هل يمكن أن ننجح في حياتنا دون أن نحدد ماذا نريد منها أصلاً؟ وإلى أي مدى استطعنا أن نحدد أهدافنا بدقة ووضوح كافٍ يؤهلنا أن نعدّ العدّة لوضع الخطة أو تحديد المنهج الضروري الذي سنسلكه في رحلة حياتنا من أجل بلوغ تلك الأهداف؟

حكاية حلم، نرويها لنتمثّلها، ونتعلّم رسم الأهداف

“حلمي أن أنضم لكوادر شركة تويوتا” هذا الحلم كان يراود ذهن طالبٍ لا يزال على مقاعد الدراسة. بحماسٍ وإيمانٍ وقناعة، عمل هذا الطالب بجدّ فطوّر مفهوم حلقة الصمّام (piston ring) المستخدمة في السيارات.

كانت أمنيته الأولى أن يبيعها لشركة تويوتا، فأخذ يجاهد ليلاً نهاراً، يدفعه الأمل وحب الكفاح والإصرار على تحقيق هدفه. واستمرّت محاولاته مما اضطرّه إلى بيع مصاغِ زوجته ليتمكّن من متابعة عمله. لكنه عندما أنجز اختراعه وقدّمه لشركة تويوتا، رُفِضَ لعدم توافقه مع القياسات المعتمدة لسيارات تويوتا. فعاد إلى المدرسة محتملاً الضغوط وسخرية الأصدقاء جاعلاً منهما حافزاً لتحقيق حلمه. وبعد عامين من الصّبر والإصرار وقّعت تويوتا معه العقد الذي طالما حلم به.

وضع الأهداف

حلم يولّد حلماً، والأهداف لا تنتهي حين تتحقق

لم تنته قصتنا ولم ينته حلم صانعنا، كان هذا العقد البذرة الأولى التي زرعها ليحصد منها سنابل النجاح والتألق. لم يكتفِ بما حقّقه فحلمه بدأ يكبر ليصبح مصنّعاً لإنتاج حلقات الصّمام. إلا أنّ ظروف الحرب العالمية الثانية جعلت الحكومة اليابانية ترفض طلبه في بناء المصنع. فلم ييأس بل اخترع هو ورفاقه نوعاً من الإسمنت ليبنوا به المصنع.

لكنّ المصنع الذي بذل في بنائه قصارى جهده قصف مرتين أثناء الحرب فتدمّر منه جزءٌ كبير، فجنّد (سويكيرو) الذي كان صلباً عنيداً لا تقف في وجهه الصعاب أصدقاءً ليجمعوا صفائح البنزين الفارغة التي كانت تتخلص منها المقاتلات الأمريكية ليجعل منها مادةً أوليةً أساسية، لم تكن متوفّرةً في اليابان حينها، لإعادة بناء المصنع إلّا أن زلزالاً مدمراً أطاح بمصنع (سويكيرو) فقدّم هديةً ذهبيةً لشركة تويوتا التي اشترت براءة اختراع (سويكيرو) لإنتاج الصمامات.

إصرار وإرادة رغم المعوقات، يخدمهما مرونة الأهداف

لم يصل سويكيرو بحلمه إلى النهاية ولم يعش متعة النجاح، فبحث عن نجاحٍ آخر، لأنه أبى إلّا أن يذوق طعم النجاح.

لقد عانت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية من انخفاضٍ شديدٍ في مؤونة البنزين فاضطّر الكثيرون إلى ركوب الدراجات.

لم تساعد الدراجة العادية (سويكيرو) في تنقّلاته فطوّر وركّب لها محركاً صغيراً، وما لبث أن طلب جيرانه منه أن يعدّل دراجاتهم لتسير بقوة المحرك. كانت هذه الفكرة نجاحه الجديد فأسس مصنعاً لإنتاج دراجات ذات محرك، بمعونة أصحاب الدراجات في اليابان.

