عرض أفلام يوسف شاهين على شبكة نتفليكس أفيشات أفلام سلسلة يوسف شاهين
0

يعتبر المخرج العالمي يوسف شاهين من رواد السينما المصرية، ومن أهم أعلامها التي لا يمكن أن تنسى مهما مر الوقت؛ وذلك لأن مشواره مع السينما مليئًا بالعطاء والحب والفلسفة، فلقد استطاع من خلال أفلامه على مدار مشواره أن يعرض أرائه المختلفة، ويبث من خلالها حبه للحريات، ويظهر فلسفته الخاصة في الحياة، وكل تلك الأشياء استطاع أن يغلفها بمهارة شديدة بفنه الفريد ولغته السينمائية المتميزة.

المخرج المصري يوسف شاهين
عرض يوسف شاهين قصة صعوده –ويعتبر هو أول من فعل ذلك- وسيرته الشخصية كفنان ومخرج محب للسينما من خلال رباعيته الشهيرة التي تتضمن ثلاثة أفلام تحمل اسم مدينته “إسكندرية”، تلك المدينة التي نشأ وتعلم فيها، والتي تعتبر من أهم العوامل في تكوين شخصيته المختلفة، وحبه الفريد للفن بشكل عام، وللسينما بشكل خاص، فأختار أن يبدأ تلك الرباعية بسؤال: “إسكندرية…ليه؟” ثم أجاب على سؤاله لنفسه، ولجمهوره كله من خلال الرباعية ككل.

فيلم إسكندرية ليه 1979

محسن محي الدين في دور يحيى شكري

فشاهين خلال ذلك الفيلم عرض بداية حياته كشاب طموح قام بدوره “محسن محي الدين” وأطلق شاهين على نفسه الاسم الذي أرتبط ارتباطًا وثيقًا برباعيته “يحيى شكري مراد”. فالفيلم يعرض يوسف أو “يحيى” ذلك الشاب الذي يحب الفن ويحاول تحقيق أي شيء فيه، في ظل أحداث الحرب العالمية الثانية آنذاك، كما قد جعل شاهين محور أحداثه هي المدينة نفسها، فعرض حالها أثناء الحرب، وحال كل سكانها من كل الجنسيات والأطياف الدينية والمجتمعية، وفي لُب محورها وضع –بلمسته الفنية-حلم بطله الشاب “يحيى” في تعلم الفن “التمثيل” بالخارج، ذلك الشاب الذي قد رأى الحرب، والحب، والطوائف، والجنسيات بنظرته الخاصة، والذي يريده أبيه المحامي أن يحقق ما قد فشل فيه ويصير مهندسًا، رغم علمه بولع صغيره بفن المسرح والسينما.
يحيى شكري مراد متجهًا لأمريكا
ومن هنا طرح شاهين وجهات نظر أبطال أسرة “يحيى” المختلفة حول أمر الفن، مثلما عرض وجهات النظر حول الحرب، وكأنه يقول إن محاربته لتحقيق حلمه، تشبه لتلك الحرب، بالإضافة إلى ذلك فهو لم يكتفِ بسرده للرمزيات من خلال صورته السينمائية، واستخدامه الذكي للمسرح ليس فقط ليبرهن على حبه الشديد له، بل وليعرض من خلال مسرحه السينمائي في الفيلم كيف كان يرى “يحيى” أو شاهين نفسه الحرب؟ والتي قد انتهت بتحقيق حلم “يحيى” في الذهاب لمعهد “بسادينا” الفني في أمريكا ليتعلم هناك التمثيل والمسرح ويبدأ مشواره الذي أراده. ففي “إسكندرية…ليه؟” يطرح شاهين إجابته الأولى: لأن الإسكندرية تبث فيك العزيمة، والإصرار، والثبات على الموقف، مما يساعدك على تحقيق ما تريد رغم أنف أي شيء.

