسرح والدراما التليفزيونية بنفس درجات النجاح والإجادة.

الكاتب وحيد حامد

تُرى ما الذي يجعل وحيد حامد قادرًا على هذا المزج وتقديم كافة أنواع الأفلام بهذه السلاسة والإبداع؟ كنت أفكر دائمًا في هذا السؤال حتى وجدت إجابه له عن لسانه هو، حيث أنه رجُل عاش حياة الفلاحين ومأساتهم وأنه عايش وتعايش مع الفقر الدكر -على حد تعبيره- وحينما ذهب إلى المدينة لم ينسلخ عن الناس وواقعهم بل ظل متماسكًا ومترابطًا بهم مما أطفى على أعماله المصداقية والقرب من أفراد المجتمع ذاته لا فقط مُريدي السينما.

قدم من رؤياه الخاصة ونظرته للواقع من حوله أفلامًا تعد بمثابة تنبؤات بالمستقبل أو فتح ملفات لم تكن تُفتح لولا أن كتبها وحيد حامد دون أدنى مبالغة، فكتب وحيد حامد البريء عن تجربة شخصية، حيث تعامل مع أفراد الأمن ووجد فيهم فكرة الإيمان بأن كل حُر ومعارض هو عدو للوطن، كما كتب ”أضحك الصورة تطلع حلوة“ لأنه رأى مصورًا يمشي على الكورنيش وينادي لتصوير المارين ومن هنا كتب فيلمًا مليئًا بالرقة والعذوبة، يمكننا القول إنه كان يطوع الشارع في كتاباته.

فيلم أضحك الصورة تطلع حلوة

لم يكتب وحيد لأحد سوى للفكرة، لم يشكل كتاباته من أجل أحد، ولا يكتب إلا عندما يحمل في جعبته فكرة غنية ترنو إلى إعلاء قيمة وإرساء معنى سامي، أو مجابهة الفساد والإرهاب والبحث عن الحقوق كما قدم في فترة التسعينات، وكان يقول في إحدى حواراته عن تلك النجاحات ”أنا مهما عملت فلا يمكن أكون دائن لأي شخص بل بالعكس أنا مدين للجمهور اللي صدقني، أو الجمهور اللي حَسّ إنه في مصداقية في هذه الأعمال…“.

ميزة أخرى من ميزات وحيد حامد أنه يكتب عبارات لا تخرج من ذاكرتك تقريبًا، وفي نهاية كل فيلم تخرج محملًا بأكثر من جملة تعلق في ذهنك، ويمكنك اقتباسها واللجوء إليها من حين لآخر، يملك أيضًا مرونة غير عادية في صياغة جمله وملامستها لواقع الحياة، هذا الأمر امتاز به وحيد حامد في كل أفلامه تقريبًا ولم يكن أمرًا نِتاج الصدفة أو الحظ.

من منا لا يتذكر مشهد عادل إمام في عمارة يعقوبيان -وهو من إخراج ابنه مروان حامد- يتوسط شوارع وسط البلد ويقول بعدما أخبرته هند صبري أن المارين ينظرون إليهم ”يبصوا علينا لينا، يبصوا على البلد اللي باظت، يبصوا على العمارات اللي كانت أحسن من عمارات أوروبا، دلوقتي بقت مزابل من فوق ومن تحت مسخ، إحنا في زمن المسخ“.

وحيد حامد مع ابنه المخرج مروان حامد

تلك التشبيهات التي امتاز بها وحيد دونًا عن غيره هي مولودة معه، فحينما تستمع له في أي حوار تجده يعطي أمثلة وتوصيفات لا تخلو أو تنفصل من الإبداع المحمود في السينما، فهو بجانب موهبته الفذة دون شك، يلامس الواقع ويحاكيه وتدعمه معرفته والبحث عن قضية العدالة رغم إقراره أنه لم يخصص حياته من أجل تلك النوعية من الأفلام، ولكنه في رأيي مؤمن بها وبأهمية أن يكون الفرد حُرًا ويمتلك الكرامة كما تُصدر أفلامه ذلك المفهوم دومًا.

كانت تلك حكايات بسيطة عن الأستاذ وحيد وفي الأسطر القادمة سنقدم ترشيحات لأهم أفلامه التى فرضت نفسها على الساحة الفنية وأصبحت علامات في السينما ومراجع لكل كاتب جديد أو مخرج يحاول إنتاج عملًا جيدًا.

