أهم ما يميز الأفلام القصيرة بشكل عام هو عامل "التكثيف" سواء على مستوى الفكرة والسيناريو أو التنفيذ من خلال المخرج وأدواته. وكلما حافظ العمل على عامل التكثيف، نجح العمل وتميز. من ضمن فعاليات مهرجان القاهرة في دورته الثالثة والأربعين هناك مسابقة الأفلام القصيرة تضم ٢١ فيلمًا من مختلف أنحاء العالم مع مشاركات متميزة للدول العربية. في هذا المقال نقدم لكم ستة أفلام من أفضل الأفلام القصيرة في مهرجان القاهرة السينمائي، من ضمنهم فيلم "نقطة عمياء" الفائز بجائزة يوسف شاهين لأفضل فيلم قصير، وفيلم "ثم حل الظلام" الفائز مناصفةً مع فيلم آخر بعنوان "ولا حاجة يا ناجي… اقفل" بجائزة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة.

نقطة عمياء - blind spot

فيلم تونسي من إخراج لطفي عاشور مدته 14 دقيقة، يصنف الفيلم على أنه تسجيلي تحريكي. يحكي الفيلم قصة كمال المطماطي الذي اختفى قسريًا في 7 أكتوبر 1991 تحت حكم بن علي، يستخدم الفيلم أسلوب السرد على لسان مطماطي نفسه ليحكى المعاناة التي تعرض لها في معتقله حتى موته، ليسلم من بعده المعاناة لأهله وبالأخص والدته التي تجوب البلاد لمدة 20 عامًا لتعرف مكان ابنها. وفي النهاية، وحتى بعد معرفتها بموت ولدها، لا تهنأ السيدة أم كمال بمحاكمة عادلة لقتلة ابنها.

فيلم نقطة عمياء واحد من أفضل الأفلام  القصيرة في مهرجان القاهرة السينمائي

من الجدير بالذكر أن فيلم "غدوة" من إخراج وتأليف وبطولة النجم ظافر العابدين الحاصل على جائزة الفيبريسي يتناول نفس القضية، يرجع ذلك لمرور أكثر من عشر سنوات على الثورة التونسية وحتى الآن لم يقتص أحد لكل القتلى والمظلومين في عهد بن علي، بل منهم من يعيش حياته بحرية شديدة وعاد لمنصبه مرة أخرى. سواء فيلم "غدوة" أو "نقطة عمياء" فالجوائز التي حصلوا عليها في المهرجان مستحقة تمامًا، فهم أعمال متكاملة على مستوى الفكرة، السيناريو، الإخراج والتمثيل.

ثم حل الظلام - then came dark

فيلم لبناني من أفضل الأفلام القصيرة في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الثالثة والأربعين، عرض بشكل عالمي أول ومدته 15 دقيقة من إخراج ماري روز أوستا. يتناول الفيلم بدون أي حوار قصة رجلين يتجهان لغابات الشتاء في لبنان لقطع شجرة ونقلها مجرورة عن طريق سيارة فان صغيرة. وبالرغم من السهولة التي تبدو عليها المهمة إلا أنهم يفشلون بها، فحتى بعد تمكنهم من قتل الشجرة وقطعها من جذورها، إلا أنهم لم يتمكنوا في النهاية من إخراجها من الغابة.

فيلم ثم حل الظلام واحد من أفضل الأفلام القصيرة في مهرجان القاهرة السينمائي

بالرغم من أن شريط الصوت في الفيلم ينقصه ضلع مهم وهو الحوار، إلا أنك لن تشعر أنك حصلت على تجربة سينمائية ناقصة بأي شكل، بالعكس فالمؤثرات الصوتية والموسيقى قد يكونا في هذا الفيلم أبلغ في التعبير من أي جمل حوارية. استخدمت روز أوستا الصراخ، صوت المطر، صوت محرك السيارة ليعبروا عن حالة الاغتصاب والغضب التي تمر بها الشجرة، كذلك استخدمت الصورة بشكل رائع لتعبر عن نفس الفكرة فمثلًا هطول المطر صُور وكأنه بكاء الشجر وهكذا.

قرية سعيدة - happy town

بوستر فيلم happy town

فيلم كولومبي روائي مدته 8 دقائق من إخراج خيميس كامارجو دي ألب. يتناول الفيلم بشكل فانتازي قصة مدينة سعيدة يحكمها والد أندي الذي يرى أن مدينته لا تحتوي على أي كوارث ويعيش الناس بها في سعادة تامة. في إحدى الأيام يقتحم منزله شاب من المدينة يدعى ميلتون يساعد أندي على معرفة حقيقة "المدينة السعيدة". استخدم دي ألب عناصر متعددة تساعده على تحقيق عامل التكثيف في الفيلم، بدأ من الإضاءة وزوايا الكاميرا التي تضعنا أمام سعادة مرعبة، حتى حركة الممثلين وتعابير وجوههم تشبه عرائس الأطفال التي تصدر موسيقى وتدور، ولكنها مع ذلك مرعبة. استخدم الفيلم تقنية الصوت المركب حتى لا يتخلى عن ابتسامة الممثلين المريبة إلا من ميلتون الذي تحدث بشكل طبيعي وفي النهاية أندي كذلك.

