0

هل سمعت يوماً حكايات ونظريات مؤامرة من كبار السنّ عن الأجهزة الإلكترونية القديمة التي كانت تصمد لسنوات دون أن تتلف؟ وأنّ الكثير من المنتجات الحالية أصبحت مصمّمة لكي تتلف بعد فترة معيّنة ليقوم المستهلكون بترقيتها أو استبدالها؟ لا بدّ من أنّ هذه الحكايات تردّدت على مسامعك بطريقة أو بأخرى، وحتى اليوم ما زالت هذه الفكرة منتشرة بشكل واسع حول العالم بين جميع الثقافات والأعمار.

يُشار إلى هذه الظاهرة بمصطلح التقادم المخطط له أو التقادم المقصود (Planned Obsolescence)، والتي تتمثّل بقيام الشركات بتصميم منتجاتها بحيث تتلف أو تصبح غير قابلة للاستخدام بعد فترة معيّنة لدفع المستهلكين لشراء غيرها واستمرار تدفّق الأرباح، وفي حال كانت تراودك بعض الشكوك حول صحّة تلك الادعاءات تابع معنا هذا المقال، حيث سنتكلّم عن تاريخ هذه الظاهرة ومدى صحّتها وكيف تطوّرت لتشمل البرمجيات بعد أن كانت مقتصرة على العتاد المادّي فقط.

ما هو التقادم المخطط Planned Obsolescence؟

Planned Obsolescence-The Light Bulb Conspiracy | by Talha Shaukat | Medium

بدأ استخدام مصطلح التقادم المخطط بالانتشار بشكل واسع منذ خمسينات القرن الماضي، ولكنّ الممارسات التي تنطوي تحت مظلّته تعود لعدّة عقود قبل ذلك، وما زال الكثيرون يستخدمونه لاتّهام الشركات بأنّها تقوم بتصميم منتجاتها عمداً بحيث تتلف بعد فترة أو تصبح غير قابلة للاستخدام أو الإصلاح، وذلك من أجل دفع المستهلكين إلى شراء غيرها وتحقيق أرباح إضافيّة عن طريق ذلك.

اليوم أصبح هنالك الكثير من الاتهامات والنظريات التي تشمل معظم الشركات خاصة في مجال الأجهزة الإلكترونية، ولكنّ أبرزها وأقدمها كان في عشرينات القرن الماضي حين قامت عدّة شركات بإنشاء اتحاد Phoebus الاحتكاري (Phoebus cartel)، والذي تضمّن كبرى شركات تصنيع المصابيح الضوئيّة حول العالم مثل Osram الألمانية وGeneral Electric الأمريكية، وقد اتفقوا حينها على تقليل عمر تلك المصابيح إلى 1000 ساعة عمل -أقل من نصف المدّة السابقة- لرفع حجم مبيعاتهم مع الوقت.

تعتبر تلك الحادثة أبرز مثال على التقادم المخطط بالنظر لكونها ليست عبارة عن نظريات وإنّما ظهرت الكثير من الأدلّة التي أكّدت على صحتها، كما أنّ بعض المصابيح الكهربائية القديمة التي ما زالت تعمل حتى اليوم تعتبر دليلاً واضحاً على أنّ ممارسات التقادم المخطّط من قبل تلك الشركات.

على سبيل المثال هناك مصباح كهربائي يدعى اللمبة المئوية (Centennial Light) تمكّن من دخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية لكونه أقدم مصباح ما زال يعمل حتى اليوم دون توقّف منذ عام 1901، حيث يوجد موقع يقوم ببث مباشر له مع تحديث كل 30 ثانية، كما أنّ هنالك العديد من المصابيح الأخرى التي ما زالت تعمل على الرغم من أنّ عمرها يعود لبدايات القرن العشرين، إنه عمر طويل للغاية مقارنة مع أي مصباح كهربائي عرفته في حياتك.