أغاني جعلتنا نتعلق بهذه الأفلام العربية

ثلاثية وحيد والزعيم وشريف عرفة

عادل إمام وشريف عرفة ووحيد حامد

كانت فترة التسعينات من أهم فترات الأعمال السينمائية في العالم كله تقريبًا، وفي مصر لعبت الأحوال السياسية دورًا هامًا في تشكيل وصياغة الأفلام، وهنا جاء دور كاتبنا ليقوم بدوره في صياغة تلك المشكلات على الورق وقدم مع عادل إمام والمخرج شريف عرفة أشهر أفلام التسعينات منها: ”اللعب مع الكبار، الإرهاب والكباب، المنسي، طيور الظلام، النوم في العسل“ وجميعهم حققوا نجاحات على الصعيدين الفني والتجاري.

وحيد حامد في الألفينات

قد يصل الإنسان بفنه في وقت ما إلى بناء جسر من الثقة مع الجمهور وحينما يطمئن لذلك قد تجري به الأمور في سقوط مدوي، يشبه ارتطام طائر بجدار ولكن وحيد ظل متجددًا وناجحًا فقدم في بداية الألفية ”محامي خلع“ فيلم كوميدي بالأساس ولكنه طرح مفاهيم واستفسارات كثيرة، وقدم على النقيض تمامًا فيلم ”معالي الوزير“ وقدم ”دم الغزال“، ”عمارة يعقوبيان“، ”الوعد“، ”احكي يا شهرزاد“ كلهم ترشيحات للمشاهدة بالطبع ولكن ليس من الطبيعي أن تكون كُل تلك الأعمال لنفس الشخص!

بوستر فيلم محامي خلع

وحيد سنة ٩٠ وما قبلها

قدم وحيد سنة ٩٠ واحدة من أهم أفلام السينما ومن أهم أدوار نبيلة عبيد ”الراقصة والسياسي“ في محاولة للتشبيه ربما مع إبراز العلاقة، وقدم عملًا آخر معني بفساد الظباط سنة ١٩٨٦ ”ملف في الآداب“ وطرح في نهايته سؤال لا إجابة له حتى الآن، ماذا نفعل إن ساءت سمعتنا وضاقت معيشتنا من أجل فرد فاسد له نفوذ؟ وإليكم أيضًا أعمالًا كـ ”الدنيا على جناح يمامة“ و ”البريء“ و ”التخشيبة“ و ”الهلفوت“ و ”غريب في بيتي“، وحيد حامد بالطبع استثنائي.

بوستر الراقصة والسياسي

الدراما التلفزيونية والمسرح

إذا سألت أحد المهتمين بالسينما عن أهم أعمال الدراما المصرية في آخر عشرة سنوات بالطبع سيذكر لك ”بدون ذكر أسماء“ هذا العمل هو تجربة متكاملة على صعيد الكتابة ويمكن اتخاذه كمرجع دون مبالغة، وقدم أيضًا مسلسل الجماعة الجزء الأول عام ٢٠١٠ وقبل ثلاثين عامًا تقريبًا من تاريخ هذا العمل كتب مسلسل ”أحلام الفتى الطائر“ الذي زاد من أسهم عادل إمام، وقدم مسلسل ”سفر الأحلام“ مع محمود مرسي، إضافة إلى كل هذا قدم مسرحية ”جحا يحكم المدينة“ وما زال هناك الكثير من الأفلام لم يرد ذكرها في هذه المقالة.

رجب الفرخ في بدون ذكر أسماء

يمكن للمرء أن يقدم فيلمًا أو فيلمان أو حتى عشرة أفلام جيدة لكن أن تصل لما يقرب من ٤٠ أو ٥٠ فيلمًا نجحوا في شباك التذاكر وفي التلفزيون وتركوا صدى طيبًا مع الجمهور، ومن لم ينجح منها في دور العرض لعدم تقبل الجمهور الفكرة نجح فيما بعد على شاشات التلفاز.

وحيد حامد صنع تاريخه الخاص الذي سيعيش عمرًا طويلًا من بعده، بدأ رحلته ككاتب للقصص القصيرة ثم للمسلسلات الإذاعية، ثم وجد ضالته في أن يكون مؤلفًا وسيناريست، يرسم الشخصيات بريشة فنان معاصر، ويكتب الحوار كأديب وقور، ويترك للكلمة حريتها كي تظهر للنور على شاشات السينما، وكما قال عبد الرحمن الشرقاوي ”إن الكلمة مسؤولية، إن الرجل هو الكلمة…“ آمن وحيد بالكلمة وآمنت به، ولذلك سيظل على قمة السينما لفترات طويلة.

8 أفلام لن تخرج منها نفس الشخص .. ولن ترى بعدها العالم بنفس الشكل

1

شاركنا رأيك حول "وحيد حامد: أحد أعمدة السينما المصرية وأهم أفلامه"