لم يثمر مشروعه في البداية، فعدّل الدراجة لتصبح أخف وأصغر من سابقتها، فنال على اختراعه الجديد “الليث الممتاز” جائزة إمبراطور اليابان. ومن ثمّ كبر مشروعه فأنتج في سبعينات القرن الماضي سياراتٍ لاقت رواجاً واسعاً إلى يومنا هذا.

تحقق الحلم، وأثمرت الأهداف

الشركة في يداية الألفية الثالثة أصبح فيها ما يزيد على 100 ألف عامل يعملون في كل من الولايات المتحدة واليابان. وتعتبر إحدى أهم إمبراطوريات صناعة السيارات في اليابان، وقد نجحت هذه الشركة بفضل جهود رجلٍ واحد أدرك قوّة الالتزام الصادق بقرارٍ اتّخذه وبهدفٍ رسمه. ولم يكن يعرف لليأس لفظاً ولا للإحباط معنىً. فقد كان كلما تراءت أمامه أهدافٌ، جدّ لتحقيقها، وكلما لاحت له غاية كبرى وقمة عليا، سعى للوصول إليها.

إنه سويكيرو هوندا صاحب شركة هوندا، ثاني أكبر شركة سيارات توزيعاً في الولايات المتحدة بعد تويوتا. وصاحب الفلسفة الشهيرة التي تقول: “إننا نشعر بأن في القوة ضعفاً وأن الضعف يتحول إلى قوة إذا شئت”.

الخطوات العشر لتحديد الأهداف الناجحة

كي تحقق هدفك عليك أن تحدده أولاً؛ فلا شك أن الأهداف لا تتحقق في الهواء، ولا تُخلَق من العدم. عليك أولاً أن تحدد هدفك بدقة، ثم تسعى لتحقيقه بالسبل المتاحة. وليكون هدفك ناجحاً يمكنك اتباع الخطوات العشر التالية التي ستساعدك في تحديد أهداف ناجحة.

التفكير في الأهداف الشاملة

أهم سؤالٍ يجب أن يسأله الشخص لنفسه قبل أن يحدد هدفًا جديدًا لتحقيقه هو “ما الشكل الذي ترغب أن تبدو عليه حياتك؟ وهل يناسب هذا الهدف تلك الرؤية؟”.

يجب أن يكون الهدف جزءاً من رحلة الحياة ويصب تحقيقه في مصلحة تلك الرحلة، وفي هذا السياق.
يجب الإجابة على عدة أسئلة مثل “ما الذي يثيرك في الحياة؟”، “ما الأشياء التي ترغب في تمضية الوقت لتعلم المزيد عنها؟” إلى ما هنالك من الأسئلة التي توصلك الإجابات عنها إلى تحديد الهدف بدقة.

وضع الأهداف

حدد الأهداف بوضوح

قبل وضع الأهداف، حدّد بعباراتٍ واضحة ما تتمنى أن تحققّه. كن دقيقاً وحازماً في تحديد الهدف. مثلاً: هدفي أن أحقّق حجم مبيعاتٍ قدره 500 ألفٍ خلال العام القادم. بينما لو قلت: هدفي أن أحقّق حجم مبيعات جيداً خلال العام القادم، لكان هدفك ضبابياً.

يجب أن تكون الأهداف عظيمةً تحثّ الهمم: إذا حدّدت لنفسك هدفاً سهل المنال، لن يحثّك هذا على أكثر من القيام بأكثر من الحد الأدنى من الجهد. تجربة هوندا مثلاً.

يجب أن تكون الأهداف واقعية

يجب أن تكون الأهداف واقعية قابلة للتحقيق وفقاً للمهارات والقدرات التي تمتلكها، فبطولة الجري مثلاً لا يمكن أن تكون هدفاً لمن يعاني من أمراضٍ في القلب. ولا يمكن لمن تخصّص في الجانب الأدبي في دراسته أن يضع لنفسه هدفاً بأن يكون طبيباً مثلاً.

