هل نعيش عصر جديد في السينما المصرية؟ الأكشن كلمة السر الآن

0

تعد العلاقة بين السينما بمنظومتها المتنوعة بداية من الانتاج وصولا إلى العرض وبين أنماط جماهيرها علاقة معقدة، لا يمكن تفسيرها إذا تم فصلها عن اعتبارات أوسع تتعلق بالبيئة المجتمعية للجمهور، تحولاته الفكرية، حالة استقراره، ووضعه الاقتصادي، ومن هنا تصبح التغيرات التي تطرأ على المحتوى السينمائي انعكاساً لجملة هذه المتغيرات.

ومع بداية موسم عيد الأضحى السينمائي تبين أننا أمام نقطة تحول في المسار السينمائي المصري، فعلى الرغم من أن الموسم قد شهد حالة من الزخم والتنوع الفني جعلته من أقوى المواسم الفنية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن إيرادات تلك الأفلام كشفت أن بوصلة تفضيلات الجمهور قد تغيرت.

وقبيل بدء الموسم كانت هناك توقعات بموسم سينمائي ساخن، تتصارع فيه كافة الأفلام المطروحة وخاصة أن كل منها ينتمي لنوعية فنية مختلفة، ما بين الأكشن، والدراما، والإثارة والغموض، والكوميديا، ومعظمها أجزاء ثانية حققت أجزائها الأولى نجاحات مرتفعة، كما أن أبطالها هم نجوم صف أول وشباك، مما زاد من حالة الزخم ومساحة التوقعات.

أقرأ أيضًا: “كازابلانكا” ينتزع لقب الأعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية من “البدلة”

الفيل الأزرق 2

الفيل الأزرق 2

استكمالا لنجاح الجزء الأول من فيلم “الفيل الأزرق” والذي طرح عام 2014، جاء الجزء الثاني، بنفس أدواته القديمة، من حيث فريق العمل، فالسيناريو من كتابة أحمد مراد كاتب الرواية التي أخذ عنها الجزء الأول، وإخراج مراوان حامد، وبطولة كل من كريم عبد العزيز، ونيلي كريم، وخالد الصاوي، وانضم إليهم في الجزء الثاني هند صبري، وإياد نصار، وهو ينتمي لفئة أفلام الإثارة والغموض والتشويق.

وتمكن الجزء الثاني من الفيلم من حصد إيرادات أقل ما يمكن أن نقول عنها أنها تاريخية وخيالية أيضاً، حيث بلغت خلال مدة عرضه التي لم تتجاوز 50 يوم ما يزيد عن 90 مليون جنيه، مما يجعله الفيلم الأكثر تحقيقاً للإيرادات في تاريخ السينما المصرية، وهو ما أغرى القائمين عليه لاستثمار ذلك النجاح بالتحضير لجزء ثالث منه، وخاصة أن النهاية المفتوحة للفيلم لا تتنافى مع ذلك العزم.

ولاد رزق 2

ولاد رزق 2

هو أيضا جزءً ثاني لحكاية ابتداها المخرج طارق العريان عام2015، وتمكن مع الكاتب صلاح الجهيني من استكمالها عبر أبطال الجزء الأول، وهم أحمد عز، وعمرو سعد، وأحمد الفيشاوي، وأحمد داود، وكريم قاسم، ومحمد ممدوح، لينضم إليهم خالد صالح في الجزء الجديد إلى جانب عدد كبير من النجوم كضيوف شرف أثقلوا بلا شك الفيلم بمشاهدهم متفاوتة المساحات والأداء.

ولعل أبرز ما جذب انتباهنا لـ “أولاد رزق” أنه قدم الأكشن بشكل يليق بتلك النوعية من الأفلام، بعيد عن السذاجة المعهودة في أفلام الأكشن العربية، والتي تتسم بقدر من المبالغة لا يحترم عقلية المشاهد، وهو ما يعد إضافة لرصيد السينما المصرية، عبر إحياء نوعية أفلام “الأكشن والإثارة”، بما يجعله يستحق ما حققه هو أيضاً من أرقام قياسية، ففي خلال شهر واحد فقط بلغت إيراداته أكثر من 80 مليون جنية.

خيال مآته

خيال مآته

لا تحتاج سوى أكثر من دقائق معدودة لتدرك أنك إما خسرت ثمن التذكرة، أو الوقت الذي ستقضيه وأنت تستكمل الفيلم، كان هذا هو الشعور عند عدد ليس بالقليل ممن شاهدوا الفيلم الأول للمتنوع أحمد حلمي بعد غياب دام لأكثر من 3 سنوات، فرتابة المشاهد، ورمزية القصة، وبطء الخط الدرامي خلق حالة ملل لدى المشاهد لم يخفف من حدتها المشاهد الكوميدية كما كان متوقع.

ورغما من أن الفيلم يعد تعاون بين الكبار حيث أخرجه خالد مرعي، رفيق درب حلمي في أفلام مثل “عسل أسود” و” بلبل حيران”، وكتبه عبد الرحيم كمال صاحب الأيقونات الدرامية، وشارك كل من منة شلبي وخالد الصاوي وحسن حسني ولطفي لبيب، حلمي في بطولته، إلا أنه تعاون لم يؤتي ثماره.

