فيلم 200 جنيه
0

منذ الإعلان عن عرض فيلم 200 جنيه الذي يضم كوكبة كبيرة من النجوم والجميع متشوق لرؤية هذا العمل النادر الذي سيجمع كل من “أحمد السقا، ليلى علوي، صابرين، مي سليم، غادة عادل، أحمد رزق، خالد الصاوي، ملك قورة، هاني رمزي، احمد السعدني، إسعاد يونس، محمود البزاوي، أحمد آدم..” وغيرهم من النجوم الذين ظهروا على البوستر الدعائي وفي لقطات للإعلان الترويجي للفيلم. 

بالإضافة إلى عودة “محمد أمين” كمخرج بعد توقف سنوات، وهو مخرج صاحب أفلام هامة مثل “فيلم ثقافي، بنتين من مصر، ليلة سقوط بغداد، فبراير الأسود”، وكذلك هو الحال مع “أحمد عبد الله” وإطلاق اسمه كمؤلف للفيلم وهو مؤلف صاحب اسم قوي في عالم السينما والتليفزيون، وله تجارب ناجحة للغاية في أعمال البطولات الجماعية، من أهمها فيلم “الفرح”، فيلم “ساعة ونص” والمسلسل التليفزيوني “بين السرايات”.

أي أن جمع هذا العدد من النجوم كل منهم له وزنه واسمه في سوق السينما مع مخرج له رصيد فني قوي ومؤلف صاحب خبرة كبيرة في الكتابة للبطولة الجماعية، بالطبع يثير فضول المتفرج في الذهاب لدور العرض ليشاهد هذه التوليفة التي طال انتظارها والتي ستساهم بالتأكيد في الفترات القادمة بتقليل تقديم أعمال تعتمد على “البطل الأوحد” وإحداث تشارك يثري العملية الفنية والسينمائية.

كسر القاعدة وتطبيقها في نفس الوقت

في الحالات الطبيعية يمر الفيلم بعدة مراحل تجهيزية قبل بدء التصوير ومن أهمها أن يكون هناك الفكرة أو ما يسمى بـ “الثيمة العامة”، ثم تُصاغ على شكل معالجة في عدد قليل من الصفحات بها بداية الحدث والعقدة والذروة والنهاية، ومن بعدها يُكتب السيناريو والحوار ثم بعد ذلك يتم اختيار الممثلين وتسكين الشخصيات، هذا وفقًا للقواعد الحرفية والمهنية في أساسها، ولكن هل ذلك ما يحدث بالفعل؟

بالطبع لا، يعود ذلك لعدة أسباب، من أهمها أن لكل عمل فني ظروفه الخاصة، فإذا كانت القاعدة تقول إنه يجب حضور السيناريو أولًا ثم البحث عن المخرج المناسب ثم تسكين الشخصيات، فأعراف السوق تقول في كثير من الأحيان أشياء أخرى، وأحد أهم وأخطر ما تقوله هو أن يُكتب سيناريو “متفصلًا” للنجم، ولنا في ذلك مقال أو ربما مقالات أخرى لحصر عدد النجوم الذين يُكتب لهم السيناريوهات لتناسبهم من “الجلدة للجلدة”، لذا فالإعلان عن طرح عمل ببطولة جماعية أمر مُفرح يُبشر الجمهور بكسر قواعد خاطئة سادت وتوغلت في سوق السينما لفترات طويلة، ولكن مع الأسف ما حدث بفيلم 200 جنيه هو ذاته ما يحدث دائمًا، ولكن هذه المرة يلبس طاقية الإخفاء ويستتر تحت مسمى بطولة جماعية.

