الحصول على العلامة الكاملة… تفوق وإبداع، أم حاجة وضرورة تعليمية؟

العلامة الكاملة
2

العلامة الكاملةللمرحلة الدراسة في عقولنا الكثير من الذكريات، ومن الأمور التي لا تُنسى هي لحظة إعلان النتائج وما يعتري الطلاب من مشاعر تختلف بين الحزن و الفرح تبعاً للنتيجة. وأكثر ما كان يلفت انتباهي تعابير السرور على وجه الطالب الحاصل على العلامة الكاملة ونظرات زملائه تلاحقه بشيء من الإعجاب وربما الحسد، وكأنه قد أضاف معجزة إلى معجزات الدنيا أو حصل على براءة اختراع في مجال ما.
فهل يستحق الحصول على العلامة الكاملة كل هذا الاهتمام؟ وهل يدلّ هذا على تميز الطالب عن باقي زملائه؟
أسئلة سنحاول أن نجيب عليها في مقالتنا علّنا نضيء قليلاً على بعض الجوانب المهمة والمفيدة في هذا الموضوع…

1- دور الأهل:

تتعدد الأسباب وراء هذه الرغبة لكن – برأيي – أنها تبدأ من الدائرة الضيقة حول الطالب نفسه، فكلنا يعلم كم يتمنى الأهل التفوق والتميز والنجاح لأبنائهم وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يتحول التمني إلى ضغط على الابن يثقل كاهله فقط لينال علامات عالية يثبتون بها تميزه وتفوقه على أقربائه وجيرانه، تبدأ المشكلة هنا، فنرى الطالب يبتعد شيئاً فشيئاً عن الفهم والاستيعاب ليصبح جُلّ همه كيف سيحصل على العلامة الكاملة ليرفع رأس أهله بين الناس، وكأنه في سباق مع زملائه، الفائز فيه من يحصل على علامات أكثر دون أن يكترث إن فهم أم لا وكل ما يريده إرضاء رغبات والديه.

 

2- دور المدرسة:

لا ننسى أيضاً أن المدرسة هي بيت الطالب الثاني، يكتسب منها الأفكار والعادات والسلوكيات تماماً كما المنزل. وهنا يكمن بيت القصيد فالمدارس والجامعات أيضاً بما فيها من كادر تدريسي تساهم في توجه الطالب نحو تحصيل العلامات وجعلها هدفاً بحد ذاته عندما يرى المعاملة التي يحظى بها من يحصل على العلامة الكاملة وكيف يتميز عن زملائه فيتمّ تكريمه ومدحه والثناء عليه وحتى مقارنة زملائه معه مما قد يخلق نوعاً من الحساسية بينهم وينعكس على الطلاب فيظنون أن التفوق يكمن في تحصيل العلامات ومدى قدرة الطالب على تحقيق العلامة التامة، وبذلك تبرهن أنك مبدع و متميز عن الجميع.

 

3- النظام التعليمي:

العامل الأهم – حسب اعتقادي – في سعي الطلاب لنيل العلامة الكاملة هو نظام التعليم المتبع والذي يعتبر العلامات والمعدلات معياراً ثابتاً في تقييم الطالب وتحديد مستقبل دراسته ومجال تخصصه دون الرجوع لميوله وقدراته أو حتى رغباته، ولو أدّى ذلك إلى إنتاج أفراد غير ناجحين، فالحاصل على العلامة التامة يحق له دراسة المجال الذي يريد وتكون فرصته أكبر من زملائه وإن لم يمتلك إمكانيات تجعله ناجحاً في الحياة.

 

هل العلامة الكاملة مقياس لنجاح المعلم في إيصال الفكرة للطالب؟

عادة ما تنتهي المرحلة الدراسية بامتحان يُقرَّرُ على إثره نجاح الطالب إلى المستوى التالي أو رسوبه، وأساس هذا الامتحان قائم على عدد من الأسئلة، يُعطى لكل سؤال عدد من الدرجات، فإذا أجاب الطالب عليها حصل على العلامة التامة واعتُبر متفوقاً  متميزاً.
لكن هل سألنا أنفسنا ما إذا كان الطالب قد استوعب أجوبة الأسئلة التي اجتازها أم سينسى المعلومات مع انتهاء الامتحان؟ وهل ما تعلمه طوال الفترة الدراسية قد زاد من مداركه ووسّع من علومه للدرجة التي مكّنته من الإجابة عل جميع الأسئلة المطروحة في الامتحان؟
ها هو مجتمعنا مليء بأشخاص أنهوا دراستهم بتفوق وتميز لكنهم لم يفلحوا في الحياة العملية ولم تسعفهم علاماتهم العالية في إثبات تميزهم عملياً. وكم من شخص برع بمهنته أو بمجال ما وأبدع رغم أنه لم يحصل على علامات عالية!
وهذا – باعتقادي – نتيجة طبيعية لإغفال دور نوعية التحصيل العلمي ورفع كفاءة الأفراد على حساب تحصيل العلامات والمعدلات العالية، ودليل على أن نجاح التعليم بعيد كل البعد عن نتائج الامتحانات ومتعلق بمدى فهم المعلومة واستيعابها ثم استثمارها بالشكل الأمثل. ولنا في تجارب الآخرين خير دليل.

فهاهي فنلندا تصبح أول دولة في العالم – حسب الأمم المتحدة – بالنسبة للتحصيل العلمي وليس لجودة قطاع التعليم. فنرى نظام التعليم فيها يساعد على التقارب بين مستويات الطلبة من خلال إفساح المجال للجميع لاكتساب المهارات والتعلم بالرغم من تفاوت نسب الذكاء بينهم، وأما المعلمون فهم يبتعدون عن أسلوب التلقين مشجعين الطلاب على البحث والاستكشاف للوصول إلى المعلومة الصحيحة، والأهم من هذا يبتعد المعلمون عن إجراء امتحان أو اختبار، إنما يقومون بتقييم أداء الطلاب، وهذا له دور إيجابي في رفع كفاءتهم وعدم السماح بالتمييز بينهم، فالناحية النفسية للطالب في غاية الأهمية ولا يلقون بالاً للعلامات والمعدلات للقبول في الجامعات بقدر ما يهتمون بتحسين عملية التعليم ورفع مستواها.

خلاصة القول إني في معرض مقالتي هذه لم أقلل أبداً من شأن أولئك الحاصلين على درجات تامة في مختلف المدارس والجامعات، بل وجودهم أمر طبيعي فالناس متفاوتون في مستوى الذكاء وقدرتهم على المذاكرة وقد خصّهم الله بهذه الميزة، وهذا لا يعني تماماً أن كل من حصل على علامة كاملة هو ذكي وأن العكس صحيح، أن كل من لم يحصل عليها ليس ذكياً (غبي).
فالمجتمع مثلما هو بحاجة للمتفوق المتميز، هو بحاجة أكثر لمن هو أقل مستوى، فالكلّ له دور في هذه الحياة. ولتكون ناجحاً ليس بالضرورة أن تحصل على العلامة التامة، فالنجاح يكون في أي مجال تحبه وتتقنه وتبذل جهوداً لتطوير نفسك فيه.

2

شاركنا رأيك حول "الحصول على العلامة الكاملة… تفوق وإبداع، أم حاجة وضرورة تعليمية؟"

أضف تعليقًا