أنواع التقادم المخطط

Planned Obsolescence & End of Life | Blog | Curvature

هناك الكثير من الأساليب التي يمكن للشركات استخدامها لتطبيق استراتيجية التقادم المخطط، حيث يختلف أسلوب كل شركة بحسب أهدافها وأنواع منتجاتها وقدرتها على تطبيق ذلك فعلاً دون التعرّض لمشاكل، ويعتبر تصميم المنتج لكي يتلف بعد مدّة معيّنة هو الأكثر شهرة -كما هو الحال مع المصابيح الكهربائية التي تتلف بعد فترة معينة- أما بالنسبة للمنتجات الإلكترونية الشخصية فتلجأ بعض الشركات لاعتماد سياسة إصدار منتج جديد كل عام مع الترويج له بشكل يجعله يبدو أفضل من القديم بكثير على الرغم من كونه لا يقدّم الكثير من الميزات الضرورية للترقية.

بالنسبة للأجهزة الصغيرة نسبياً والتي تحتوي الكثير من المكوّنات داخلها كالهواتف والحواسيب المحمولة، قد تلجأ الشركات لتصميمها بحيث يصعب إصلاحها أو استبدال المكوّنات الأساسية الخاصة بها، أو من الممكن جعل تكلفة إصلاحها مرتفعة جداً بحيث يكون خيار شراء جهاز أحدث مناسباً أكثر للمستهلك، وعلى الرغم من أنّ الشركات قد يكون لديها أسبابها الخاصة لتصميم منتجاتها بهذا الشكل، إلّا أنّ استفادتها الواضحة من هذه الممارسات يبقى موضع شك في النهاية.

خلال العقدين الماضيين ومع تزايد الاعتماد على البرمجيات كمكوّن رئيسي للكثير من الأجهزة الإلكترونية، أصبحت تحديثات النظام وسيلة جديدة يمكن للشركات الاستفادة منها لتطبيق التقادم المخطّط بشكل جديد، ففي حال كان لديك طابعة من عام 2010 على سبيل المثال، قد تتفاجأ يوماً أنّها لا تعمل بشكل جيّد أو لا تعمل أبداً عند استخدامها مع أحد الحواسيب الحديثة التي تأتي بنظام تشغيل أحدث، وبالتالي سيكون الحل الوحيد حينها هو شراء طابعة جديدة أو حاسوب قديم لتشغيلها.

التقادم المخطط مع الهواتف الذكية

تعتبر الهواتف الذكية من أهمّ الأجهزة الإلكترونية وأكثرها انتشاراً خلال العقد الماضي، وبالنظر لكونها مرتبطة بشكل وثيق بنظام التشغيل الخاص بها، فقد كان ذلك عبارة عن ثغرة تستطيع الشركات استغلالها لتطبيق التقادم المخطط ودفع المستخدمين للترقية إلى الإصدارات الأحدث بعد فترة قصيرة نسبياً بدلاً من الاحتفاظ بنفس الهاتف لوقت طويل:

الهواتف العاملة بنظام أندرويد

Samsung Galaxy Note 9 review: Note 9 could still reel you in after the Note 10 launch - CNET
أطلقت سامسونج هاتف Galaxy Note 9 في نهاية 2018 بسعر $1000، ومع ذلك لن يحصل على تحديثات نظام عام 2021

يبدو التقادم المخطط واضحاً بشكل أكبر مع الهواتف التي تعمل بنظام أندرويد في الواقع، حيث أنّ معظم الشركات لا تدعم هواتفها لأكثر من تحديث نظام تشغيل واحد أو اثنين في أفضل الأحوال -مع بعض الاستثناءات بالطبع- وبالتالي فإنّ الكثيرين يضطرون بالنهاية للترقية من أجل الحصول على أحدث الميزات ودعم التطبيقات التي تقوم أيضاً بإيقاف دعم الأنظمة القديمة بشكل تدريجي أيضاً.

لا يوجد دليل واضح على أنّ الشركات تعتمد التقادم المخطط من خلال هذه الطريقة، حيث يجادل البعض بأنّ التنوّع الكبير لهواتف أندرويد وتواجد خيارات بأسعار رخيصة يجعل عملية دعم التحديثات مكلفة للوقت والجهد بشكل كبير، ولكنّ هذا الدعم القصير يصبّ في مصلحة الشركات في النهاية.

