الذاكرة والدماغ البشري
0

قبل الولوج في حديثنا عن طرق للحفاظ على ذاكرتك، لا شك أن للنسيان تمثيلات عديدة في حياتنا.. إذ يتمثل بدخولنا المطبخ ثم الالتفات يمينًا وشمالًا وفقدان القدرة على تذكّر ما أتينا المطبخ من أجله، أو نسيان موعدٍ ما، أو نسيان الاسم المألوف بالنسبة إلينا آنيًا خلال المحادثة، كل ذلك يُسمى “هفوة الذاكرة”، وهو شيء طبيعي يمكن أن يحدث في أي عمر، ولكن يميل أغلبنا إلى الاستياء عند حدوث مثل هذه الهفوات مع التقدم بالعمر، فنعتبرها دليلًا على بداية “الخَرَف” أو الزهايمر، على الرغم من أن فقدان الذاكرة الذي يودي إلى تلك الأمراض، هو – علميًا – ليس جزءًا طبيعيًا من مرحلة الشيخوخة!

توصّلت الأبحاث العلمية إلى نتيجة مهمة، وهي أن فقدان الذاكرة الخطير قد ينتج عن الاضطرابات العضوية أو إصابات الدماغ أو الأمراض العصبية مثلًا، وهذا ما يهيئ ربما للإصابة بالزهايمر، بينما تعكس المشاكل “العابرة” للذاكرة – كالنسيان اللحظي المذكور سابقًا – والتي نمرُّ بها مع التقدم بالعمر، التغيرات الطبيعية في بنية ووظيفة الدماغ. تؤدي تلك التغيرات إلى إبطاء بعض العمليات المعرفية، ما يجعل من الصعب علينا تعلّم أشياء جديدة بسرعة ونباهة مع التقدم بالسن. طبعًا استمرار هذه الحالة والاستسلام لها قد يكون محبطًا بالفعل، وهنا ببساطة، علينا تدريب ذاكرتنا لتكون أقوى، وكيف ذلك؟ تابع معي في أهم النصائح للحفاظ على ذاكرتك قويّة في أي عمر.

نصائح للحفاظ على ذاكرتك قويّة في أي عمر

طرق للحفاظ على ذاكرتك

النصيحة الأولى والأهم: استمرّ في التعلم دائمًا

يبدأ النشاط العقلي للإنسان في سنٍّ مبكرة، ويكبر ويتطوّر هذا النشاط في مرحلة البلوغ والشباب، حيث يكون الفرد في أوج الحماس والتعلّم، ونرى أن هذا النشاط العقلي قد يبدأ بالتخمول عندما يقطع الإنسان مرحلة الشباب. إذا ما ربطنا هذا الأمر بموضوع التعلّم، فسنرى الموضوع منطقيًا، لأنك تكون آلةً مستقبلةً للعلم في صغرك، وعندما تدخل بداية شبابك، تتعلم وتتعلم وتمارس تعلّمك في التطبيقات العمليّة، ولكن ما إن تتوقف عن التعلّم وتبدأ روتين العمل بلا تعلّم أي جديد، ستلاحظ أن عقلك بدأ مرحلة خموله، وتعتقد أنك خلال عام واحد، قد كبرت 5 أعوام!

يربط العلماء المستوى الأعلى من التعليم بتحسّن الأداء العقلي بينما نحن في طريقنا إلى مرحلة الشيخوخة، وحتى تضمن تحسّن أداءك العقلي على مرّ الزمن وفي جميع مراحل عمرك، كي يكون العمر مجرّد رقم، يجب أن تحافظ على نشاط عقلك من خلال تدريبه كما تحافظ على نشاطك وصحة جسمك بممارسة الرياضة. لذا عزيزي، كي نحافظ على الذاكرة قوية، تكون أول خطوة بعدم التوقف عن التعلم، ولا نعني هنا التعلم الذي يعطيك شهادة، لا، إذ إن كلّ ممارسة تساعد في الحفاظ على خلايا الدماغ وتحفّز التواصل فيما بينها، تسمّى تعلمًا.

