الكتابة الإبداعية
0

لم يعد ينظر إلى موضوع كتابة الرواية والقصص في عالمنا العربي على أنه أمر وليد الوحي والإلهام الذي ينزل على الكاتب فيخرج علينا بإبداع قصصي وروائي لا مثيل له، فلقد بات الأمر أكثر احترافية من ذلك، حيث اقتنع أخيرًا عدد كبير من الكتاب العرب وخاصة المبتدئين أن الكتابة الإبداعية على وجه الخصوص لها قواعد و أصول يتم تدريسها في كتب ودورات على يد كتاب مبدعين كما حدث مؤخرًا مع بثينة العيسى في كتاب “الحقيقة والكتابة” وكتاب “الحكاية وما فيها” لمحمد عبد النبي وكذلك برنامج “وصفولي الصبر” لعمر طاهر الذي عرض تجارب عدد كبير من الكتاب المصريين مع عملية الكتابة الإبداعية.

بالطبع هناك كتب كثيرة تحدثت عن الكتابة الإبداعية وأصولها لكنها لم تكن تجربة عربية خالصة بل مترجمة عن لغات أخرى، فتعليم الكتابة الإبداعية خطوة ما زالت حديثة العهد في عالمنا العربي لذا ستجد الكتب الصادرة من كتاب عرب بخصوص هذا الأمر تعد على أصابع اليد الواحدة. لكن ايًا كانت اللغة التي كتبت بها الكتب التي تحدثت عن الكتابة الإبداعية هنالك خطايا شبه متفق عليها بين كل هذه الكتب.

الخطيئة الأولى: “الاكتفاء بمسودة واحدة”

الكتابة الإبداعية

عندما يقرر البعض أن يصبح كاتبًا لقصة أو رواية وهو أمر بات شائعًا هذه الأيام مما جعل سوق النشر العربي في فوضى عارمة حيث أصبح عدد كبير من الكتاب يقدم روايته وهي ما تزال وليده المسودة الأولى أو الثانية.

هناك نصيحة باتت معروفة لدى عدد كبير من الكتاب والقراء المهتمين أيضًا “الكتابة هي إعادة الكتابة” أما الاكتفاء بمسودة واحدة فأمر أشبه بالخروج إلى الناس بفستان أو بدلة في مراحل خياطتها الأولى حيث أنها مجرد فكرة غير واضحة المعالم ينقصها عين الخبير والوصف اللازم لتكتمل.

مهما كانت الفكرة استثنائية والأسلوب متميز لا بد من التدقيق والمراجعة من الكاتب والنظر في تصرف الشخصيات ومدى قوة الحبكة، وكل هذه الأمور سينتج عنها بالطبع عدد من المسودات. نصحت بثينة العيسى في أحد مقالاتها الكتاب الشباب بحرق خمس أو ست مسودات على الأقل قبل الخروج بالعمل الإبداعي في نسخته النهائية.

لذا تجنب أخذ المنعطفات السهلة لأنك وقتها إما ستتعرض للرفض وهو أمر حميد ويحدث مع الكاتب ولا أحد معصوم منه، أو ستقع مع دور النشر الشبابية التي ستنظر لأموالك قبل إبداعك وفي هذه الحالة ستكون أنت الخاسر الوحيد لأموالك ولفكرتك التي أحرقتها بسبب تسرعك ولم تخرجها في أحسن صورها. أما بالنسبة لستيفن كينج فالعدد المثالي للمسودات هو ثلاثة، بالطبع الأمر يختلف من كاتب لآخر لكن انس أمر المسودة الواحدة.

الخطيئة الثانية: عدم تطوير أسلوب الكتابة

وهذا الخطأ يقع فيه من لا زال لديهم الاعتقاد بأن الكتابة من نتاج الوحي الذي قد يأتي وقد لا يأتي، فهؤلاء الأشخاص لا يحاولون الكتابة يوميًا هم فقط ينتظرون أن تقع الفكرة على رأسهم ثم يشرعون في العمل عليها.

