mob
0

لِأصالتها الفنية، وتطوراتها التقنية، وكلّ ما قدمته وتأثرت وأثرت بِه عبر تاريخها العريق؛ صار مستحيلاً تقديم تعريف محدد وشامل للسينما.

ومع تعدد التوصيفات والاجتهادات الاصطلاحية؛ يبقى التعريف العام لها؛ هو ما يتعلق بِالمعيار التقني، فَهي صناعة صور متحركة وعرضها على شاشة.

وأما ما يتعلق بِالمعيار الفني؛ فَيمكن اعتبار “فنّ تحديد الزمن” أبلغ تعريف لها، وهو ما توسع بِشرحه وتوضيحه السينمائي الروسي «أندريه تاركوفسكي» (1932-1986) في كتابه «النحت في الزمن – Sculpting In Time» الذّي قدم بِه تجربته الفنية المثيرة في السينما.

ومع ما أوجده التطور العلمي من اختراعات واكتشافات؛ وصلت السينما اليوم إلى عصرها الرقمي، وأصبحت الأفلام متاحة للجميع عبر عروض البثّ التدفقي التّي تتيحها على أجهزة إلكترونية متوفرة للجميع.

مما أثار جدالات واسعة وآراءً متضاربة بين مؤيد ومعارض لذاك التطور، لكنها تبقى مُشادات دون جدوى، كونها تتعلق بِأمر واقع، فرض نفسه بِقوة، ولم يعد في مرحلة (التجربة) القابلة للتراجع.

منصات الكترونية

مخاوف مشروعة من واقع مفروض

عندما قدم الأخوين «لوميير» يوم 6 يناير عام 1896 العرض الجماهيري لِفيلمهم القصير «وصول القطار لمحطة لاسوت» هرب الجمهور هلعاً عند رؤيتهم للقطار يتجه صوبهم بحركته السريعة ودخانه الكثيف.
منذ تلك الحادثة، بدأ مفهوم التلقي بِالتبلور، حتّى أصبح مادة غنية للدراسة، تقوم عليها أسس النقد العاشق للأصالة السينمائية، والحالة التّي تفرضها مشاهدة الأفلام بالصالات على شاشاتها الكبيرة.

يحق لنا جميعاً كَعُشاق للسينما وعاملين بِها؛ أن نُدين التحول الحاصل لِطريقة عرض الفنّ الأحبّ إلينا.
فَكيفية المُشاهدة على الشاشات الكبيرة في دور السينما تحملُ رونقاً سحرياً لا يمكن توفيره إطلاقاً في سواها.
مشاعر الدهشة والنشوة والاندماج والترقب.. لا تتحقق إلّا بِشروط صورة وإضاءة وصوت وتفاعل جماعي نعيشه في الصالات.

أفلام على منصات الكترونية

ومخاوفنا لا تتعلق بِوجود بدائل إلكترونية فقط، إنّما نخشى تراجع وانحصار العروض الجماهيرية بالصالات لأسباب اقتصادية مؤثرة بالصناعة السينمائية.
حيث أنّ توافر الأفلام على المنصات يؤدي حُكماً إلى تضاؤل تدريجي للإقبال الجماهيري على العروض الحيّة، مما سيتسبب بِخسائر لِمالكي دور العرض، وقد يصل لمرحلة الإفلاس، واتخاذ قرارات الإغلاق، وهو ما حدث فعلاً في عدد هائل من الصالات السينمائية حول العالم.
وبالنتيجة، سيؤدي ذلك إلى تراجع أرباح شركات الإنتاج، واضطرارها أحياناً لِمجاراة السوق بِتقديم محتوى فنّي ضعيف؛ لكنه جالب للإيرادات، كي لا تقع في خسائر وينتهي بها الأمر بِالإفلاس والإغلاق، وهذا ما حدث أيضاً مع العديد من الشركات المنتجة بِالسنوات الماضية.

على صعيد آخر؛ وكما هو معروف للمهتمين بِالفنّ السينمائي، هناك نمط بصري معين تتمتع بِه العديد من الأفلام السينمائية (فيلم 1917 مثالاً) يتعلق بِأبعاد الصورة، وتكوين الكادرات وإضاءتها، والخيارات الصوتية واللونية.
لا تُحقق المنصات والشاشات الصغيرة تلك الشروط الفنية لِلمُشاهدة، مما يضيّع الغرض الفكري والحسّي، والجهد المبذول لتحقيقه، وتفاعل المُشاهِد معه وفق مزاج محدد.
وهو ما تحاول المنصات مداراته في إنتاجاتها (فيلم Marriage story مثالاً) عبر اللجوء لخيارات إخراجية يبدو واضحاً توجهها كي تُناسب العرض على شاشات صغيرة.

