مدارس فالدروف
0

في عام 2011 كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها تحت عنوان: “A Silicon Valley School That Doesn’t Compute” الذي يتحدث عن أن كبار صناع التكنولوجيا في العالم يحرصون على تسجيل أولادهم في سلسلة مدارس تمنع استخدام كل أشكال التكنولوجيا منعًا نهائيًا، وقالت الجريدة إن مدراءً في شركة GOOGLE وAPPLE وHP وE-BAY يلحقون أولادهم بتلك المدارس من الحضانة حتى الثانوية، في الوقت الذي يحمل فيه آباء هؤلاء الأولاد أعلى الدرجات العلمية والمشاركة الفعلية في تصنيع الحياة الرقمية، يدرس أبناؤهم في مدارس فالدورف الألمانية حيث التعليم الإنساني الممتلئ بأشياء قد تكون غريبة بالنسبة لأنظمة التعليم السائدة في العالم حاليًا، ففي الوقت الذي يتجه فيه التعليم العالمي إلى الانغماس والتماهي التامّ مع التطور الرقمي والتفاخر بالإمكانيات الرقمية الهائلة التي يستخدمها المعلمون في تعليم الأطفال، والاستخدام اللامحدود للتكنولوجيا، رفعت مدراس فالدورف شعار (التكنولوجيا يمكنها أن تنتظر)!

مدارس فالدورف الألمانية

من هو مؤسس فالدورف؟

مدارس فالدروف

أنشئت مدرسة فالدورف عام 1919 بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن فقدت ألمانيا الكثير من قواها البشرية والنفسية، فقرر الفيلسوف النمساوي (رودولف شتاينر) أن يجري تجربةً صغيرة في محاولةٍ للنهوض بالمجتمع مرةً أخرى بأن يبني مدرسةً صغيرة لأولاد العمال الذين يعملون في مصنعه؛ فكانت التجربة الأولى لفالدورف في مدينة شتوغارت الألمانية. بدأت المدرسة في الانتشار حتى أوقفها هتلر النازي، ولكنها عادت مرةً أخرى بعد الحرب العالمية الثانية.
عمل شتاينر في حياته كمصلحٍ اجتماعيّ، ومهندسٍ معماريّ، وناقدٍ أدبيّ، وتأثر كثيرًا بالفلسفات الباطنية وأسس حركةً روحية، وله العديد من الكتب الفلسفية. بعد قرنٍ من الزمان، أصبحت والدروف أكبر حركةٍ مدرسية مستقلة في العالم، ولها أكثر من 1200 مدرسة مستقلة وما يقرب من 2000 روضة أطفال تقع في 75 دولة، بالإضافة إلى أكثر من 500 مركز للتربية الخاصة في أكثر من 40 دولة. هناك أيضًا عدد من المدارس العامة في ولدورف، والمدارس والأكاديميات المستقلة، وبيئات التعليم المنزلي، وتعد ألمانيا والولايات المتحدة وهولندا هي الدول التي يوجد بها عددًا كبيرًا من مدارس ولدورف.

فلسفة التعلم في فالدورف والفارق بينها وبين التعليم العادي

يقول آلان إيجل 50 عاماً، أحد أولياء أمور طلاب المدرسة، والذي حصل على شهادة عليا في دراسة علوم الكمبيوتر:
“أرفض بشكل أساسي فكرة أنك بحاجة إلى وسائل مساعدة تكنولوجية لتتعلم القواعد، ففكرة أن تطبيقًا ماعلى iPad يمكنه تعليم أطفالي القراءة أو إجراء العمليات الحسابية بشكل أفضل هي فكرة سخيفة”.

يقوم نظام التعليم في والدروف على التفاعل الجسدي بين الطلاب وبين الطبيعة، وتستخدم الأدوات الطبيعية في مقابلة الأدوات الرقمية الحديثة، فالسبورة والطباشير في مقابلة شاشات التابلت والهواتف الذكية، والعدّ واستخدام الحَبّ والبذور بدلاً من استخدام الآلات الحاسبة، كما يتم استخدام موادٍ يدوية وتعلم مهاراتٍ حياتية مثل الطين، والفأس وبذور الزراعة، واستخدام الخيط والإبرة لتعلم الحياكة وفنون التريكوه والكروشيه، على أن ينتج الطالب منتجات خاصة به ومعبرة عنه.

مدارس فالدروف

أبرز الاختلافات بين التعليم في فالدورف وفي المدارس العالمية، كما أنّ هناك العديد من الاختلافات الأخرى بين طريقة ولدورف ومنهجيات التدريس التقليدية الأخرى مثل:
إلغاء التركيز على التعليم الأكاديمي، وفي الواقع غالبًا ما تكون أنواع التعليم التي يتم قطعها بشكل روتيني من ميزانيات المدارس العامة هي جوهر تعليم والدورف، وتشمل هذه الأنواع الموسيقى والرسم واللغات الأجنبية، بالإضافة إلى ذلك لا تستخدم طريقة والدورف أيّ كتبٍ مدرسية حتى الصف السادس وبدلاً من الكتب، يحتفظ أطفال المدارس الابتدائية بمجلة يسجلون فيها تجاربهم وما تعلموه.

