التعليم الفني والتدريب المهني
0

تعتبر الثروة البشرية هي قاعدة الأصول التي تمتلكها الدول، فهي التي تمكنها من تحقيق التنمية والتطوير والتغيير، وكلما أدركت الدول والمجتمعات هذه الحقيقة، تمكنت من استغلالها مبكرًا، لتحقيق أعلى قدرٍ ممكن من النمو في كافة المجالات، حيث أن قدرة الدول على الوصول إلي مستقبلٍ مستدام يتطلب بالضرورة استغلالًا أمثل للكوادر البشرية من خلال تعليمها وتدريبها وتزويدها بالمهارات اللازمة لتحقيق هذا الهدف، ومن هنا ظهرت الحاجة لضرورة الالتفات إلى التعليم الفني والتدريب باعتبارهم أهم المرتكزات التي يجب أن تحسن الدول استخدامها.

خرافات اجتماعية حول التعليم المهني

التعليم الفني والتدريب المهني

على الرغم من أهميته التي تبررها حاجة العالم الضرورية إليه الآن، إلا أنه يُقَابل بالكثير من الأفكار المغلوطة اجتماعيًا وثقافيًا. حيث يتم تصنيف “التعليم والتدريب المهني” (Vocational Education and Training, VET) في مرتبةٍ أدنى من تلك الذي يحظى به نظيره الأكاديمي، بحيث ينعكس ذلك التصنيف المتردي على خلق نوعٍ من الوصمة الاجتماعية بخصوص ذلك النوع من التعليم، وذلك ليس فقط في عالمنا العربي، وإنما هي فكرة منتشرة في أرجاء عدة من العالم.

فيرفع الكثير من الأهالي والأسر من قيمة التعليم الأكاديمي، حتى وإن أبدى الطالب رغبته أو اهتمامه بمجالاتٍ أخرى مثل تلك التي تتطلب عملًا يدويًا مثل أعمال الكهرباء، مجالات العناية الشخصة أو السيارات. وينتج عن ذلك تدميرًا لمواهب هؤلاء الطلاب، الذين لا يجدون لها تحقيقًا مثمرًا، ذلك بالإضافة إلى انحدار المجتمع نفسه بصورةٍ بطيئة، بسبب الاعتماد المتزايد في تلك الحقبة على المهارات المهنية والتقنية، والتي يعني غيابها، تأثر اقتصاد الدول على نحوٍ سيئ.

أهمية التعليم والتدريب المهني

وعلى عكس ما سبق ذكره، يمثل “التعليم والتدريب المهني”، السبيل الأمثل للنهضة الاقتصادية. فعند دراسة الغاية من التعليم المهني، نجد أنها وفي أبسط صورة لها، هي إكساب الطلاب والمتدربين المهارات المطلوبة التي تؤهلهم لعملٍ معين، فضلًا عن الاكتفاء بالدراسة النظرية فقط. وينعكس ذلك بالأثر المباشر واللحظي على الكفاءة والإنتاجية في ذلك العمل مما يسهم بالتالي في تحقيق الرخاء الاقتصادي.

وبحسب نظرية رأس المال البشري، يمثل العائد الكبير الذي يحققه الاستثمار في الموارد البشرية محركًا رئيسيًا للنمو، فمن شأن الاستثمار في التعليم -المهني في تلك الحالة- أن يزيد من إنتاجية القوى العاملة، وبالتبعية النمو الاقتصادي ككل. ولهذا بدأت أنظار المؤسسات العالمية مثل منظمة “اليونسكو” و “البنك الدولي” في الاتجاه نحو النصح بزيادة الاهتمام بذلك النوع من التعليم لمجابهة الفقر وتعزيز التنافسية، كما يعتقد أن التعليم المهني هو الأداة الأهم في تحول وازدهار الاقتصاد الأوروبي.

خبرات أحرزت تقدمًا في التعليم المهني حول العالم

ألمانيا والتعليم الفني

تعتمد ألمانيا على نظامٍ يسمى “التعليم والتدريب المهني المزدوج” (Dual Vocational Education and Training)، وهو نظامٌ تاريخي، لطالما كان يعد أحد عوامل عملقة ألمانيا على المستوى الاقتصادي. في هذا النظام، يقضي الطالب ما يبلغ من تلثي دراسته تقريبًا في التدريب المتخصص في أحد المصانع في نطاق المجال الذي يرغب في دراسته، أما الثلث الآخر، فيقضيه في التعليم النظري داخل المدارس المهنية، التي يسير محتواها الدراسي في إطارٍ متناغم مع ما يلقاه الطالب من تدريبٍ عملي.

