بماذا ندينُ لعالم الأفلام؟

1

عندما كنت صغيرة كان هناك سؤال دائم الإلحاح على ذهني وهو لماذا ليس بمقدوري أن أرى حياة الناس من حولي كما ترى عيناي حياتي؟ لماذا عيني مثبثة في مكان واحد فقط ولا تستطيع أن ترى أبعد من مدى حياتي؟ شغلني كثيراً هذا التساؤل ولكنني أيضاً بعقل طفلة لم أستطع إدراك أن الحلّ لهذا التساؤل يتواجد من حولي ببساطة على شاشات التلفاز وبالتحديد قنوات الأفلام حتى القنوات التي تعرض أفلام الكارتون.

في صغري لم يكن يشغل عقلي سوى المدرسة في الصباح وأفلام الكارتون بعد الدراسة، كنت أهرب معها من الواجبات الدراسية الكثيرة إلى عالم آخر حيث يمكن للحيوانات أن تتحدث، وحتى السلاحف قد تنقذ حياة البشر، والبشر يصبحون أبطال خارقين أقضي أحلامي محاولة أن أكون مثلهم، متخيلة أن لكل شيء عالم آخر سحري لا أعرفه، أصبحت أدرك عندها أن هناك الكثير في هذا العالم لا أعرف عنه شيء، وأن هناك المزيد غير المدرسة وفروضها التي لا تنتهي.

1

كبرت قليلاً واستبدلت عالم الكارتون والأبطال الخارقين بعالم الأفلام التي يطلق عليها البعض مصطلح أفلام الشباب، حيث الكثير من الحديث حول الأحلام والطموح والعلاقات الإنسانية المتشابكة وكيفية تقبل الذات والآخرين.

كنت هناك في بداية مواجهة الحياة، فلا يسعني إلا التوجه إلى عالم الأفلام حيث أرى الكثير من حيوات الآخرين وقصصهم المثيرة وخبراتهم ووجهات نظرهم المختلفة عن الحياة، وكنت أنتهز أيّ فرصة لمتابعة الفيلم تلو الآخر ربما بحثاً عن إجابة أوعن دواء أو طلباً لخبرة جديدة لن تتثني لي الفرصة لكي أعيشها أو ربما سعياً لفهم قيمة ما أو شعور ما.

لم أكن أهتم كثيراً لكيف يؤدي هذا الممثل أو كيف تخرج الجملة من هذه الممثلة، وكانت جوائز الأوسكار مجرد مصطلح أعرفه ولكني لا أهتم كثيراً لمن تمٌنح الجائزة أو لماذا مٌنحت لهذا دون عن ذاك، كانت الأفلام بمثابة بحر التجربة الكبير الذي لا أستطيع أن أدرك نهايته الذي يتفق بشكل أو بآخر مع نهمي المستمر لمعرفة المزيد عن الحياة .

ثم وصلت إلى المرحلة العمرية التي أعيشها الآن، فهمت المزيد عن عالم السينما وأكاد أدعى انتقائي للأفلام بشكل أفضل، ونظرتي لعالم الأفلام لا تختلف كثيراً عن المرحلة التي تسبقها سوى اختلاف نوعية الأفلام التي أتابعها.

2

ربما قد لا تهتم كثيراً صديقي القارئ برحلتي الطويلة والمتقلبة مع عالم الأفلام، لكن أرجو منك فقط أن تسأل نفسك سؤالاً بسيطاً لماذا تحب الأفلام؟ أو ما الذي يدفعك لمشاهدة فيلم لمدة ساعتين أو أكثر؟ أو بصيغة أخرى بماذا تدين لعالم الأفلام؟

هل تدين لها بيوم كنت في حالة مزاجية سيئة وساعدك فيلم ما على تجاوز هذه الحالة؟ هل تدين لها بفيلم ساعد على لم شملك مع عائلتك أو أصدقائك؟ هل تدين لها بجملة أو كلمة فتحت عينيك على موضوع ما أو قضية ما أو قيمة ما؟ هل تدين لها بيوم شعرت بالوحدة فوجدت نفسك تشترك مع أحد أبطال فيلم ما في كثير من الطباع؟

هل تدين لها بفيلم ساعدك على إيجاد حل لمشكلتك؟ هل تدين لها بفيلم عبر عما يجول بخاطرك؟ هل تعتقد أن عالم الأفلام هو للتسلية فقط ومن وجهة نظرك أن التسلية هي شيء بلا قيمة،  ولكن أليست التسلية والقدرة على الخروج من الواقع حل لإيجاد حل للمشاكل التى تعتقد بأنها أكثر جدية؟

3

أياً كانت إجابتك عزيزي القارئ – فهي تُحترم – أرجو أن تسمح لي أن أشكر عالم الأفلام على قدرتها في صغري على إنماء خيالي الصغير، على منحها الفرصة لكي أدرك أن هناك دائما عالم قابع خلف الكواليس وأن ما نراه ليس الحقيقة المطلقة دائماً، شكراً لهذا العالم على مشاركته بقدر كبير في تكوين شخصيتي التي دائماً ما تركض خلف الأسباب، فشخصية المجرم تقبع خلفها الكثير من الأحداث المأساوية.

شكراً لجعلي أدرك أن هناك امتداد للعالم الذى أعيشه وأن هناك الكثير ممن هم مختلفون عني، وأن هناك الآلاف والملايين من وجهات النظر حول الحياة، فالفكرة التي يدور حولها الفيلم قد تُنفذ بأكثر من طريقة وتُمثل بأكثر منها، شكراً على القيم والأفكار الكثيرة التي عرفتها من خلال طرحك لها.

والآن صديقي القارئ حان دورك بماذا تدين لعالم الأفلام؟

1