شاهد الإعلان أو شاهد الفيلم فلا فارق بينهما

إذا كنت قد شاهدت الإعلان التشويقي لفيلم 200 جنيه، فبالطبع -ودون حرق لأي أحداث لأن ما سيقال هو نفسه ما شاهدته في الإعلان- ستدرك أن أحداث الفيلم تدور حول ورقة “200 جنيه” يتتبع الفيلم دورة حياتها وهي تتنقل من يد ليد وتعيش مع كل من يأخذها رحلة مختلفة بين مختلف الطبقات والشخصيات، ومنها سنتعرف ونلتقي بالعديد من الشخصيات التي تربطهم جميعًا “ورقة الـ 200 جنيه”.

هذا ما توصلت إليه من الإعلان، وهذا ما ستتوصل إليه عند مشاهدة الفيلم أيضًا!

فكعادة الإعلان وكما يسمى “ترويجي” أو “تشويقي” يقوم بطرح أحداث متتالية سريعة مشوقة تساعد في إثارة فضول المتلقي ومنها يذهب إلى السينما لرؤية الأحداث كاملة، ولكن ما حدث مع فيلم 200 جنيه، إنه بالفعل كشف عن ثيمته العامة بإعلانه الترويجي، وبالتالي يذهب المتفرج لدور العرض وهو واعي بما سيشاهده وبالحدث العام، أي أن الدافع وراء الذهاب لدور العرض هو رؤية التفاصيل الفنية، والتعرف العميق على الشخصيات التي ظهرت بالإعلان.

حدث درامي غير متطور

عند مشاهدة الفيلم نلاحظ أن الأحداث غير متتالية ولا مترابطة ولا مترتبة على بعضها البعض، بل تنتقل الـ 200 جنيه من شخص لآخر ومن حكاية لأخرى بمحض المصادفة، أي أن الحدث غير متطور، وأقرب لطريقة كتابة الحلقات التليفزيونية المنفصلة المتصلة والصلة هي ورقة الـ 200 جنية فقط، وباقي الأحداث ما هي إلا انفصالًا تامًا، كل ممثل له حكايته القصيرة التي من الممكن أن تتقدم أو تتأخر أو حتى تُستقصى من الفيلم بأكملها ولا تؤثر إطلاقًا على الحدث.

وبالعودة مرة ثانية لقواعد كتابة السيناريو السينمائي، نجد أنه بالنظر إلى أي حدث عندما يتضح أنه غير مؤثر بالخط الدرامي الرئيسي أو في الحدث بشكل عام، فبالتالي وجوده ما هو إلا إقحامًا لا مبرر له.

وعلى ذلك المنوال سار الفيلم بأكمله، فأين الخط الرئيسي للحدث بخلاف انتقال الـ 200 جنيه بين الأشخاص؟ أين الحبكة الدرامية وما يربط سياق الحدث والشخصيات ببعضهم البعض؟

وبالتالي عند مشاهدة الفيلم مسموح لك بالكلام مع صديقك وبتناول الطعام والذهاب إلى القهوة وعند عودتك لاستكمال المشاهدة ستجد الـ 200 جنيه ما زالت تتنقل ولا جديد في تطور الحدث غير الموجود من الأساس.

بطولة جماعية بلوي الدراع

وبالتالي وجود كل هذا الحشد من النجوم ما هو إلا فكرة جديدة طرأت ببال القائمين على العمل لا أكثر ولا أقل، وتبقى جميع الأدوار غير مؤثرة وغير متفاعلة وبالطبع لا جدوى من وجود هذا العدد دراميًا.

وبالعودة لمقدمة المقال وما تنص عليه قواعد كتابة السيناريو، نجد أن الفكرة المطروحة في الإعلان لم تطور في السيناريو وبالتالي يصبح السيناريو هشًا ضعيفًا للغاية، ولنضرب مثالًا افتراضيًا ومن إجابته سنعرف لماذا أصدرت هذا الحكم، فهل لو اعتذر خالد الصاوي أو أحمد رزق أو ملك قورة على سبيل المثال عن القيام بأدوارهم ومن ثم تم حذف الدور بأكمله، هل كان المتلقي سيشعر بأن السيناريو ينقصه أدوارهم، بالطبع لا، إذًا وجودهم ما هو إلا لحشو الفيلم بالعديد من الأسماء والتصريح بأن هذا العمل فريد من نوعه ويعيد البطولة الجماعية لنجوم السينما بشكل صوري للغاية.