أفكار مسلسل الخيال العلميBlack Mirror تتحول إلى واقع على يد إيلون ماسك

نتفليكس

المنصات كَحاجة وضرورة

رغم كلّ المخاوف المتداولة؛ لا يمكن اعتبار المنصات الرقمية حالة سلبية بالمطلق.
وبتتبع الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية التّي تعصف بِالعالم؛ نجدها حاجة وضرورة للملايين من البشر، وفي شتى بقاع الأرض.
هناك قاعدة أساسية تقول أنّ “السينما فنّ جماهيري”، إذاً هي تشترط وجود المُشاهِد وتنعدم حين غيابه.
ومع كلّ التنظيرات التّي حاولت تقييدها بِتقييمات وأغراض فنّية، وتجاوز غرض وجودها الأصلي كَصناعة ترفيهية؛ يبقى الجمهور هو صاحب القرار والحُكم كونه الجهة المستهدفة، ولهُ الحق بِاختيار ثقافته بمعزل عن الرسائل التثقيفية التّي يسعى صناع السينما لِفرضها أو الإشارة لها.
وانطلاقاً من ذلك؛ جاءت المنصات الرقمية بِفرصة الاختيار، وهو ما جعلها تلقى الترحيب والانتشار السريع لدى الجمهور، فَهي الحلّ البديل للعديد من العوائق التّي فرضت ذائقة محددة عليه.

movie

عوائق سياسية

السياسة هي أهم تلك العوائق، فَكما نعلم؛ تعاني الكثير من دول العالم من الاستبداد السياسي وقيود السلطات الحاكمة بِما فيها القيود على السينما، فَهناك العديد من الدول التّي تخلو تماماً من دور العرض السينمائي، وتتجه ميزانياتها نحو التسليح أو تمكين البنى التحتية، كما هناك دول يعاني شعبها (المركزية) التّي تدعم المظاهر الحضارية بالعاصمة على حساب باقي المدن.
والمشكلة الأكبر تكمن في الرقابة الفنية التّي تفرضها السلطة على الأفلام المسموح بِعرضها، وكثيراً ما نجد صالات حكومية تقتصر على عرض إنتاجات المؤسسات الحكومية من الأفلام المصنوعة لِأغراض تلميع صورة السلطة وتوجيه المُشاهدين لتمجيدها، في عملية غسل أدمغة تُمارَس على الشعب.
كما تقوم بِمنع عرض بعض الأفلام، أو حذف مَشاهد منها بِاقتصاص غير فنّي، مما يؤثر سلباً على الجودة العامة والمتانة الدرامية للفيلم.
وأيضاً لدينا العداوات والحروب التّي تؤدي للمقاطعات السياسية، وتنعكس على المجال الفنّي، فَتحرِم المدنيين من إمكانية مشاهدة أفلام دول محددة.
وغيرها من العوائق السياسية التّي تلاشت تماماً مع وجود منصات مفتوحة على خيارات واسعة وغنية.

سبوتيفاي Spotify… لاعب جديد يدخل منافسة بث الموسيقى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا!

أمازون

عوائق اقتصادية

لدينا أيضاً العوائق الاقتصادية، وهي الابنة الشرعية للعوائق السياسية، وتتمثل بِأزمات اقتصادية نتجت عن فساد أو سوء إدارة سياسية، مما جعل ثمن تذكرة عروض الصالات يُعتبر باهظاً تبعاً للواقع المعيشي لكثير من الشعوب، وبالتالي راحت تنأى عن رفاهية المشاهدة بِالصالات، وتنصرف لتدبر قوت يومها!
لكن المنصات الرقمية بما تقدمه من خدمات ترفيهية وبأسعار مقبولة؛ جاءت بديلاً جيداً وخياراً مناسباً لتلك الشعوب المُرهَقة، وحافظت بذلك السينما على خاصيتها الجماهيرية النبيلة، بعد أنّ كانت بكثير من الأحيان ميزة نخبوية محصورة بِفئة اجتماعية مقتدرة مادياً.

منصات الكترونية

عوائق بيئية

ليس جديداً تأثر السينما بالعوائق البيئية، والعام 2020 مثال حيّ ومباشر على مدى ذاك التأثر، حيث فرضت شروط الوقاية الصحية من فيروس covid-19 إغلاق مؤقت لجميع الصالات السينمائية حول العالم.

بالمقابل فرضت المنصات الرقمية نفسها بِاستحقاق وجدارة بديلاً للصالات، بما تقدمه من محتوى يسهل الوصول لهُ، والتمتع بِه بأمان تام في أيام الحجر المنزلي، وحظر التجوال ومنع التجمع بالأماكن العامة.

فَتعاظمت أعداد المشتركين والمتابعين لها، وزادت نسبة أرباحها كثيراً، وعلى سبيل المثال زادت أرباح NETFLIX في الربع الأول من 2020 بأكثر من الضعف، أي إلى 709 ملايين دولار مقارنة بـ 344 مليون دولار في نفس الفترة من العام السابق. وقفزت إيراداتها 28% إلى 5.7 مليار دولار.