وتشرف الحكومة الألمانية على كل ما يتعلق بالإشراف والمتابعة لتلك العملية، والتي تعمل على التوفير المستدام للعمالة المهرة للشركات والمؤسسات، وأيضًا يضمن إدخال التغييرات والتحديثات التي يفرضها التطور المتسارع في الصناعة إلى المناهج التعليمية والتدريبية أولًا بأول.

ومن ثمرة ذلك، هو معدل البطالة المتميز بين الشباب في ألمانيا والذي يعد من أقل المعدلات في أوروبا، حيث وصل إلى 6.4% في العام 2017 بجسب البنك الدولي. كما احتلت ألمانيا المرتبة السادسة في مؤشر رأس المال البشري، الذي يعنى بتقييم جودة التعليم والمهارات لدى العمال في دولة معينة، بحسب دراسة المنتدى الاقتصادي العالمي في العام نفسه.

كوريا الجنوبية

التعليم الفني والتدريب المهني في كوريا

تعتبر كوريا الجنوبية من الأمثلة المشرقة التي تُذكر في سياق الحديث عن التعليم المهني، ولم تكن قادرة على توجيه الاستثمارات في ذلك النوع من التعليم إلا بعد إصلاح التعليم الأساسي أولًا. وبدأت الاستثمارات الضخمة تتدفق إلى ذلك التعليم في أوائل فترة الثمانينيات عندما أثر عجز العمالة على الاقتصاد، وفي وقت كانت تحتاج فيه الجمهورية الكورية إلى تدفق الأيدي الماهرة.

وتميزت تلك الحقبة بتزايد الإقبال على التعليم الجامعي وهو ما خلق ضغطًا على الجامعات وعجزًا في العمالة المهرة التي تحتاجها الدولة بقوة. ومن خلال نشر التعليم المهني، استطاعت الحكومة أن تسد احتياجاتها من العمالة، والآن أكثر من 40% من الطلاب الثانويين -هؤلاء من أكملوا تعليمهم الأساسي- مندرجين في برامج التعليم المهني، ذلك على الرغم من اعتباره تعليم “درجة ثانية” وسط المجتمع الكوري.

وللحد من تلك النظرة المجتمعية، تحاول الحكومة فتح مساراتٍ من التعليم المهني إلى التعليم الجامعي. فتم العمل على إدراج نسبةٍ معتبرة من المناهج الأكاديمية في التعليم المهني، حتى يتسنى للراغبين من طلاب التعليم المهني التقديم في التعليم الجامعي. وفي هذا السياق، في بعض المدارس، يتشارك الطلاب الأكاديميين مع نظرائهم المهنيين أكثر من 75% من المناهد الدراسية نفسها. كما تعمل الدولة أيضًا على تأسيس العديد من مؤسسات تدريبية عقب التعليم الثانوي، ذلك للقضاء على الخرافات المجتمعية حول التعليم المهني.

التعليم الفني في الصين

يتغلغل نظام التعليم والتدريب المهني داخل النظام التعليمي الصيني بجميع المراحل التعليمية. حيث تكون المرحلة الأولى منه خلال مرحلة التعليم الثانوي، والتي تعمل على تنشئة عمالة تمتلك مهارات التشغيل الأساسية في المصانع وغيرها.

ومن ثم يأتي التعليم ما بعد الثانوي وهو ما يعمل على توفير مهاراتٍ أكثر كفاءة وطلبًا في مجالات معينة كالتصنيع، الإدارة والتشييد والبناء. وأخيرًا تنتهي المراحل التعليمية الخاصة بالتعليم المهني بمرحلة التدريب، بحيث تعرض العديد من الشركات العديد من الفرص التدريبية، الأمر الذي يسهم في زيادة مقدرة الطلاب على تطبيق الدراسة النظرية بشكلٍ عملي.

ختامًا، لقد أدركت الدول المتقدمة مبكرًا أهمية التعليم الفني والتدريب، لذا فقد عملت على تطويره وتحديثة بما يتلاءم مع التقدم التكنولوجي وحاجتها، ولكن في مجتمعاتنا العربية ما زال ينظر إليه على أنه درجة ثانية من التعليم، وهو ما يتطلب جهدًا كبيرًا وتوعيةً أكبر بأهميته، من خلال اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحديث منظومته، والاهتمام بالمنتسبين إليه على قدم المساواة مع غيرهم، إن أردنا تحقيق مستقبلٍ مستدام.

شاركونا الرأي حول كيف ترون التعليم الفني في الوقت الحالي؟ هل هو ضرورة أم رفاهية؟

اقرأ أيضاً: الحرف اليدوية: وسيلتك للمحافظة على سلامتك العقلية واقتراحات لأمتع الحرف وأسهلها

0

شاركنا رأيك حول "إن أراد أن يكون ميكانيكياً لا تمنعه، فالتعليم الفني أمل المجتمعات في مستقبلٍ مشرق"