إتقان الكتابة الإبداعية مثل أي صنعة اخرى يأتي بالممارسة التي تأتي بدورها من اتباع روتين يناسب قدراتك، قد يكون بتخصيص ساعات معينة للكتابة أو تحديد عدد كلمات معينة يجب عليك إنجازها يوميًا. فالوحي عند نجيب محفوظ كان يأتي من اتباع الروتين الصارم بتحديد مواعيد للكتابة.

الخطيئة الثالثة: الكتابة عما تعرفه فقط

اعرف أن النصيحة الكلاسيكية هي أن تكتب عما تعرفه، إنه أمر جيد كبداية فقط، لكن لا تحول كل طاقتك الإبداعية بكتابة تجارب عشتها فقط، ماذا عن تلك التي تدور في عوالم خيالية لم تحدث؟

هاري بوتر، الهوبيت، أغنية الجليد والنار وغيرها، إنها قصص لم تحدث في عالم الواقع، بالطبع كانت هناك أحداث مفتاحية حدثت في حياة كتابها وكانت مصدر الإلهام لهم وسمحت لخيالهم أن ينطلق، لكن جورج ر ر مارتن لم يعش مع تنانين في طفولته أو يقابل ملك الليل على الطريق في شتاء أحد الأيام، ليكتب عنهم بعد ذلك مئات الصفحات.

يرى الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام ٢٠١٧ “كازو إيشيغورو” أن الاكتفاء بالكتابة عما تعرفه هو الأمر الأكثر حماقة حيث سيكون منافيًا للإبداع فبدلًا من خلق قصة جديدة ستكتب سيرة ذاتية مملة.

حتى لو امتلك الكاتب أسلوبًا مميزًا ولكنه اكتفى بالكتابة عما يعرفه فقط طوال مشواره الأدبي، سينتج وقتها عملًا واحدًا مميزًا وقد يلاقي رواجًا لا مثيل له ولكن ماذا بعد ذلك؟ عند كتابة روايات وقصص أخرى ستكون مجرد تكرار لعمله الأول، أنا على يقين أنك أيها القارئ تعرف كاتبًا أو اثنين ينطبق عليهم هذا الأمر.

الخطيئة الرابعة: إهمال القراءة

حسنا أعلم أنك كاتب ولكن يجب أن تقرأ أولًا وعندما تقرر احتراف الكتابة يجب عليك القراءة أكثر وأكثر، فالقراءة ليست مادة دراسية أو مرحلة أولية تتركها عندما تصل إلى غايتك في الكتابة وتشكل أسلوبك الخاص، الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك، فالقراءة خاصة في الكتب المختلفة عن النوع الذي تكتب فيه ستكون بمثابة الشحنة والدفعة التي لا غنى عنها لأي كاتب عظيم.

ستيفن كينج مثلًا يقرأ من ٧٠ إلى ٨٠ كتابًا سنويًا لا بغرض التعلم لصقل صنعته بل للمتعة، في مذكراته التي حملت عنوان “عن الكتابة” يقول ستيفن كينج:

“إذا كنت تريد أن تكون كاتبًا، يجب أن تفعل أمرَين قبل أي شيء آخر: تقرأ كثيرًا وتؤلِّف كثيرًا. لا توجد أي وسيلة أعرفها للالتفاف على هذين الأمرَين، لا يوجد أي طريق مختصر”.

ويضيف ملك الرعب قائلًا: “إذا أردت أن تصبح كاتبًا عليك فعل أمرين: اقرأ كثيرًا ، اكتب كثيرًا” يمكنكم أخذ الجملة السابقة كقاعدة ثابتة لا يبطل مفعولها.

الخطيئة الخامسة: تقليد الأسلوب

تقليد الاسلوب

قد يكون أمر محاكاه أسلوب الكاتب ونسخ بعض قصصه وفقرات من رواياته أمرًا حميدًا عند التدريب على الكتابة ومعرفة الفرق بين أسلوب كل كاتب بدقة، لكن عندما تقرر الاحتراف وفي نفس الوقت تقليد أسلوب موراكامي أو ديستويفسكي أو أي مبدع آخر، اعلم وقتها أنك ستصبح مجرد مسخ، ونسخةً من كاتب وظلًا مجردًا من الشخصية وستخرج على القراء بكتابات باهته قابلة للنسيان سريعًا.