هواتف آيفون بنظام iOS

 

How to Turn On Low Power Mode on iPhone 12(Pro/Max)11Pro,All iPhone

تعتبر هواتف آيفون متفوّقة بشكل واضح من ناحية دعم التحديثات التي تستمر لأربع سنوات على الأقل، وذلك بالإضافة لكون الهواتف دائماً ما تكون قادرة على الاستمرار بتقديم أداء جيّد بعد فترة طويلة على عكس هواتف أندرويد، ولكنّ كل تلك الامتيازات التي يتمتّع بها المستخدمون ذهبت في مهبّ الرياح بعد فضيحة آبل حول تعمدها إبطاء بعض هواتف ايفون القديمة عن طريق إرسال تحديث جديد، وقد تعرّضت الشركة لكثير من الانتقادات حينها.

صرّحت آبل حينها بأنّ إبطاء الهواتف كان بقصد حماية مكوّناتها الداخليّة من التلف عند تراجع أداء البطارية، حيث أنّ الهاتف لن يكون قادراً على تقديم أداء عالٍ عند تراجعها بشكل كبير، ولكن في حال استبدال البطارية بواحدة جديدة فإنّ الأداء سيعود لسابق عهده، وعلى الرغم من ذلك فقد تعرّضت لغرامات بقيمة 113 مليون دولار نتيجة عدم توضيحها هذه النقطة للمستخدمين منذ البداية.

قد يجادل البعض أيضاً أنّ قرار الشركة كان صائباً هنا، ولكنّ ما يدعو للشك بنواياها هو عدم توضيحها منذ البداية بأنّ تراجع أداء البطارية سيؤدّي لإبطاء الهاتف بشكل واضح، وهو ما يدعم نظريّة أنّ غايتها الرئيسية من ذلك كان تطبيق التقادم المخطط ودفع المستخدمين للترقية.

ما هو مستقبل التقادم المخطط؟ وهل يقدّم أي فوائد حقيقية فعلاً؟

LiveGreen: Planned obsolescence | UNMC

للوهلة الأولى يبدو التقادم المخطّط عبارة عن سياسيات سيّئة تتبعها الشركات لزيادة أرباحها على حساب المستهلكين -وهو ما يعتبر صحيحاً إلى حدّ ما- كما أنّ ضرر هذه الممارسات على البيئة سيستمرّ بالازدياد مع تزايد نسبة المنتجات التي تتلف أو تصبح غير قادرة على إنجاز المهام المطلوبة منها، ولكنّ بعض النظريات تشير إلى أنّ التقادم المخطط يقدم بعض الفوائد في الواقع، وسواء اتّفقت معها أم لا، فهي تعتبر جانباً إيجابياً برأي البعض.

تتمثّل تلك الإيجابيات بشكل رئيسي بتحسين الدورة الاقتصادية وخلق الكثير من الوظائف الجديدة مع استمرار نموّ الصناعات الإلكترونية وزيادة الطلب عليها، كما أنّ استخدام الشركات للتقادم المخطط قد يساهم في التشجيع على الابتكار ودفع المستخدمين لاعتماد التقنيات الجديدة بشكل أسرع أيضاً خاصة في مجال الهواتف الذكية والحواسيب.

بشكل عام ما زالت النظرة للتقادم المخطط سلبية بالمجمل، خاصة بالنظر لآثارها السلبية على البيئة إضافة إلى تأثيرها على المستهلكين بالطبع، وللحدّ من تلك الممارسات بدأت الكثير من المؤسسات والمنظمات في العديد من الدول حول العالم باعتماد سياسات ومبادرات جديدة لتشجيع الشركات على تقديم منتجات أفضل وقابلة للإصلاح والاستخدام لفترة طويلة، وفي النهاية جدير بالذكر أنّ التقادم المخطّط لم يعد عبارة عن مؤامرة واتفاق بين عدّة شركات كما حصل في القرن الماضي، ولكنّه يبقى أمراً يجب مكافحته والحدّ منه لمستقبل أفضل للجميع.

0

شاركنا رأيك حول "صُنع ليَتلف.. كيف تستخدم الشركات التقادم المخطط لتغيير أجهزتك كل بضع سنوات؟"