هذا كل شيء - and that's it

فيلم روسي عرض عالمي أول من إخراج بوريس كليبنيكوف وناتاليا ميخشانينوفا. يدور الفيلم حول فولوديا الذي يعاني من خوف مرضي وتزداد حالته سوءًا مع تفشي وباء كورونا وفرض الحجر الصحي، يضطر هو وزوجته للخروج لتسوق الاحتياجات الأساسية، وفي ظل حالة اللامبالاة الموجودة عند البعض من خطر الفيروس يعاني فولوديا من نوبة هلع ستكون "هذه هي" التي ستقضي عليه.

عرض الفيلم ضمن البرنامج الخامس للأفلام القصيرة، الذي يعتمد على ثيمة مشتركة متعلقه بتفشي وباء كورونا وإجراءات الحجر الصحي المتعلقة به، فمن المعروف أن صناعة السينما من أكثر الصناعات التي تأثرت بالجائحة، وحتى الآن لا يزال الأثر موجود، بالتالي من الجيد أن تتحدث السينما وبالأخص السينما القصيرة عن الجائحة، عن تأثيرها على الإنسان والعلاقات الاجتماعية. وعن فيلم هذا كل شيء، يرسم في 11 دقيقة معاناة أصحاب الوسواس القهري والخوف المرضي من الإصابة بالأمراض مع كورونا في إطار كوميدي.

حبيب - habib

حبيب من أفضل الأفلام القصيرة في مهرجان القاهرة السينمائي وهو فيلم أفغانستاني ألماني من إخراج نيما لطيفي، وهو فيلم روائي مدته 13 دقيقة. يتناول الفيلم قصة حبيب الأفغاني الذي يعيش في ألمانيا، رجل وحيد للغاية إلا من سلحفاة صغيرة يقوم برعايتها. لا يعتمد الفيلم على جمل حوارية كثيرة، ففي الغالب نرى حبيب في رحلته للاستعداد للذهاب لحفل زفاف ابنه وحيدًا، يظهر عليه كل مظاهر البؤس، الفقر، الوحدة والألم.

فيلم حبيب

حين يصل أخيرًا إلى الحفل يجد اسمه غير مدرج في قائمة المدعوين ويرفض الأمن صعوده أو حتى إيصال الهدية -السلحفاء- يقرر في النهاية حبيب المشاركة حتى لو وحيدًا في زفاف ابنه من خلال الرقص في الباحة الخلفية أمام النافذة. عُرض الفيلم في البرنامج الرابع من الأفلام القصيرة صاحب ثيمة السلطة المشتركة، يحدث في فيلم حبيب تبادل أدوار، حيث الأب حبيب الذي من المفترض أن يكون صاحب السلطة نراه في الموقف الضعيف غير قادر على رؤية ابنه حتى، وبلا أي ماضي مذكور عن علاقة الأب والابن يترك العمل الأمر للمتلقي لتقرير هل حبيب جاني أم مجني عليه؟

في العادة لا أشارك هذا - I might not normally share this

فيلم في العادة لا أشارك هذا

فيلم مصري مدته 15 دقيقة من إخراج نورا عبد الرحمن عرض بشكل عالمي أول في الدورة 43 من مهرجان القاهرة السينمائي. يتناول الفيلم في إطار من المناقشة قصة ستةٍ من الفنانين في مجالات مختلفة عن بداياتهم، العقبات التي واجهوها، رسالتهم من الفن، والأهم هو الطريقة التي تغلبوا بها على شبح الفشل وعدم الكفاءة الذي يلازم أي مبدع. يناقش الفيلم قضية مهمة في الإبداع، حيث لا يرى المبدع نفسه أهلًا أبدًا، يعاني من تشكيك في نفسه وقدراته، خوف من مشاركة أعماله مع الآخرين في البداية وتعطش دائم لكلمات الثناء والتقدير من الآخرين. الجدير بالذكر أن المحاورات في الفيلم لم تعتمد على أسلوب المقابلات العادي، بل اعتمد على القصص المصورة "اسكتشات" ليكون الرسم في الاسكتش هو انعكاس لإجابات الفنانين على الأسئلة.