فقد بلغت إيراداته إلى الآن حوالي 33 مليون جنيه، وعلى الرغم أنه رقم ليس قليل، إلا أنه قياساً بحجم إيرادات الأفلام المنافسة، وحجم إيرادات فيلمه الأخير “لف ودوران” الذي لم ينال هو أيضاً تقييمات إيجابية يصبح خيال مآته قد فشل في تحقيق النتيجة المنتظرة منه.

أقرأ أيضًا: حقائق ومعلومات مُذهلة عن نشأة السينما في مصر

الكنز 2

الكنز 2

يبدوا ظاهرياً أنه جزء ثاني من ذلك الأول الذي طرح عام 2017، إلا أنه في حقيقة الأمر يعد استكمالا لنفس الفيلم، فالجزء الثاني دائماً يكون فيلما قائماً بذاته، أما الكنز  2 (الحب والمصير) يعد استكملاً لمشاهد وقصة الجزء الأول، وبالرغم من القيمة الغنية للفيلم إلا أنه سقط تجاريا فحقق بالكاد 5 ملايين جنية.

وينتمي فيلم الكنز إلى فئة أفلام “الدراما”، القائمة على العمق الفكري، ففيما أشبه باللوحة الفنية قدم المخرج شريف عرفة إلى جانب المؤلف عبد الرحيم كمال مجموعة من نجوم الصف الأول برداءات فنية مختلفة، فمحمد سعد قُدم كممثل وليس كمهرج، ومحمد رمضان ظهر كبطل وليس كبلطجي، وإلى جانب هند صبري وهاني عادل ومحي إسماعيل، تمكن الفيلم من الظهور كشريط سينمائي حقق توازن فني.

هل تفتح الإيرادات لعصر سينمائي جيد؟

بعد استعراض المشهد السينمائي لموسم عيد الاضحى يتضح أن بوصلة الإيرادات قد توقفت بعد شوط من المد والجزر، فقد تمكن كلا من “الفيل الأزرق” و “ولاد رزق” من حسم الصراع لصالحهما، متربعين على عرش الموسم خاصة، والسينما المصرية عامة بلغة الإيرادات، بينما ظهر “خيال مآته”، ومن بعده “الكنز” ككومبارس لتجميل المشهد.

وتشير تلك النتائج إلى أن السينما المصرية بدأ يتبلور طابع معين لها، فنوعية الأفلام التي تصدرت شباك التذاكر تنتمي لأفلام الأكشن، والإثارة والغموض، وهذا يعكس تغيرا واضحا طرأ على سلوك المشاهد، وأن تفضيلات الجمهور تتجه نحو نوعية سينمائية خاصة، مما يمكن معه القول أن عصر سينما الكوميديا قد آفل نجمه، وأننا إزاء عصر جديد للسينما، وهو عصر الأكشن.

ولا نحتاج للتدليل على ذلك الطرح أكثر من الإشارة إلى أن 7 من أصل 10 أعلى أفلام مصرية تحقيقاً للأرباح تنتمي لسينما الأكشن، بينما 3 أفلام فقط تنتمي لسينما الكوميديا، وجميعهم تم إنتاجه خلال العامين الحالي والمنقضي.

ومن هنا يمكن الجزم بأن الساحة السينمائية المصرية ستشهد سيطرة لسينما الأكشن خلال الاعوام المقبلة، وأن الرصيد السينمائي لأفلام الإثارة والتشويق سيأخذ في الارتفاع، بالشكل الذي يجعل منافسة أفلام الكوميديا لها أمر عسير، إلا إذا كانت كوميديا صريحة وواضحة، تعتمد على كوميديا الموقف، والأفيه، تكون قائمة على نص سينمائي كوميدي، وليس عبارة عن حالة من الاستطراد الأقرب للاستظراف.

وأهم ما يميز هذا العصر هو تراجع الخلطة التجارية القديمة، التي تعتمد على أغنية شعبية وراقصة وبلطجي، قائمة على نص ركيك، ومشاهد مشتتة متتالية، تلك النوعية التي سيطرت على الساحة السينمائية تلك النوعية التي تجذب الجمهور خاصة جيل الشباب.

الصورة على حساب النص

ظلت السينما المصرية لفترات طويلة حبيسة الواقعية الفنية، التي تعتمد على النص في المقام الأول، تقف على مسافة بعيدة من سينما عوالم الإثارة والخيال، ولعل تواضع إمكاناتها هو ما فرض عليها تلك التيمة الفنية.

وبالرغم من أنه حتى الآن لم يحدث التوازن بين القيمة الفكرية والحس الفني الجيد، وبين الصورة المهيئة بصرياً في عمل فني واحد إلا في حالات قليلة، وكأنه كتب على المشاهد العربي أن يقبل أحد الخيارين، إما المتعة البصرية، أو المتعة الوجدانية والفكرية، إلا أن الانتقال لمرحلة “البهرجة البصرية” يعد تأسيس لمرحلة من المحتمل أن تجمع بين أهم عنصرين للعمل الفني عامة، والسينمائي خاصة.

وما ينعكس من تلك الملامح الأولية لعصر سينما الأكشن أننا كمشاهدين على موعد مع ثورة بصرية، تطغى فيها المؤثرات الصوتية والسمعية على النص، تعكس تعطش رواد عالم السينما والجمهور لتلك النوعية الغنية بالمتعة البصرية، والتشويقية.

أقرأ أيضًا: تأثير الفن على حياتي: نقلة نوعية من العُزلة والحزن إلى الفلسفة الشخصية

0

شاركنا رأيك حول "هل نعيش عصر جديد في السينما المصرية؟ الأكشن كلمة السر الآن"