فيلم 50or Two Whales meet at The Beach
0

قديما قرأت مقولة للكاتب أنيس منصور تقول أن الإنسان في عمر الشباب يتمنى أن يغير العالم وعندما يتقدم به العمر يتمنى أن يغير الشباب، وهي جملة تلخص الصراع الأبدي بين الأجيال التي دائما لا يفهم كلاهما الأخر، وهذه الجملة يتعمق معناها ويتضاعف خاصة بين الجيل القادم وسابقيه، فلا أحد يعرف عنهم شيئا ولا عن أحلامهم ومخاوفهم وصراعاتهم.

الصراع في فيلم 50or Two Whales meet at The Beach جاء هادئا رغم غليان أطرافه، والمخرج خورخي كوتشي من خلال فيلمه – الذي فاز بجائزة نجيب محفوظ لأفضل سيناريو في عرضه الأول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمسابقة الدولية بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ42 – اختار أن يرينا جانبا من صراعات أبنائنا الذين نجهلهم.

أقرأ أيضًا: ألا أونا، ألا دو، ألا تري: مناورات المزاد العلني تقتحم المأدبة الاقتصادية لجائزة نوبل 2020

مشهد من فيلم 50or Two Whales meet at The Beach

صراع الجيل الأصغر ليس جديدا، فهو صراع عيشناه سابقا مع من يكبروننا سنا ونحياه الآن مع أبنائنا، لكن الفيلم يدق ناقوسا للخطر لننتبه لهم ونستمع إلي ما يدور داخلهم، ونعي أن هذا الجيل لا نعلم عنه شيئا ولم نحاول يوما أن نتعرف على عالمهم ولا الاقتراب منه، وفقط نوجه لهم اللوم والتوبيخ والإتهام بإنحدار الذوق والأخلاق وهم يعيشون بعيدا في فقاعات فضائية تبتلعهم يوما بعد يوم ويحيط بهم الخطر عبر شاشات مضيئة تتعلق بها أنظارهم وتنكب عليها رؤوسهم غير معنيين بما يحيط بما يدور حولهم.

125 دقيقة من السكون لا تسمع همسا بين الجمهور الذي حبس أنفاسه قلقا على فيليكس وإليسا بطلي الفيلم، مراهقان كلا منهما يعاني بطريقته ولا يعرفان بعضهما، “فيليكس” الشاب الذي يعيش منزويا يعاني من انفصال والده ووالدته واختلاف أساليبهما في التربية رغم محاولات والدته المستمرة لتقترب منه، بينما “إليسا” الفتاة التي تعاني ألم رحيل أبيها وتعيش مع أمها وصديقه، وتظل طوال الوقت تعاني صامتة وتتجنب الحديث معه.

مراهقان متباعدان يجمعهما صراعتهما النفسية وأزماتهما العائلية ويجدا ضالتهما في هواتفهما المحمولة فيلتقيا من خلال اللعبة القاتلة التي انتشرت مؤخرا في حياتنا الواقعية، لعبة الحوت الأزرق التي أودت بحياة الكثيرين بعد الوصول لمرحلتها الأخيرة وهي انتحار اللاعب.

من خلال اللعبة تعارفا، واقترب كلا منهما للأخر ونمت علاقتهما بعد أن جمعتهما مراحل اللعبة وتحديات كل مستوى مطلوب منهما، وجمع بينهما رغبة كلا منهما في الموت والخلاص من معاناته وتعاهدا على الموت سويا.

تتطور الأحداث بتقاربهما وصعوبة التحديات المطلوبة لإتمام اللعبة وتتسبب في تورطهما في جرائم تزيد من نشوة إنتصارهما ولذة التحدي لديهما وتتسع فجوة انعزالهما لتبعدهما أكثر عن عائلتهما إلى أن يكتشف فيليكس خدعة إليسا له التي رتبت كل هذه المحادثات بينها وبينه لإيهامه أن من يراسله هو مسئول لعبة الحوت الأزرق، حتى تجد شريكا يوافق على الموت معها – لأنها تخشى الموت وحيدة – ورغم صدمة فيليكس إلى أنه لم يتراجع عن قرارهما بالموت سويا.

