بعدما خطفَ الأنظار مرتديًا زيّ سبيدرمان الذي بات في كثيرٍ من الأحيان يقترنُ باسمِه، جاء هذا العام أندرو جارفيلد ليُفاجئنا من جديد ويؤكدّ لنا أن موهبته لا تتوقف عند حدٍ مُعين، وأن لديه تلك القُدرة الساحرة على إبهارنا بشيءٍ جديد في كل عمل يُقدمه. هذه المرّة ظهر إبداع جارفيلد من خلال فيلم “Tick Tick Boom” الذي رأى النور في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

ويُعتبر هذا الفيلم من تلك الأفلام التي تمزجُ بين السيرة الذاتيّة والحبكة الدراميّة والموسيقى في آنٍ واحد. ويقول Lin-Manuel Miranda مُخرج الفيلم: ”هو فيلم موسيقي من الدرجة الأولى“.

بالحديثِ عن الإخراج، فقد كانت هذه التجربة الأولى لميراندا كمُخرج. فقد اشتهر ميراندا بصناعتِه وتلحينه لكثيرٍ من موسيقى الأفلام ولعلّ أشهرهم Hamilton وMoanaإلا أنه هذه المرّة قرر الخروجَ عن المألوف وإبهارنا هو الآخر بالكشفِ عن مواهبه الخفيّة مثلما فعل جارفيلد تمامًا بالكشفِ عن صوتِه العذِب في الغناء. فكلٌ منهما قد تحدى قدراته وإمكانياته الفنيّة من خلال هذا الفيلم، الذي حصل على تقييم بـ7.8 على موقع IMDb و88% على موقع Rotten Tomatoes.

 “الخوف من الوقت” في “Tick Tick Boom”

على أعتابِ عيد ميلادِه الثلاثين، يدخلُ بنا الفيلم أو بالأحرى نقتحمُ حياةَ جوناثان لارسون، ذاك المُلحن المسرحي الشاب الذي يتراقصُ على أحبالِ شغفِه تارةً وضغوطِ الحياة من حولِه تارةً أخرى. يتمايلُ على ذلك الخيط الرفيع بين الأمل واليأسِ، وكل ذلك يأخذ موضعه تحت سماء مدينة نيويورك في عام 1990.

يبدأ الفيلم بصوتِ الساعة وهي تدقّ، دقيقةً تِلوَ أخرى، وصوتُ عقاربَ الساعة لا يُفارق ذهنَ لارسون، يُخبره مع كل دقيقةٍ تمرّ أن عليه القيام بشيءٍ ما عظيمٍ في أقربِ فُرصة. ويُسيطر هذا الخوف الغريب عليه طوال الفيلم، خوفٌ من أن ينتهي وقته قبل أن يفعلَ شيئًا يُذكَر.

تخيل معي أن تقضيَ من عُمرك ثماني سنوات كاملة في مُحاولة كتابة مسرحية موسيقية، وبالفعل تستطيع الانتهاء من مُعظمها ولكن يتبقى لكَ أغنية واحدة لست قادرًا أبدًا على تأليفها، ولن تكتملَ المسرحية بدونِها، هكذا تمامًا يبدأ الفيلم مع بطلِه لارسون.

ومن الماضي للحاضر، ينتقلُ بنا ميراندا كذلك من مشاهد الحوار الصريحة لنبرةِ الراوي السرديّة، وفي بعضِ الأحيان حتى استطاع أن يدمجَ بين كليهما ببراعةٍ في مشهدٍ واحد!

عن فيلم ”Tick Tick Boom“ يقول الناقد الفنيّ بيتر تريفرز: ”إن ميراندا وكاتب السيناريو ستيف ليفنسون استطاعا أن يلتقطا ذلك السحر في قصّة لارسون وأن يصنعا منه فيلمًا استثنائيًا“.

وبالعودةِ أدراجِنا إلى ذاك الصوت الذي يحتلّ رأس لارسون، فكيفَ سيتعامل معه؟ هل سيُصغي إليه ويُعطي لذلك الخوف فُرصةً للتحكم فيه أم سيفلح في الهروب منه وتتبع خطوات شغفه حيث تقوده؟

ما يُميز هذا الفيلم عن أغلب أفلام السيرة الذاتية أنه يسردُ قصةَ حياة إنسانٍ وفقط، بكل ما في رحلتِه من خفقاتٍ وعثراتٍ ولا مثاليّة وقرارات غير منطقية، وبالأكثر تحوي قصته ذلك الصوت الذي يُراودنا جميعًا بلا استثناء ويلحّ علينا باللحاقِ بركبِ النجاح.