نشّط عقلك بالتمارين الذهنية من خلال ممارسة هواية أو تعلّم أي مهارة، مثلًا عوّد نفسك على القراءة، أرغم نفسك كل يوم على القراءة مدة محددة في مجالٍ أنت تفضّله وحاول أن تندمج كليًا مع موضوع القراءة، فليس المهم أن تنجز 10 صفحاتٍ يوميًا، إنما المهم أن تشغّل عقلك وتفهم. العب الشطرنج أو الجسر، أو أي لعبة أخرى تجبرك على استخدام عقلك والتفكير، حلّ الألغاز، الكلمات المتقاطعة، أو حتى اقترح على رئيسك في العمل تطوير مشروع في عملك، ولكن هذه المرة من خلال مهارة لا تستخدمها عادةً، وذلك كي تحفّز دماغك على التعلّم والتفكير رغمًا عنك.

عملية التعلم المستمر ليست سهلة، فقد نقضي أغلب وقتنا على وسائل التواصل نتسلّى، ونفضل ذلك بالتأكيد على القراءة أو حل الألغاز، لذا لا مشكلة في أن تجعل لك شريكًا في رحلة الاستكشافات كي تلتزم، أو كما قلنا، تقترح أفكار صعبة جديدة على مديرك كي ترغم نفسك على الالتزام والتعلم.

استخدام حواسك الخمس

طرق للحفاظ على ذاكرتك: عزف الموسيقا

توصّل العلماء إلى حقيقة أهمية إشراك جميع الحواس في عملية التعلّم، فذلك يزيد من مشاركة العقل في الاحتفاظ بالذاكرة، وأهمّ ما قُدّم من دراسات أثبتت صحّة هذا الموضوع، هي دراسة أجريت على عدة متطوعين من البالغين، حيث عُرض على هؤلاء عدّة صور، ميزة هذه الصور أنها “عاطفية محايدة”؛ أي كل منها يمتلك رائحة مميزة، طبعًا لم يُطلب منهم حفظ أو تذكر ما رؤوه، فقط المشاهدة مع الرائحة المُرفقة. وفي وقتٍ لاحق، عُرضت عليهم مجموعة أخرى من الصور يشمل بعضها الصور المعروضة سابقًا ولكن بدون روائح، وطُلب منهم الإشارة إلى ما رؤوه سابقًا، وهنا كانت الصدمة، فقد تذكّر هؤلاء جميع الصور المقترنة بالروائح، وخاصّةً اللطيفة منها!

وفي تحليل الخبراء لأساسيات هذه المقاربة، أشار تصوير الدماغ إلى تنشيط المنطقة من الدماغ الخاصة بمعالجة الروائح، القشرة الكمثرية (Piriform Cortex)، حيث نشطت هذه المنطقة عندما رأى المتطوعون الصور المرتبطة بالروائح، على الرغم من عدم وجود أي رائحة، كما لم يحاول هؤلاء تذكّر الرائحة ولكنهم تذكروا الصور التي اقترن كل منها برائحة.

هذا مثال صغير يبين مدى أهمية تفعيل جميع حواسنا في أي عملية نقوم بها. عندما تستخدم أي شيء، حاول تحسسه، تخمين مما هو مصنوع، هل يمكن استخدامه في مجال آخر؟ لأجرب ربما.. إذا تناولت أكلة معيّنة، لا تتوقف عند اسم الأكلة ومذاقها الجيد، حاول معرفة المكونات المختلفة لها من مذاقها، تحسسها بيديك، واجعل رائحتها تخترق حاسة الشم.

الاقتصاد في الطاقة العقلية

لا تدع طاقتك العقلية وطاقة التذكر لديك تنفذ بينما أنت تفكّر أين وضعت المفاتيح، أو متى كانت آخر مرة زرت فيها صديقك، أو حتى عيد ميلاد حبيبتك (أمر الحبيبة بالذات لا يجب نسيانه أيها الأبله). ببساطة، إضاعة المفاتيح كما قلنا عنها في المقدمة، هفوة ذاكرة، ويمكنك تذكر عيد ميلاد أي شخص بتدوينه في مفكرتك، ويمكنك إنجاز الكثير من المهام الروتينية باستخدام مساعدات ورقية أو الكترونية وبدون إرهاق الذاكرة، اترك ذاكرتك للمهام الجديدة التي تحتاج التفكير فعلًا، وحافظ على طاقتك العقلية للتركيز على التعلم وتذكر الأشياء الجديدة والمهمة.