"فيليكس" من فيلم 50or Two Whales meet at The Beach

اختار المخرج خورخي كوتشي أن يقدم تفاصيل حياة فيليكس وإليسا متزامنتان بطريقة متوازية قاسما الشاشة لنصفين لنشاهد مدى التشابه بين صراعاتهما النفسية رغم اختلاف ظروف كلا منهما، ليؤكد على أن الفروق بين صراعات الجيل متقاربة فقط تختلف في التفاصيل، إلى جانب أنه أخفى الأباء والأمهات طوال أحداث الفيلم، فلم يظهر من والد فيليكس سوى كتفه وسمعنا صوته وهو يقود السيارة بجانب ابنه ولم يكشف عن والدته سوى بسماع صوتها فقط تلوم ابنها طوال الأحداث، وكذلك والدة إليسا وصديقها لا نسمع سوى أصواتهما ومرات قليلة يظهران من الخلف، فقد أخفاهم تماما طوال الأحداث ولم نراهم سوى مرة واحدة في نهاية الفيلم عندما قام البطلان بإنجاز أخر تحدي في اللعبة.

هنا فقط كشفت الكاميرا عن والدة إليسا وهي عائدة لمنزلها الذي طلبت من ابنتها الإنتظار به ليتحدثا سويا، لكنها وصلت بعد أن قاما البطلان بقتل صديق والدتها انتقاما من أفعاله المشينة مع إليسا – وهو ما سعت إليه منذ البداية – ثم انتحرا سويا فنشاهد والدتها للمرة الأولى والأخيرة تخرج من المصعد وتسير متجهة نحو شقتها، وكذلك والدة فيليكس التي نراها للمرة الأولى في المستشفى بجوار ابنها بعد إنقاذه من محاولة الإنتحار ثم تغادر مع الطبيب لخارج الغرفة لينجح ابنها في محاولته هذه المرة.

جاء غياب الأباء والأمهات عن الكاميرا في إشارة لغيابهم عن أبنائهم وصغر حجم الدور الذي يلعبانه في حياتهما رغم محاولات الأمهات للتقرب من أبنائهم لكنها لم تكن محاولات مجدية ووصولهما لأبنائهم جاء بعد فوات الأوان.

أداء كلا من فيليكس وإليسا جاء هادئا دون انفعال أو تصنع ونقل للمشاهد معاناة كلا منهما وصراعاتهما النفسية، وجاء في كثير من الأحيان صامتا الأمر الذي جعل مشاعر المتفرج تتوحد مع الشخصية.

“خورخي” قدم معالجة قوية تتضمن بعض المشاهد المؤلمة حين أنجز البطلان أحد التحديات المطلوبة بجرح أنفسهم بشفرة الحلاقة وكذلك مشهد انتحارهما وهي معالجة ذو حدين فهي تطلق صافرة إنذار ليدرك الأباء حجم الخطر المحيط بأطفالهم ويسارعوا بإنقاذ ما تبقى من فرص مع صغارهم، وهي ذاتها ما تشكل خطرا على كل ما تميل عقولهم للخلاص من معاناة الحياة، فقد قدمت بعض مشاهد الفيلم تفاصيل عن الطريقة الصحيحة لقطع الشرايين حتى لا يسع للمحيطين إنقاذ المنتحر وهو ما يشكل خطرا إذا قام بعض المراهقين بالإقدام على التجربة، وعلى الصعيد الأخر أنهى المخرج الأحداث بالمحاولة الناجحة لإنتحار فيليكس ليلحق بحبيبته إليسا بعد فشل المحاولة الأولى التي أقدما عليها سويا، وهو ما يعطي انطباعا أنه لا سبيل عن رجوع المنتحر عن قراره، واختتم هذه النهاية الحزينة بتلاقي الحوتان الأزرقان (فيليكس وإليسا) على البحر بعد موته في مشهد رومانسي يجمع الحبيبين بعد تخلصهما من معانتهما وهو ما يرسخ أن الإنتحار ينهي أزماتنا الحياتية وصراعاتنا النفسية ويجمع بيننا وبين أحبائنا، وهذا أمر شائك من الممكن أن يدفع البعض للإقدام على هذه الخطوة خاصة بعد أن أظهرت بعض الدراسات مؤخرا أن هناك أشخاصا يميلون لفكرة الخلاص من الحياة دون التعرض لمشكلات نفسية إلى جانب من يعانون من أزمات، ستدفعهم هذه النهاية إلى التأكد من أن الانتحار سينهي معاناتهم ويحقق لهم السعادة.

أقرأ أيضًا: أفضل الروايات الرومانسية خلال عام 2020: قائمة تمسّ القلوب وشؤوننا العاطفية

0

شاركنا رأيك حول "خطر “لعبة الحوت الأزرق” يعود في فيلم 50or Two Whales meet at The Beach الفائز في مهرجان القاهرة"