فيلم حدوتة مصرية 1982

نور الشريف في فيلم حدوتة مصرية

ثم يعود شاهين في عام 1982 ليطرح إجابته أو فيلمه الثاني “حدوتة مصرية” والذي كان يستكمل فيه سرد سيرته الفنية لنرى “يحيى شكري” برؤية شاهين وتمثيل الفنان الراحل “نور الشريف”. وفي ذلك الفيلم يعرض شاهين جزئًا خاصًا به في حياته أثناء تصويره لفيلم “العصفور” عام 1972 وإصابته بوعكة صحية في القلب أدت إلى اضطراره لإجراء عملية جراحيه، ومن هنا يأخذنا شاهين في رحلة داخل قلبه، حيث يعرض محكمة قضائية بين كل شخصيات حياته وبينه، ليسترجع مع نفسه ومع جمهوره ذكريات خاصة به من خلال تلك المحاكمة، تتضمن بداية مشواره الفني، وقصة حبه للفتاة التي تزوجها، وبعض من ذكريات طفولته وفترة المراهقة.

 

محمد منير ونور الشريف في حدوتة مصرية

ففي ذلك الفيلم كانت إجابة شاهين لسؤاله تتضمن نقاط كثيرة أهمها -في نظري-يتلخص في: “لا يهمني اسمك…لا يهمني عنوانك…يهمني الإنسان…ولو مالوش عنوان”، تلك الجملة التي كانت في أغنية الفيلم وقد غناها الفنان “محمد منير”، ويريد شاهين من خلالها أن يؤكد على فكرة الإنسانية، والتي تعتبر إحدى أهم الركائز التي كان ينادي بأهميتها من خلال أفلامه، فهنا يجيب شاهين على سؤاله “ليه؟”: لأن الإسكندرية جزء لا يتجزأ من مصر أرض الحكمة، والمحبة، والرحمة، والسلام. ولأنها من زرعت فيه تلك القيم والمبادئ، وأوجدت في قلبه مشاعر الحب تجاههم، وتجاه الإنسانية على وجه الخصوص، كما أوجدت في قلبه السماحة والرضى لكل ما تلقاه في حياته، وكل ما عاشه، وجعلته يرى كل الأشياء حتى يتمكن من فهم الحقائق. فشاهين مثلما جعل محور الأحداث ينبع من قلبه، جعل إجاباته أيضًا تنبع منه.

أهم مدارس السينما العالمية: سينما المؤلف

فيلم إسكندرية كمان وكمان 1990

يوسف شاهين في إسكندرية كمان وكمان

وفي عام 1990 يقدم شاهين الفيلم الثالث في رباعيته “إسكندرية كمان… وكمان”، والذي أعتبره هو أهمهم وأغناهم من حيث اللغة السينمائية، ومن حيث الفكرة عمومًا، فشاهين في ذلك الفيلم لم يكتفِ فقط بتمثيل شخصيته تحت اسم “يحيى شكري” وعرض جوانبها الثلاثة (المادي، الاجتماعي، النفسي) لأول مرة بنفسه، بل ورد من خلاله على كل الانتقادات التي توجهت له في أسلوب عمله، وفي حياته الخاصة، وعرض قصة الصداقة الفنية والإنسانية التي تجمع بينه وبين العديد من الفنانين وعلى رأسهم “عمرو عبد الجليل” و”يسرا” التي أسماها في فيلمه “نادية”، كما عرض واقعة إضراب الفانين عام 1987 احتجاجًا على صدور قانون رقم 103 والذي كان يمنح لنقيب الفنانين أن يرشح نفسه مدى الحياة وليس لدروتين فقط، بل وأستند شاهين على ذلك الحدث ليكون من ضمن أحداث فيلمه الرئيسية، ومزج كل ذلك بيديه السحرية المفعمة بالفن ليخرج فيلمه وكأنه قطعة فنية منفردة بذاتها، يصل بالواقعية التي يحملها لدرجة تجعلك تشعر أنه تم تنفيذه بلا سيناريو مكتوب!

يسرا ويوسف شاهين عمرو عبدالجليل ويوسف شاهين

ففي ذلك الفيلم مثلما واجه به شاهين كل شيء وقال كل ما يريد بطريقته الفريدة، مثلما كان يريد من الجميع أن يفهمه، ويفهم تركيبة “يوسف شاهين/ يحيى شكري” الخاصة ويحترمها أيضًا. فالفيلم يحمل أمورًا كثيرة منفصلة عن بعضها البعض ولكنها متصلة بـشاهين نفسه. فتلك الطريقة التي تناول بها فيلمه وحملت في ثناياها رتوشًا سريالية بعض الشيء، استطاع من خلالها ليس فقط أن يرضي رغبته في عرض أفكاره وفلسفته كمخرج وفنان، بل وكإنسان أيضًا… بالإضافة إلى إجابته على سؤاله في فيلمه الأول “إسكندرية ليه؟” والذي يشير به في الفيلم أثناء تلقي جائزة لجنة التحكيم في مهرجان برلين السينمائي. ففي الفيلم يجيب شاهين بأن الإسكندرية هي سلاحه الخاص الذي يستطيع به أن يحارب أي شيء دون أن يهزم، فهي المصدر الذي يستمد منه قوته، ويثقل به فنه، ولسانه الثاني الذي يردع من خلاله أي انتقاد له، ويقول به ما لا يستطيع قوله بشكل مباشر.