الثقة بالنفس ضرورية: لا تدع الصور النمطية عن العلاقة بين الشيخوخة والذاكرة تأكل عقلك!

جميعنا يعرف أن الوهم قد يخلق في عقل الإنسان جزءًا من الحقيقة، فقد تتوهّم أنك مريض ومن شدة الوهم تمرض نفسيًا، وعندما تقنع نفسك أن هذا الشخص الذي تنظر إليه كاذب، سيبقى في نظرك كاذب ولو كان صادقًا، عندما يقنعك أحدٌ ما بأن جميع أفراد الطائفة الفلانية سيئون، ستبتعد عن أي شخص من تلك الطائفة، على الرغم من خطورة التعميم في أي موضوع. نحن نِتاج ما نتخيّل أحيانًا، لأننا نصدّق ونؤمن ببعض الأشياء لمجرّد أنها متوارثة مثلًا، أو لمجرد ثقتنا بشخصٍ ما..

وعلى ذات السياق، يؤمن الكثير من الأشخاص اليوم أن كلما كبر الفرد في السن، يجب أن تصبح ذاكرته أضعف، ينسى كثيرًا، ولا يصلح للمهام التي تتطلّب الدقة والتذكر، هؤلاء هم الناس الأكثر عُرضة لما يسمى التدهور المعرفي. أقل مثال يستحق الذّكر هم أمهاتنا، اللواتي عندما تبلغ إحداهنّ من العمر 40 عامًا، تؤمن أنها لا تستطع إدخال الخيط في الإبرة لأنها كبرت، على الرغم من أننا نستغرق نحن الشباب أحيانًا وقتًا أكثر منها، ومع ذلك، تراها تردد: “لقد كبرنا، لا أرى جيدًا”.

تجعل الأساطير والصور النمطية السلبية حول الذاكرة ومدى ارتباطها بالشيخوخة، أداء الإنسان في منتصف العمر، أسوأ بالنسبة لمهام الذاكرة، فعندما يُقال لك أن ذاكرتك ستسوء مع التقدم بالعمر، ستعمل أنت على جعلها سيئة في وقتٍ مبكر!. يجب أن تُعطي نفسك ومن حولك رسائل إيجابية حول الحفاظ على الذاكرة. إذا وثقت بنفسك وبأنك قادرٌ على تحسين مهارات الذاكرة لديك بشكلٍ دائم، وثم ترجمت تلك الثقة إلى ممارسة، فصدّقني لديك فرصة جيدة للحفاظ على قوة ذاكرتك.

تدوين المعلومات أو تكرارها بصوتٍ عالٍ

مثلما كانت تجعلك آنستك في الصف الأول تحفظ أشكال حرف الباء من خلال كتابتها على طول الصفحة، وحفظ الأغاني الوطنية من خلال تكرارها، هنا سأطلب منك كشخص بالغ، كتابة وتدوين أي معلومة مهمة على قصاصة ورقية، وإذا لم تتوفر القصاصة الآن، كرر المعلومة، نعم كررها بصوتٍ عال مرتين وثلاث وأربع، هذا بالفعل يقوّي الذاكرة والاتصال. على سبيل المثال، إذا غيّرت مكان وضع المفاتيح، كرر الجملة الآتية “أنا وضعت مفاتيحي حديثًا في المكان الفلاني”، كررها عدة مرات، وثق أنك لن تُخطئ. عندما نغيّر رسم نمط دخول هاتفنا الخليوي، يطلب النظام منا إعادة رسم النمط مرة أخرى للتأكد من أننا حفظناه أليس كذلك؟ وأنا كـ روان حقيقةً، بعد إعادة رسمه، أغلق هاتفي وأرسم النمط مرتين لأحفظه في ذهني، هكذا تجري الأمور، بالتكرار.