في سبيل النجاح، تُدمّر علاقات وتُهدَم

هل وجدت نفسك من قبل تُردد جُملة ”سأفعل كل شيء بعدما أنتهي من هذا الأمر“ أو ”سأصبح الأسعد ما إن أصل لهذا فقط“؟

أن تؤجلَ مسارَ حياتك بأكمله إلى أجلٍ ما، أن توقفها على حدثٍ أو حُلمٍ ما وتوقف معها علاقاتك بكل من حولك. فهل دائمًا ما تكون ضريبة النجاح هي دمار العلاقات؟ هذا تمامًا ما وجد لارسون نفسه في خضمِه، فإذ بنا ندخل معه في مرحلةٍ جديدة وهي مرحلة ترتيب الأولويات والموازنة بين كل شيء ومنح نفسه هُدنةً من هاجس النجاح الذي يُسيطر على عقلِه بقوة.

والجدير بالذِكر أنّ فيلم “Tick Tick Boom” في الأصل كانت مسرحية موسيقية قد كتبها لارسون نفسه واعتُبرت من بعدِها سيرة ذاتية.

ويتبنى الفيلم قصّة حياة لارسون بكل تفاصيلها وملامحها، ومع كل مشهدٍ يُعرَض كان يظهر جليًا مدى شغف جارفيلد في إعادة لارسون مرةً أخرى للحياة من خلال الشاشة، فبين عملِه كنادل وشغفه الذي لا ينتهي ولا يخفت بصناعة الموسيقى، وجد جارفيلد نفسه أمام شخصيةٍ عنيدة وصعبة المِراس ولكن عليه في نفسِ الوقت أن يتقمصها ويُتقنها بمهارة.

وهو ما فعله جارفيلد حيث استطاع أن يعكسَ ملامح حياة لارسون بكل ما فيها من اضطرابات وتناقضات، وأن يصنعَ منها جسرًا بينه وبين المُشاهد لتعبُرَ من خلاله مشاعر لارسون مُباشرةً.

ويقول الناقد السينمائي نويل موراي: ”من وجهة نظري، لم ينجح كل ما حاولَ ميراندا وليفنسون وطاقم العمل صُنعه في هذا الفيلم، ولكن حتى في أكثر حالاتِه فوضى، حملَ الفيلم رسالته المُحددة والتي لم يحِد عنها منذ البداية“.

افعل ما تعرف، واصنع صوتك الخاص!

كيفَ لنا أن نتعاملَ مع الرفضِ أو الفشل؟ وكيف كان للارسون أن يتعاملَ معه؟

”في المرّة القادمة، حاول الكتابة عن شيءٍ تعرفه“

هُنا أدرك لارسون تمامًا أنه طوال هذا الوقت كان يُلاحِق حُلمًا لا ينتمي أبدًا إليه، وأنه لم يُعطِ لصوتِه فُرصةً ولو لمرةٍ واحدة ليطغى على صوت عقارب الساعة الذي ينهشُ في عقلِه باستمرار. أدرك لارسون أن كل الأغاني الذي ألفها من قبل لم تكن تُعبر عنه بالشكل الكافي، وهذا تمامًا ما دفعه بعدها لكتابة Tick Tick Boom ومن بعدِها Rent.

تلك المسرحية الموسيقية التي ظلت تُعرَض في Broadway لمدار 12 عامًا مُتواصلين، والتي غيرت حينها من مفهوم المسرحيات الموسيقية بالكامل واقتلعتها من جذورِها، سواءً كان في شكلها أو القضايا التي تناولتها.

وينتهي بنا الفيلم ولا تزال هُناك الكثير من الأسئلة في عقلِ جوناثون والتي أمست مُعلقةً بلا أجوبة، ولكنه في المُقابل استطاع أن يُصمتَ صوت الـ Tick, Tick وأن يصنع الـ Boom الخاصّة به وحدَه.

اقرأ أيضًا: لعشاق الموسيقى .. أفضل أفلام بطلها “عازف” تسحر قلبك بأنغامها