0

الآن هناك عمل درامي جديد يثير انتباه الرأي العام نحو قضية أخرى شديدة الأهمية والإنسانية، وهو مسلسل “ليه لأ” الجزء الثاني، إخراج مريم أبوعوف، وتأليف مريم نعوم، وبطولة منة شلبي (ندى طبيبة العيون)، وأحمد حاتم (المهندس صلاح)، ومراد مكرم (خالد شقيق ندى)، يارا جبران (زوجة خالد)، دنيا ماهر (سالي صديقة ندى)، والطفل سليم مصطفى (يونس الذي تكفله ندى من أحد دور الأيتام) وسارة عبد الرحمن الزوجة السابقة للمهندس صلاح. حيث تدور أحداث المسلسل حول قضية الكفالة.

في الآونة الأخيرة نجحت بعض المسلسلات في توعية الرأي العام ببعض القضايا الإنسانية والإجتماعية الهامة البعيدة عن الأضواء، فمثلًا مسلسل “خلي بالك من زيزي” الذي تم عرضه في شهر رمضان الماضي، وكان بطولة أمينة خليل ومحمد ممدوح، وتأليف منى الشيمي، وإخراج كريم الشناوي، سلط الضوء على مرض نفسي لا ينتبه له الكثير، وهو “ADHD” أو (اضطراب نقص الانتباه مع فرط الحركة)، وبالفعل نجح المسلسل في توعية المجتمع بهذا المرض، حتى أن بعض المرضى الذين كانوا يعانون من هذا الاضطراب دون علمهم أخذوا يبحثون أكثر عن طرق العلاج، كما نجح أيضًا في تغيير الصورة النمطية للمريض النفسي.

مسلسل ليه لأ 2

فندى طبيبة في أواخر الثلاثينات من عمرها ولم تتزوج، وأثناء عودتها من العمل وضِعت في طريقها طفلة رضيعة قلبت حياتها رأسًا على عقب، فمن خلال تلك الطفلة التي لم تمكث لديها سوى أيام قليلة، جربت ندى إحساس الأمومة، فقررت أن تكون أمًا عن طريق الكفالة، ومن هنا بدأ استعراض تلك القضية.

فالكفالة أو الاحتضان بالرغم من أنها قضية بعيدة عن الأضواء والحديث عنها قليل، إلا أنها أمر تقوم به فئات متعددة من السيدات، سواء كانت المرأة متزوجة ولم تنجب، أو غير متزوجة، أو حتى متزوجة ولديها أبناء لكنها تريد توفير حياة كريمة لطفل آخر، وتتضمن تلك القضية العديد من المحاور والعقبات، التي قام المسلسل بتسليط الضوء على العديد منها، بداية من كيفية اختيار الطفل، والعقبات التي تواجهها صاحبة قرار الكفالة، حتى العقبات التي يواجهها الطفل نفسه من دمج في مجتمع جديد وتنمر وغير ذلك. فإلى أي مدى نجح المسلسل في مناقشة فكرة الكفالة؟

للإجابة عن هذا السؤال وللاقتراب أكثر من تلك القضية، أعددنا هذا التقرير بعد مناقشة أصحاب القضية من الكافلات والمهتمين بالكفالة الموجودين في الجروب الخاص بمؤسسة الاحتضان في مصر لكفالة الأطفال.

معايير اختيار الطفل المكفول

هل الشكل أم الطباع أم ماذا! يعتقد البعض أن الأسرة أو المرأة التي تتخذ قرار الكفالة تضع معايير معينة أثناء اختيار الطفل، لكن في المسلسل عندما تحركت لدى ندى مشاعر الأمومة بسبب الطفلة التي وضِعت في طريقها، كان من البديهي أن تكفل نفس الطفلة، بعد أن وضعتها في إحدى دور الرعاية، وهذا ما أقبلت عليه بالفعل، حتى أنها اشترت لها كل مستلزماتها وبدأت في إجراءات الكفالة، لكنها فجأة غيرت رأيها وقررت كفالة يونس الطفل الذي أحبها وأحبته منذ أن بدأت التردد على الدار، وحين أخبرت الطفل بذلك وتعجب من اختياره بدلًا من الطفلة، قالت له “قلبي اختارك انت يا يونس”، ليتضح بذلك أنه لا يوجد للمعايير أثناء الكفالة، فقط الإحساس والمشاعر هما اللذان يحركان الأم والطفل.