الخطيئة السادسة: الاهتمام باللغة أكثر من اللازم

الكتابة الإبداعية

بالطبع اللغة مهمة ولا بد أن تكون في أحسن أحوالها، إن النحو السيئ ينتج جملًا سيئة على حد وصف ستيفن كينج، لكن عند جعل أمر اللغة عائقًا يمنع المبدع من إيصال رسالته الإبداعية هنا يكمن الخطأ، فعندما يهتم بحشو كتابه بمفردات ثقيلة وكلمات غير مفهومة لدى عدد كبير من القراء بحجة الارتقاء لصفوة الكتاب أو صرف جل وقته في دراسة القواعد القديمة والصارمة للغة وعدم ترك كل شاردة وواردة إلا وقد صرف كل وقته عليها هنا يتحول الأمر إلى لعنة، لقد شرح الدكتور علي الوردي هذا الأمر بالتفصيل غير الممل في كتابه “أسطورة الأدب الرفيع”:

“على طلاب الأدب أن يفهموا أن الأدب هو، کأي فن من فنون الحياة، يحتاج إلى الموهبة أولًا، وإلى الاطلاع ثانيًا، وإلى المثابرة ثالثًا.

هذا هو الطريق الذي سار فيه الأدباء الخالدون. وليس هناك طريق آخر سواه. أما تعلم القواعد والعلوم اللغوية العتيقة، فلا فائدة منها لطالب الأدب، لعلها تضره وتفسد موهبته.

إن من يريد أن يكون أديبًا بدراسة تلك العلوم العتيقة هو كمن يريد أن يكون طبيبًا بقراءة كتب جالينوس والرازي وابن سينا، ولا بد أن يكون مصيره كمصير من يتحدث عن البلغم والصفراء في عصر البنسلين

الخطيئة السابعة: الاكتفاء بتجارب الكتاب الآخرين

سيكون من الجيد معرفة طقوس الكتابة لنيل غايمان الذي يصر على كتابه المسودة الأولى بخط اليد بدلًا من استخدام جهاز الكمبيوتر لأن لا أحد سيقرأها، أو التعرف على الروتين الصارم لموراكامي الذي يبدأ الكتابة في الرابعة صباحًا كل يوم ولا ينتهي قبل خمس ساعات.

كل هذه معلومات جيدة لتعرف أنك لست وحدك في هذه الصنعة وأن لكل كاتب تجربته ومعاناته وطقوسه الخاصة، ولكن هل ستكتفي بالمشاهدة والقراءة عن ذلك فقط؟ على الكاتب إذا أراد الاحتراف أن يلتزم بالصرامة مع نفسه بما يتناسب مع قدراته بالطبع وإلا سيتحول الأمر لعملية تعذيب نفسي، في حين يجب أن تنبع الكتابة من الحب والالتزام أيضًا.

وحتى لو لم تمتلك الطقوس الخاصة بك في عملية الكتابة يمكنك بشكل مؤقت استعارة الطقس اليومي لبعض الكتاب -الطقس فقط وليس الأسلوب- إلى أن تتشكل طقوسك الخاصة من تلقاء نفسها مع وعي وانضباط منك. هناك بعض قنوات اليوتيوب التي تقوم فكرتها على محاكاه أسلوب حياة أشهر الكتاب حول العالم، قبل وأثناء عملية الكتابة، جرب فعل هذا الأمر.

 في النهاية لا يأتي احتراف الكتابة الإبداعية من عدد الكتب التي أنتجتها بل من كتابتها بأفضل طريقة ممكنة وهو أمر لا يأتي بسهولة حتى لو امتلكت الموهبة، كما أن الكتابة الاحترافية لا تتعلق بالشهرة، هناك كتاب مشهورون ويرتكبون هذه الخطايا وتعد كتبهم من الأكثر مبيعًا والتي أضمن لك أنها لن تكون كذلك بعد مرور السنين وبالكاد سنتذكرها لوصف ما كان عليه عصرنا الأدبي في ذلك الوقت.

0

شاركنا رأيك حول "سبع خطايا تمنعك من احتراف الكتابة الإبداعية"