فيلم إسكندرية نيويورك 2004

يوسف شاهين أثناء تصويره لفيلم إسكندرية نيويورك

وفي آخر محطات سيرته الفنية يأتي فيلم “إسكندرية نيويورك”، ويعتبر الغرض من ذلك الفيلم هو عرض الفترة التي عاشها يوسف شاهين “يحيى شكري” الشاب في أمريكا أثناء دراسته للمسرح في جامعة “بسادينا”. ويتذكر “يحيى” الذي قام بدوره الفنان “محمود حميدة” تلك الفترة بعد ذهابه إلى أمريكا أثناء أحداث العراق، لتكريمه في إحدى المهرجانات بنيويورك، وهناك يقابل حبيبته القديمة “جنجر” والتي قامت بدورها الفنانة “يسرا”، لتخبره بعد كل ذلك العمر أن له ابن من علاقتهما يهوى رقص البالية، ثم تقوم الأحداث بشكل متوازي بين حياة “يحيى” بالماضي في أمريكا وقصة حبه، وبين واقعه، ورؤيته لابنه. في ذلك الفيلم قد تخلى شاهين عن أسلوبه الوثائقي السينمائي بعض الشيء، والذي كان واضحًا في الثلاثة أفلام الأولى، التي مثلما قد عرض خلالهما سيرته عرض معها وثائقيات للأحداث المزامنة لها، ولكنه في ذلك الفيلم لم يتخلَ عن لمسته السينمائية كمخرج له أسلوبه وطريقته التي لا شبيه لها، كما أنه عرض من خلاله أيضًا بعضًا من آرائه السياسة الخاصة.

يحيى شكري مراد في اسكندرية نيويورك

فـ “إسكندرية نيويورك” يعتبر آخر إجابات شاهين على سؤاله، حيث يجيب من خلال صورته على لماذا الإسكندرية؟: لأنها هي رمز الحرية الحقيقية بالنسبة له، وأصله الذي لم ينساه أبدًا، ولن يتبرأ منه، ولأنها الماضي والحاضر، والسبب في أن يكون بعد مشوار طويل مليء بالكفاح والعطاء “يوسف جبرائيل شاهين” الذي عرفه الجميع من خلال أفلامه، والذي عرّف العالم أفكاره، قضاياه التي قد نادى بها ودافع عنها من خلال لغته السينمائية غير المتكررة.

فيوسف شاهين ما زالت روحه حية في أفلامه، يمكنك أن تراه وتشعر بوجوده في كل فيلم على حدة، وذلك هو السر الذي بينه وبين السينما، ذلك الحب الخالص الذي وُجِد داخله منذ أن كان طالبًا في المرحلة الثانوية بـ “كلية فيكتوريا” بالإسكندرية، وإلى أن صار يوسف شاهين الذي يعرفه العالم، وكل محبين السينما، ولذلك حصد خلال حياته على التكريم الذي يليق بمشواره الفني، وبعد أن رحل أيضًا ظل يُكرَم بعديد من الوسائل، وفي نظري أهم تكريم يحصل عليه المخرج هو عرض أفلامه بشكل مستمر على نطاق واسع؛ حتى يراها العالم بكل طبقاته وأجياله ليعرفه من لا يعرف، وبهذا سيظل خالدًا.

والخلود الفني هو المكانة التي يستحقها مخرج مهم مثل يوسف شاهين. فعرض عشرة من أفلامه الهامة والتي منها: إسكندرية ليه، وحدوته مصرية، وإسكندرية كمان وكمان، على شبكة نتفليكس العالمية مؤخرًا يعتبر تكريمًا جديدًا له يضاف إلى ما قد حصده، ويخلد وجوده الفني أكثر…وأكثر.

0

شاركنا رأيك حول "بمناسبة عرض أفلام يوسف شاهين على شبكة نتفليكس .. إسكندرية ليه؟"