البعض قد يقول أن هذا مجرد تمثيل لكن في الواقع لا بد من وجود معايير. أثبتت يمنى دحروج رئيس مجلس إدارة مؤسسة الاحتضان في مصر، أن ما ورد في المسلسل صحيح حين تحدثت معايير الكفالة قائلة: “لا يوجد معايير أو خطوات يمكن أن نضعها أو أن تتبعها الأسرة حتى تتمكن من اختيار ابنها أو ابنتها، لكن كلها علامات قدرية، فكل أسرة ابنها أو بنتها مكتوبة عند ربنا وبتمشي الطريق اللي يوصلها له”.

وأوضحت يمنى تلك العلامات القدرية التي ترويها الأسر القائمة بالكفالة قائلة إن النساء تقول: “لقيته بصلي بصة مختلفة عن أي طفل عرفت منها أنه ابني، مسك في الحجاب بتاعي، ضحك لزوجي ضحكة وبص في عينه، مسكت أيدي رغم إن عندها إسبوعين فعرفت إنها بنتي”. واستطردت قائلة: “أن كل تلك الأمثلة تؤكد أن الأسرة ليست هي من تختار ابنها أو ابنتها لكن الأطفال هم من يختارونا”.

تفاوت المعاملة والظروف التي يعيش فيها الأطفال في دور الرعاية

استعرض المسلسل أشكالًا مختلفة لدور الرعاية، فبعد أن وضِعت الطفلة الرضيعة في طريق ندى، قررت أن تضعها في دار أيتام، وعندما أخذت تبحث عن الدار المناسبة، في البداية وجدت دار يتم تعنيف الأطفال فيها ومعاملتهم معاملة سيئة، فرفضت ترك البنت هناك، وفي اليوم التالي وجدت الدار المناسبة والتي قابلت فيها يونس بعد ذلك، وتلك الدار تختلف عن الأخرى ليس فقط في معاملة الأطفال معاملة جيدة، ولكن أيضًا في المساحة الأكبر التي توفر للأطفال مكانًا للعب، الأمر الذي كان منعكسًا على وجوه الأطفال المبتسمة. كما تم تسليط الضوء أيضًا على نوعين من الأمهات البديلات، الأم الموجودة في الدار الأولى، التي تتعامل مع الأطفال كموظفة وتعنف بلا سبب وبلا رحمة، والأم الموجودة في الدار الثانية والتي كانت مسؤولة عن يونس، فكانت تعامله معاملة الأم الحقيقية، تقلق عليه وتعامله بلين، وعندما تغضب تخبره عن سبب غضبها ليقوم بتعديل سلوكه.

تقول دكتور مريم الشرقاوي، ‎أخصائية دعم نفسي للأسر الحاضنة و الكافلة‎ في مؤسسة ‎الاحتضان في مصر: إن المسلسل كان موفق في إلقاء نظرة على داخليات دور الرعاية والفرق الشاسع بين دار و دار أخرى،‎ وعلى ما يعانيه الأطفال داخل الدار حتى لو كان مستواها جيد، لكننا مازلنا في حاجه إلى تسليط الضوء على بعض الأطفال اللذين تم تعرضهم لإساءات داخل دور الرعاية، وعلى ما تواجهه الأسر من تحديات بعد كفالتهم.

إعادة الأطفال مرة أخرى للدار

عرض المسلسل مشهد بعد كفالة ندى ليونس حين ذهبا معًا لزيارة الدار، ظهر فيه طفل تم إعادته مرة أخرى للدار بعد فترة من الكفالة، الأمر الذي جعل يونس يشعر بالقلق، خوفًا من أن يلاقي مصير هذا الطفل يومًا ما، لكن حين سأل يونس الأم البديلة عن سبب إعادة هذا الطفل لم تخبره عن الأسباب وانتهى المشهد عند ذلك.
القانون لا يلزم الأسرة بعدم إعادة الطفل مرة أخرى لدار الرعاية، ونظرًا لأهمية تلك الزاوية وما تتسبب فيه مثل هذه التصرفات ألم نفسي للأطفال وتجعلهم في شعور دائم بالخوف حتى بعد الكفالة، انتقدت نهلة كمال إحدى الأمهات الكافلات تناول المسلسل لهذا الأمر قائلة: “الطفل اللي تمت إعادته للدار كان مهم تسليط الضوء عليه مش مجرد ثواني عابرة كان مهم عرض حالته النفسية بعد إعادته للدار والأزمة اللي بيمر بيها”.