سذاجة الطرح

نظرًا لكثرة عدد الممثلين، وكثرة عدد الحكايات، أدى ذلك أن أغلب الحكايات لم تتعدَّ الدقائق على الشاشة، وبالتالي فكاتب الحوار ومن بعده المخرج كان عليهما أن يزرعا تفاصيل عدة بين الجمل الحوارية، وكذلك الصورة السينمائية لتساعد المتلقي في التعرف على الشخصيات بشكل أسرع مما يحدث في الأفلام العادية التي تأخذ شخصياتها براحها حتى تعرف المُشاهد بنفسها.

أي لا بد من تكثيف المعلومات، وطرح الصورة تفاصيل قوية حتى يتأتى للمتلقي فهم الحدث بسلاسة دون مباشرة مطلقة في الطرح، بينما في هذا الفيلم جاء الطرح يتبع أسلوب المباشرة المطلقة والحوار الساذج الذي يقول لك كل شيء تريد أن تعرفه ولا تريد أن تعرفه من خلاله.

فيدخل مدرس علم الاجتماع في الحصة الأخيرة له مع طلابه على سبيل المثال، ويقول لهم اسم المادة، بعد تيرم طويل وكأن الطلاب لا يعرفون اسم المادة، وكان لهم بمنتهى السهولة أن تُكتب اسم المادة على السبورة وذلك أضعف الإيمان، ويستمر الطرح الساذج المُشع بالميلودراما الفجة المصحوبة بموسيقى حزينة، مع شخصيات منمطة للغاية، فالفقير دائمًا طيب، والبخيل شرير، والمدرس فاسد، والسائق جدع وابن بلد، وكل منهم توضح صفاته عن طريق جمل حوارية مباشرة وصادمة.

مساحات غير عادلة (ليلى علوي – أحمد السقا) نموذجًا

وبين القفز من حكاية لأخرى، فبالتقريب تتوازن مساحة أدوار جميع النجوم المشاركين بالفيلم، بخلاف (إسعاد يونس، أحمد السعدني) وهذا مُبرر لأنهم هم أصحاب الـ 200 في الأصل والحدث بدأ من حكايتهما معًا، ولكن يُستثنى من ذلك التوازن (ليلى علوي، أحمد السقا)، فجميع الشخصيات نمر عليهم دون أن نعرف الخلفية الكاملة لشخصياتهم وجميع المعلومات تُلقى في الحوار بشكل صريح ومباشر، بينما في الجزء الخاص بليلى علوي فتمت كتابة مشاهد عديدة لها تحكي قصتها كاملة، وعلى الرغم من أن حكايتها لا توجد بها مباشرة فجة مقارنة بغيرها، ولكن أيضًا يوجد إقحام لكثير من مشاهدها لا مبرر لوجودها سوى تكبير مساحة وجودها في الفيلم، وكذلك هو الحال لأحمد السقا، وبالأخص مشهد المشاجرة في الشارع مع مجموعة من الشباب حاولوا مضايقة فتاة ما، ليُكتب للسقا مشهد به ضرب يتناسب مع كونه نجم أكشن كبير، دون أي مبرر لوجود هذا على الإطلاق سوى تكبير حجم الأدوار على الورق.

السقا أبو الجدعنة

يبدو أن كاتب السيناريو عندما جاء دور كتابته للجزء الخاص بأحمد السقا فكانت مرجعيته هو ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي عن جدعنة السقا، لذا فكتب مشاهد مليئة بشهامة وجدعنة ابن البلد له، ومثلما عانى السيناريو والحوار من أزمات لا حصر لها، فالأداء التمثيلي أيضًا لا تقل مشاكله عن السيناريو بكثير، والسقا على وجه الخصوص هو أول من قدم شخصيته بشكل غرائبي غير مفهوم مبرراته، فمن المفترض أنه يقدم شخصية سائق “أوبر” شهم للغاية، يضحي بنفسه وماله في مقابل مساعدة الغير، ولكن أحمد السقا وظف جميع أدواته الجسمانية والشكلية ونغمة صوته ليمثل شخصية أخرى تقريبًا لكنها تقول نفس الحوار المكتوب، ومن هنا تأتي المفارقة المثيرة للضحك.