الاستذكار: طريقة جيدة لتثبيت المعلومات

الاستذكار طريقة نحوّل فيها المعلومات إلى صيغة – لكل إنسان صيغته الخاصة – يمكن لعقلنا الاحتفاظ بها، أكثر مما هي عليه بصيغتها الأصلية. أتذكر عندما كنت في الصف الثالث الثانوي، ولكثرة قوانين مادة الفيزياء، كان أستاذنا يملي علينا القانون بطريقة الاستذكار، وفي اللغة العربية أحكامٌ كثيرة حفظناها بطُرُق خاصة لا تمسّ المعنى، مثلًا، أحرف الزيّادة مجموعة في كلمة “سألتمونيها”!.

لتحسين الذاكرة، لابدّ من بعض النصائح الصحية أيضًا

طرق للحفاظ على ذاكرتك: التأمل

تناول كميات قليلة من السكر المضاف (السكر الصناعي)

في دراسة أجريت على أكثر من 4000 شخص، قسمٌ كان يتناول كميات كبيرة من المشروبات السكرية، والآخر يستهلك كميات أقل، وُجد أن لدى مستهلكي السكر أحجام إجمالية أقل للدماغ، وكانت ذكرياتهم أقل مقارنةً بالأشخاص الذين كان استهلاكهم أقل، وخلصت الدراسة إلى ارتباط تناول كميات كبيرة من السكر المضاف بالعديد من المشكلات الصحية والمراض المزمنة، وكان أهمها التدهور المعرفي. لذا حاول إدارة استهلاكك من السكر.

هل جرّبت مكملات زيت السمك من قبل؟ إنها جيدة للذاكرة!

أثبتت دراسات عديدة أهمية تناول مكملات زيت السمك في تحسين الذاكرة، فهذا الزيت غنيّ بأحماض أوميغا-3 الدهنية، وحمض ايكوسابنتانويك (Eicosapentaenoic acid)، وحمض الدوكوساهيكسانويك (Docosahexaenoic Acid)، وقد أثبت علميًا أهمية هذه الدهون في بطء التدهور العقلي، ناهيك عن تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب وتقليل الالتهابات والعديد من الفوائد الصحية.

حافظ على وزن صحي، مارس الرّياضة!

السّمنة مرضٌ بحدّ ذاته، وقد أثبت دراساتٌ عديدة أنها عامل خطر يؤثر على التدهور المعرفي، فقد تؤثر تمامًا على الجينات المرتبطة بالذاكرة في الدماغ، مقاومة الأنسولين، الالتهابات، وكلها تؤثر سلبًا على الدماغ. ترتبط السمنة أيضًا بخطر الإصابة بمرض الزهايمر، وهذا مُثبت علميًا. مارسوا الرياضة، وانتبهوا إلى ما يدخل أجسادكم ومعدتكم.

في النهاية عزيزي، أنصحك أيضًا بأن تحافظ على هدوئك، تعيش حياتك على مهلٍ، فهي في النهاية روتين، مهما فعلت ومهما فُتِحَت أمامك الفُرص وكنت سعيدًا بإنجازاتك، سيمرّ عليها وقت تصبح فيه إنجازاتك شيئًا اعتياديًا، وستبحث أنت عما هو أكثر سعادة بالنسبة لك، ما هو جديد، لذا، أوصيك بالصّحة، ثم الصحة، ثم الصحة، اهتم بصحتك وذاكرتك، واستمتع بلحظات الحياة. مارس الرياضة، والتأمل، ونَم جيدًا.

دُمتم بكامل طاقتكم.

اقرأ أيضاً: أهمية دراسة إدارة الأعمال الدولية.. 7 فوائد وخيارات توظيف لا حصر لها

0

شاركنا رأيك حول "ذاكرة من حديد: طرق للحفاظ على ذاكرتك قويّة في أي عمر!"