صراعات قرار الكفالة وأزمة كفالة الأطفال الكبار

بعد أن اتخذت ندى قرار الكفالة بدأت الصراعات والصدامات مع المحيطين بها، بداية من معارضة قرار الكفالة نفسه، إلى الاعتراض على كفالة طفل كبير، وأول المعارضين كانت صديقتها المقربة “سالي”، فعندما عرضت ندى قرار الكفالة على صديقتها وزوجها، كانت حينها تريد كفالة الطفلة وأخبرتهما أن ذلك سيكون أحسن بالنسبة للطفلة من عيشها في الدار، كما أنها ستشاركها الحياة وتخفف من شعورها بالوحدة، عارضتها سالي قائلة: إن كفالة الأطفال مسؤولية، كما أنها إذا أرادت الزواج لن يرضى رجل بتربية تلك البنت معها، لكن ندى لم تتخلَّ عن قرارها، وعندما استقرت على كفالة يونس وأخبرت صديقتها، عارضتها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت المعارضة أشد بسبب سن يونس، حيث اتهمت سالي ندى بالجنون قائلة “طفل عنده 7 سنين يعني شخصيته اتشكلت وممكن تكون جيناته بتاعت قاتل أو مغتصب أو حرامي”، وبعد جدال طويل ظلت ندى متمسكة بقرار الكفالة الذي لم يدعمها فيه أحد.

نجح المسلسل في التركيز على مشكلة كفالة الأطفال الكبار، كونها من أكبر العقبات التي تواجه صاحبة قرار الكفالة، الأمر الذي يجعل فرص كفالة هؤلاء الأطفال قليلة، فبعد تعليق سالي على سن الطفل، عارض خالد شقيق ندى فكرة الكفالة ثم عارضها أكثر عندما رأى يونس قائلًا: “جايبه شحط البيت”.
لم تقتصر المعارضة على المقربين من ندى فقط، فحتى موظفة الشئون الاجتماعية المسؤولة عن إتمام إجراءات الكفالة، حاولت أن تقنعها بالتراجع وعلقت قائلة: انتِ لسه صغيرة فكري وراجعي نفسك قبل ما تاخدي القرار.

تنمر ووحدة.. صعوبات دمج الطفل في الحياة الجديدة

صعوبات وتحديات الكفالة لا تقع على عاتق القائم بها فقط، بل يعاني منها الطفل المكفول أيضًا، وقد سلط المسلسل الضوء على ذلك في مواقف ومشاهد كثيرة، بداية من تجنب رفض عائلة ندى للطفل في البداية، وشعوره بالوحدة، مرورًا بعدم تأقلمه على المدرسة الجديدة ومستوى الحياة المختلف وتنمر باقي الطلاب عليه، حتى تمرين الكارتيه لم يتمكن من ممارسته في النادي الجديد، فاضطرت ندى إلى الذهاب معه لمكان التمرين القديم، الذي كان من الواضح أن مستواه أقل، الأمر الذي يوضح أن هناك أمور قد لا يتمكن الطفل من تجاوزها، وحينها يجب تقبل الأمر.

وعن تلك الصعوبات تقول دكتور مريم الشرقاوي، ‎أخصائية دعم نفسي للأسر الحاضنة والكافلة‎ في مؤسسة ‎الاحتضان في مصر: إن كفالة طفل كبير تحتاج مواجهة و كلها تحديات لذلك يجب على المقبلين على الكفالة أن يدرسوا الموضوع بكل جدية.

الجانب الشرعي من الكفالة

قبل الحديث عن آراء الناس حول تناول المسلسل لهذا الجزء، علينا أن نفرق أولًا بين الكفالة أو الاحتضان والتبني، وفقًا لدار الإفتاء المصرية: فإن فالكفالة هي تربية طفل معلوم النسب أو مجهول النسب دون أن ينسبه للشخص الكافل، وهذا جائز شرعًا وحلال ومن يفعلها يأخذ أجرًا وثوابًا عظيمًا، أما التبني هو أن ينسب الشخص الطفل لنفسه، ويكتب باسمه وهذا لا يجوز وحرام شرعًا، لذلك شددت الإفتاء على ضرورة ألا نضيع الأجر والثواب بنسب الطفل لأنفسنا.
وقد تعرض المسلسل لذلك عندما أرادت ندى نسب الطفل لنفسها، لكن الموظفة أخبرتها أن هذا مرفوض ولا يمكن أن يحصل الطفل على نفس الإسم بالضبط، لكن ممكن أن يحصل على لقب العائلة مثلًا.