فالتزم السقا بتوسيع حدقة عينه وتفخيم صوته وتثبيت وجهه في “ريأكشن” واحد، يعطي انطباعًا بأنه ربما قاتل أو مجرم، ولكنه يقول جملًا حوارية تؤسس لشخصية الجدع الأصيل، وشتان بين القول والصورة!

دائرة مغلقة تعتمد على الصدفة

من المفترض أن دراما فيلم 200 جنيه تدور داخل حلقة مُغلقة، تبدأ وتنتهي عند نفس الشخصيات، ولكن عند التنفيذ لم يفكر الكاتب بحلول جادة تُنهي الفيلم بالفعل عند نفس الشخصيات التي بدأ منها، فاعتمد على الصدفة لغلق الأحداث.

ومن أغرب الصدف أن يسير سارق الـ 200 جنيه الأول من أمام آخر سيدة تحمل الورقة بالصدفة في المقابر وهو يقود “التوكتوك”، دون أي مبرر لوجوده في هذا المكان في نفس التوقيت ليأخذ منها الورقة مرة ثانية، وزيادة في بلوغ الصدفة ذروتها هو أن يتصل صديق السارق بزوجته قبل أن يصعد إلى شقته وهي تخونه مع ذلك المذكور في الشقة فيضطر السارق حينها أن يسرع مهرولًا لأنه علم بقدوم الزوج، ولكن عندما يصعد الزوج يقول لزوجته إنه أجرى الاتصال بها ليسألها “إذا كانت تحتاج شيئًا من الشارع أم لا”!

أين حنكة زرع التفاصيل؟ فإذا كانت هذه هي عادته لماذا لم يزرعها الفيلم من البداية وكان في إمكانه ذلك حتى تبقى مبررة إذا تمت في النهاية، بينما بالعودة لبداية الفيلم والزوج قادم ومعه صديقه المذكور إلى المنزل الموجودة به زوجته وهي لم تعلم بقدوم الصديق، فتح الزوج باب الشقة فجأة دون أن يخبرها بالتليفون، وفي المرة التي تخونه فيها وهو عائد من العمل متعب وهي من المفترض أنها في المنزل بمفردها يتصل بها ليسألها إذا كانت تحتاج شيئًا أم لا!!

أين المبرر؟ أين بناء الشخصيات؟

الموعظة الحسنة من اللاشيء

وبعد كل هذه الصدف والنقلات غير المبررة والشخصيات المُقحمة المنمطة، يحدث للسارق الأول لورقة الـ 200 جنيه حادثة، جزاء فعلته الدنيئة وهي سرقته لأمه وخيانته لصديقه، وتتحقق دعوة الأم على السارق بأن تدهسه مقطورة، وبالفعل تدهس ابنها مقطورة لأنه هو السارق الحقيقي.

ثم يأتي فيلم 200 جنيه بآخر وجه يظهر به وهو “بيومي فؤاد” ليلقي على المتفرج حكمة وموعظة حسنة مفادها أن “الفلوس ليست كل شيء”، أي بعد أن تنقلت الـ 200 جنيه كورقة الشايب في لعبة الكوتشينة الشهيرة بين الأيدي، حُكم على الخاسر حكمًا قاسيًا يليق بفعلته، أي نيل الجزاء من جنس ما فعل، ومن بعدها يتم إعطاء الجميع حكمة بألا يقعوا فيما وقع فيه الأشرار وإلا دخلوا اللعبة وخسروا مثلهم.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم 200 جنيه: سيناريو على طريقة لعبة الشايب والحكم في نهاية اللعبة"