نتفليكس

آفاق المنصات الرقمية في النموذج الاقتصادي السينمائي

عروض المنصات الرقمية ليست حالة طارئة على الصناعة السينمائية، إنما مرحلة لاحقة لِتطورات حصلت سابقاً بِالسينما والتكنولوجيا والتقانة، ابتداءً من اختراع التلفزيون عام 1929، ومروراً بِأجهزة عرض الفيديو المنزلية عام 1976، وصولاً لتوفير خدمة الإنترنت للجميع عام 1995 بعد سنوات من اختراع الشبكة العنكبوتية، مما فرض أنماطاً وأنواعاً تفاعلية كثيرة وغنية المحتوى.

tv
لكن التقلبات العالمية منذ مطلع الألفية الثالثة حتى اليوم، والانفتاح الكبير الذّي حققه الإنترنت؛ جعل تلك المنصات تدخل وتنافس داخل الصناعات الترفيهية.

وكما هو معروف؛ يقوم النموذج الاقتصادي لمرحلة التوزيع السينمائي على تراتبية محددة تبتدئ بِعروض جماهيرية لمدة ثلاثة أشهر، قبل إصدارها على المنصات البديلة كالتلفزيون المدفوع، والأقراص الرقمية التجارية، ثمّ منصات المشاهدة المأجورة.
لكن توجه المنصات لمجال الإنتاج، وارتفاع معدل الأرباح الذّي تحققه بالمقارنة مع شباك التذكر؛ أدى لتحطيم ذلك النموذج المتعارف عليه.

حيث تغيرت في أمثلة كثيرة؛ تراتبية التوزيع السينمائي لصالح أفضلية العرض على المنصات ضاربةً بالعرف المقدس لألولوية العرض بالصالات، رغم كل التحذيرات والإدانات التّي أعلنتها شركات الإنتاج والاستديوهات وأكبر سلسلات الصالات السينمائية في العالم.
كما لم تستطع المهرجانات السينمائية الاستمرار بِمقاطعتها للإنتاجات الأصلية للمنصات أمام تمددها الناجح والسريع.
فَلاقت تلك الإنتاجات القبول في أكبر المهرجانات السينمائية (فينيسيا، برلين، لندن…) بينما بقي مهرجان cann وحيداً يعاند ويرفض الاعتراف بها حتّى الآن!

universal

 

فوائد متبادلة.. ومن المستفيد الأكبر؟

لا شك أنّ عروض الأفلام الرقمية تُحقق فوائد متبادلة للطرف العارض والطرف المتلقي.
فَالمنصات أصبحت اليوم ومع تناميها وانتشارها والإقبال عليها؛ تحقق عائدات مادية هائلة، تمكنها من دفع مبالغ مالية عادلة ثمناً لِحقوقها الحصرية بِعرض الأفلام، مما جعل إقبال الشركات والموزعين عليها كبيراً، حتّى وصل الأمر لحصولها على العرض الأول لكثير من الأفلام!
وسبب ذلك الإقبال يعود للعقود المنصفة لمرحلة التوزيع، بعد أن كان النظام السائد بالتعامل مع الصالات السينمائية يقوم على محاصصة غير منصفة (35% للصالة، 15% ضرائب حكومية، 50% للشركة المنتجة).

وأمام هذا الإقبال؛ تمكنت المنصات من تحصيل مجموعة غنية العدد والنوع من المواد الترفيهية، ما انعكس إيجاباً على المُشاهد في حرية الانتقاء وإمكانيته مشاهدة الأفلام بِصرف النظر عن سنة إنتاجها، وهو ما لا توفره الصالات التّي تنفرد بالعروض الحديثة مما استطاعت إدارتها ومبرمجوها تحصيله.

netflix3

لكن المستفيد الأكبر من المنصات الإلكترونية هم صناع الأنواع السينمائية الأقل طلباً في العروض التجارية الحيّة.
فَصناع السينما المستقلة وجدوا فرصتهم لعرض أفلامهم وتحصيل تكاليف الإنتاج وكسب الأرباح أحياناً، عبر عرضها للبيع أو الإيجار على المنصات.
ومثلهم صناع الأفلام الوثائقية الغائبة أفلامهم غالباً عن دورات عروض دور السينما حول العالم.
وكذلك صناع الأفلام القصيرة الذين يعانون دوماً من عدم وجود دور عرض مهتمة بإنتاجاتهم.
فَجاءت المنصات فرصة مناسبة لهم لِكسب عائد مادي، لِرغبتها بالتنويع وشراء حقوق عرض جميع الأنواع الفيلمية ومن كافة الأنماط.

وبذلك يمكن التكهن أنّ آفاق العروض الرقمية تتجه نحو مستقبل مُسيطر يفرض نفسه منذ الآن، مما يستوجب الاعتراف بِتلك الحقيقة، والسعي للاستفادة منها وتطويعها لصالح الثقافة السينمائية واستمرارية الإنتاج.

منصات الكترونية

0

شاركنا رأيك حول "المنصات الرقمية.. هل أصبحت البديل عن السينما؟"