عدم نسب الطفل للكافل ليس الضابط الوحيد للكفالة، فقد اجتمعت آراء بعض المهتمات بالكفالة على أمر يتم مناقشته في الجروب كثيرًا وتقوم به كثيرًا من الكافلات، وهو إرضاع الطفل المكفول حتى يصبح ابنها في الرضاعة، فقالت إحداهن: “الإرضاع مجاش سيرته خالص كنا المفروض في المسلسل نسلط الضوء عليه”، في حين قالت أخرى: “المسلسل دا بيتوجه لملايين المشاهدين باختلاف أديانهم، كل اللي عليهم انهم طرحوا مشكلة في المجتمع في إطار درامي. كل واحد بقي تشجع للفكرة أكيد هيسأل كتير و يشوف تعاليم و ضوابط دينه”.

وفيما يخص تلك النقطة أشار الدكتور أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، في فتوى سابقة، إلى أفضلية إرضاع اليتيم بحيث يصبح محرمًا لنساء أهل المنزل، فإن كان في سن الرضاع فتأخذ المرأة التي كفلته محفزات لبن صناعية لتدر لبنها ثم ترضعه 5 رضعات مشبعات وبذلك يصبح ابنها في الرضاعة، وهناك خيار آخر وهو أن ترضعه مثلًا أختها التي أنجبت حديثًا فتصبح خالة بالرضاعة، أي المهم أن يتم عمل محرمية بينه وبين نساء البيت بشكل ما، لأنه شرعًا حين يكبر ويبلغ سوف يصبح أجنبيًا، لكن عدم حدوث ذلك لا يعني التخلي عن الطفل، لأن حينها من الجائز تربيته طفلًا وأخذ التدابير الشرعية فيما بعد في التعامل معه حين يكبر.

كيف تعدى تأثير المسلسل الأطفال المكفولين؟

من بين الآراء التي أجمعت على أن المسلسل لفت الانتباه لفئة كانت منسية خاصة الكبار منهم، وجعل المجتمع على دراية بتلك القضية مما سيسهل الأمر على القائمين بالكفالة لاحقًا، وربما ستصبح الفكرة متقبلة أكثر، كان هناك رأي أشار إلى أثر أخر للمسلسل، حيث قالت إحدى الأمهات: “المسلسل علمنى أغير سلوكياتي مع ابني البيولوجي، لأني عرفت إنه نعمه كبيرة، مش مهم يكون أحسن واحد فى الكلاس ولا يجيب درجات نهائيه ولا يتمرن فى حاجه مش حاببها، فبقيت اسمعه أكتر ما اكلمه وده أهم”.

بعد عرض المسلسل لقضية الكفالة.. ما زال للقصة بقية

بالرغم من كل تلك الصراعات والتحديات التي عرضها المسلسل، إلا أنه بعد مناقشة المهتمين بالكفالة كانت آرائهم تشير إلى أن الصراعات أعمق وأكثر من ذلك، وأن القضية تحتاج أعمال أخرى لمناقشة باقي الزوايا، فمثلًا هناك أيضًا أسر لديهم أطفال بيولوجيين ويقومون بالاحتضان وهؤلاء لديهم مشاكلهم وقصصهم، وهناك أطفال أعمارهم أكبر من يونس وفرص كفالتهم تكاد تكون معدومة.
وعن نهاية المسلسل التي لم تُعرض بعد، قالت إحدى المقبلات على الكفالة: “نفسي نهاية المسلسل تكون دعم للاحتضان يعني مش لازم ندى تحب صلاح ويعيشوا مع بعض يراعوا يونس، نفسي هي تكمل لوحدها عشان فيه بنات كتير في ظروفها وأنا منهم”.

0

شاركنا رأيك حول "عندما يكون للفن رسالة: هل نجح مسلسل ليه لأ في مناقشة فكرة الكفالة؟"