كما قلنا تحتلّ الفنون مكانةً بارزة في نظام والدروف التعليمي، حيث يستخدم الأطفال الآلات الموسيقية غير الرقمية مثل الطبول، والكمان، وآلات النفخ والتدرب على الغناء كما يستخدمون الفرشاه والرسم بالألوان الطبيعية ومحاولة الاندماج مع الطبيعة ومحاكاتها في فنونهم، كما يتعلمون اللغات من خلال تشكيل الحروف بالطين والصلصل، وترديد القراءة وراء المعلمين، وحفر الحروف على الصخور، وتعتبر استراتيجية وولدورف في التدريس استراتيجيةً تعليميةً فريدة؛ تهدف إلى تكوين طلاب متقنين لمهاراتهم الحياتية من خلال منهج واسع، هدفها الأكبر هو إنتاج أفراد قادرين على خلق معنى في حياتهم.

اقرأ أيضاً: حقائق عن ألمانيا .. الملجأ الإنساني الأوّل في العالم

يؤمن القائمون على مدارس فالدورف والحريصون على إلحاق أبنائهم بها بعدة قيم وأفكار أهمها:

الانغماس في البيئة الأصلية للإنسان

وتعني البيئة التي يتفاعل الإنسان معها بدون وسائط صناعية، أو تكنولوجيا، لذلك يهتم رواد فالدورف بتعليم الأطفال الزراعة، والحياكة، وقضاء الأوقات الطويلة خارج الفصول، بل وجعل بيئات التعلم ذاتها بيئات طبيعية.

مدارس فالدروف

 

بناء الروابط الاجتماعية والتواصل البشري

يهتمّ رواد فالدورف بفكرة التواصل البشري والتعامل مع الأقران بأخلاقيات المشاركة ونشر قيم المساعدة بين الناس وبعضها البعض، كذلك يعتبر التواصل الحقيقي والتواجد الجسدي للآخر شرطًا مهمًا من شروط الروابط الاجتماعية القوية.

الاهتمام بما هو روحي

بالنسبة إلى شتاينر، يتحقق التكامل الإنساني عندما يتصل الإنسان بروحه ويتفاعل معها كما يتفاعل مع جسده، لذلك لا تستغرب أن قضاء الأوقات من أجل التأمل و ممارسة طقوس العبادة المختلفة للأديان المختلفة داخل مؤسسات فالدورف التعليمية هو جزء أساسي لا ينفصل عن الممارسة التعليمية ويعتبر أصلًا من أصولها.

الاستكشاف الذاتي

المهارات لا تولد وحدها، ففي حين أن القدرات الكامنة داخل الإنسان جبارةٌ وهائلة ولا يعلم مداها أحد، إلا أنها بحاجة إلى من يستخرجها أحيانًا، ومن يوجه صاحبها إلى استكشافها ورؤيتها أحيانًا أخرى، لذلك يحاول رواد فالدورف دائمًا توجيه الأطفال نحو داخلهم ونحو عالمهم لكي يستطيعوا وضع أيديهم على قدراتهم الخاصة ومعرفة ما يمكنهم أن يقوموا به، وما لا يمكنهم القيام به منذ الصغر، وهذا النوع من المعرفة يحتاجه الإنسان بشدة في الصغر حتى لا يصير شابًا متخبطًا يحاول أن يجد نفسه ويستكشفها بعد انتهاء أفضل سنوات عمره التي يكون الإنسان فيها أعظم ما يكون استعدادًا وقدرة على التعلم والمعرفة.

المنع التام للتكنولوجيا:

قد يقول قائلٌ بأن التنحية التامّة للطفل عن التكنولوجيا، معناه انفصاله عن العالم الذي يعيش فيه، ولكن لرواد والدروف رأي آخر، فالإيمان بالذات الإنسانية التي خلقت التكنولوجيا هو الأصل، لذلك حينما يتقن المرء مهاراته الإنسانية الأولى في سنوات طفولته وشبابه، فإنه يستطيع أن ينطلق بعد ذلك في أي وضعٍ كان وتحت أي ظرف.

لا تقلق أيها القارئ إن لم تستطع إلحاق أطفالك بإحدى فروع فالدورف، لم يفت الأوان بعد، وليست فالدورف إلا فلسفةً ونمطًا للتفكير والعيش يمكنك الاستلهام منه وتطبيقه مع أولادك فما لا يدرك كله لا يترك كله.

اقرأ أيضاً: الدراسة في ألمانيا

0

شاركنا رأيك حول "يمكن للتكنولوجيا أن تنتظر… شعار مدارس فالدورف الألمانية لأبناء صناع التكنولوجيا، ماذا تعرف عنها؟"