تبنى الأهداف على العمل

وهذا يعني أنّ هناك إجراءاتٍ مرتبطة بكل هدفٍ قمت بتعيينه، ويتطلّب الشروع في العمل أن تتمتّع بالحيوية مثل الحيوية الذهنية والحيوية العاطفية. لم يكتفِ جورج ستيفنس بالحلم بصنع قاطرةٍ بخارية. بل وضع الرّسومات البيانيّة لها وهو داخل غبار الفحم في المنجم. وخلال حضوره دروس الرياضيات في مدرسته المسائيّة درس النظريات التي تعيّنه في المستقبل على تصميم النموذج. إذ إن الطّاقة الصّرفة لا تكفي بل يجب تركيزها على هدفٍ ثابتٍ وراسخ. فلا قيمة للتّعليم والموهبة ما لم يجعلانا نحقّق إنجازاً ما.

وضع الأهداف

يجب أن تكون الأهداف قابلة للقياس

ليس من الممكن قياس أهدافك وتحديدها بالمقادير. يمكن قياس بعض الأهداف بالقياس المالي أو غيره من المقاييس الرقمية. يمكنك وضع أهداف لتحقيق كمية إنتاج محددة خلال زمن محدد.

تحديد الأهداف الجزئية

عليك بعد تجزئة الهدف العام إلى أهدافٍ جزئية، أن تضع برنامجاً زمنياً لكل منها لتصل بالنهاية إلى تحقيق هدفك الأساسي.

فإذا تمكّنت من تحديد أهدافٍ أسبوعيّة على مدار العام وقمت باستمرارٍ بتقييم الاتجاه الذي تسير فيه، فلا شكّ أنّك على الطّريق السّريع لتحقيق النجاح الوظيفي. وسوف يؤدّي كلّ هدفٍ إلى الهدف الآخر، وبذلك تتحقّق أهدافك طويلة الأجل بشكلٍ أقرب إلى التلقائية.

تدوين الأهداف

كثيرون يتّخذون قراراتٍ في بداية عامٍ جديد. يعتزم بعضهم التحرر من العادات السيئة ولكنّ كثيراً من الأمور التي يعزمون التقيّد بها في بداية العام تصبح طيّ النسيان. وإحدى الطرق لضمان عدم نسيان الأهداف هي أن تدوّنها، وترسم خطاً زمنياً لتحقيقها، ثم تسأل نفسك باستمرار: ما الذي أفعله حقاً في سبيل تحقيق تلك الأهداف؟ ستكتشف نقاط تقصيرك وتسجّلها أيضاً كي تتلافاها في المستقبل.

وضع الأهداف

يجب أن تخبر شخصاً آخر عن أهدافك

إنها طريقةٌ متميّزة لحماية أهدافك من الوقوع في طيّ النسيان بإخبار شخصٍ عنها وبذلك تشعر بالالتزام الخارجي أمام أهدافك. فالتزامك أمام الآخرين أقوى من التزامك تجاه نفسك، وبالتالي فعلم الآخرين بأهدافك يجعلك تبذل جهداً أكبر لتحقيقها.

يجب أن تكون أهدافك مرنة

تتغير الظروف في أحيانٍ كثيرة. مما يفقد الهدف الذي وضعته نصب عينيك أهميته. لذلك يجب أن تتمتع أهدافك بالمرونة حتى تستطيع أن تكيّفها وفق ظروفك المتاحة. فمثلاً قد يكون هدفك أن تنشئ مصنعاً للمكيفات، فنشبت حربٌ أدّت إلى انقطاع الكهرباء لفتراتٍ طويلة، ما جعل النّاس تحجم عن شراء هذه المكيّفات. حينها عليك أن تحوّل هدفك إلى ما يناسب الوضع العام، كأن تقوم بتوفير البطاريات أو ألواح الطاقة الشمسية وتعيد وضع الأهداف حسب المستجدات.

وختاماً

تذكّر بأن الصعوبات لا يشعر بها إلا أصحاب الأهداف العظيمة والغايات الطموحة، فإذا كنت لا تعرف إلى أي ميناءٍ تبحر، فإنّ كلّ الرياح مواتية.

اقرأ أيضاً: تعيش الحياة بلا هدف؟ خطوات بسيطة لتحديد أهدافك بالحياة