البطلين
0

جعفر ويحيى بطلين من عالمين مختلفين، تدور أحداث حياتهما في عوالم وفترات زمنية مختلفة كلياً، ولكن هل يوجد خيط رفيع يجمع بينهما، نعم في رأيي، عند إعادة مشاهدة الفيلمين، “قلب الليل” و”أرض الخوف”، شعرت بهذا الرابط يتسلل بين الأحداث، عندما تاه كلا البطلين في الأرض بين الأفكار والنزاعات، يتخبط كل منهما بين الخير والشر، بحثاً عن الحقيقة عن سبب وجوده في هذا العالم، عن صعوبة الاختيارات ونتائجها التي قد تصل بنا إلى الجنون مثل جعفر أو التيه بين عالمين مثل يحيى.

العمل الفني يحمل من التفسيرات والمعاني الكثير بقدر العقول التي تشاهده، لأن تفسيره وفهمه يعتمد على تماس العمل مع ذات المتفرج، وما يعني ويشير له من دلالات تتماس مع مخزونه العقلي، ويمكن تفسير “قلب الليل” و”أرض الخوف” بأكثر من مستوى إدراكي لهما، ولكن شعرت وأنا أشاهد كلاهما بارتباط طرح العملين لمفاهيم رحلة الإنسان في الأرض منذ أن خلقه الله حتى النهاية، بعد أن كتب الله على آدم أن يترك الجنة وينزل إلى الأرض بسبب مخالفة أوامره، وأكله من الشجرة التي نهاه عنها، ولم يذكر في القرآن نوع الشجرة، ولكن أحد القصص الشهيرة في هذا السياق، أكل آدم ثمرة تفاح تسبب ولكن ليس لها سند ديني، في الأديان الثلاث، ولكنها في الموروث الجمعي.

عن ماذا يحكي كلا العملين.. ما خفي كان أعظم

“قلب الليل” في الأصل رواية للأديب نجيب محفوظ، ونقلها للسينما الكاتب محسن زايد وأخرجها عاطف الطيب، من بطولة نور الشريف (جعفر) وفريد شوقي ( الراوي)، يحكي عن جعفر الطفل الصغير تتوفى أمه ويكتشف أن له جذور للراوي، رجل ثري معروف بالتقوى والورع، عندما يأخذه الجيران ويترُكاه لدى جده، يعرف أن والده إبراهيم خرج عن طوع الراوي وقرر الزواج من فتاة -دلالة- فقيرة، وكانت النتيجة أن غضب عليه وحرمه من كل عطاياه والحياة المرفهة التي يعيشها، وتوفي إبراهيم وبقى طفله مع الأم الفقيرة حتى توفت هي الأخرى وذهب الولد إلى الراوي.

ينشأ جعفر في بيت الراوي على الأخلاق والتدين، والدراسة في الأزهر، وخطط له جده كل شيء في حياته، نوع دراسته وزواجه، ولكن لا تستمر الحياة هكذا ويقع الابن أيضاً في حب فتاة تنتمي للأرض بكل تفاصيلها الموحشة، راعية أغنام، وحينها يفقد صوابه ويخرج من عالم جِده إلى عالم صديقه المطرب، وليالي الأفراح والحفلات، حيث ترك دراسته في الأزهر وعمل في فرقة صديقه شكرون الغنائية.

إننا نرى البطل يسير في مصيره الحتمي وهو الانغماس في ملذات أرضية تاركاً خلفه ذلك النعيم الذي حققه له جده في عالمه المثالي الخالي من العيوب الدنيوية، ولكننا لا نتيقن أن ذلك المصير هو الذي سيقع له، إلا في الدقيقة 27 من الفيلم، عندما يسقط جعفر من السرير المرتفع الذي أعده له جده على الأرض، ويقص ما رأى في حلمه إلى مربيته، ويقول أن والده قد زاره في نومه وأمسك “لقمة” كانت على الأرض وأكل منها ثم أعطاها له، فأكل هو الآخر، ودفعه في صدره فسقط من أعلى السرير مستيقظاً ليجد نفسه على الأرض، ونلاحظ تكرار كلمة الأرض في الحوار كثيراً، إشارة إلى نزول البطل من قمة إلى شيء أسفل.

يقع جعفر في حب الفتاة الأرضية ويترك قصر جده ويذهب معها إلى منزل فقير، ويعلن راية التمرد على كل ما كان يخططه له جده، ويرفض حتى الوظيفة التي يحاول أن يساعده بها، ويقرر تحقيق حلماً كان يريده في الصغر وهو الغناء مع صديقه شكرون، وكان قد منعه جده حينها.
لا يشعر جعفر بالراحة في حياته ويتعرض لإعتداء من بلطجية يخطفون زوجته وابنه ويفقدهما، ثم يلتقي بسيدة ثرية تعرض عليه الزواج وتساعده على تحقيق أي حلم يتمناه، ولكنه لا يصل لأي شيء سوى شتات الأمر والأفكار ويفقد بوصلته نحو ما يريده من الحياة ويعيش حياة تشبه المتاهة التي لا تؤدي إلى أي شيء، غير السجن بعد ارتكابه جريمة قتل، ثم الجنون عند الخروج منه.

البطل حائر

نلاحظ في فيلم “قلب الليل”، خلق عالم الراوي، بصورة مضاف إليها هالة من القدسية أو ما تشبه الحلم، قصر كبير يحيط به جنائن وسور مرتفع لا يستطيع أي شخص خارجه رؤية ما بداخله إلا إذا رضي عنه الراوي وسمح له بالدخول، أما العاملين داخل المنزل جميعهم يرتدون زي أبيض، أما خارجه يوجد القتل والكذب والظلم والفقر.

أرض الخوف، من تأليف وإخراج داوود عبدالسيد، وبطولة أحمد زكي (يحيى/ آدم/ أبو دبورة)، وهو ضابط معروف عنه نزاهته وحبه الشديد لعمله، ولكن في لعبة دخلها باتفاق مع رؤساءه، تحول إلى نقيض الصفات المذكورة، وأصبح واحد من “رجال العالم السفلي”، وقد استخدمت هذه الجملة في حوار البطل مع اللواء الذي كلفه بالمهمة، وكأنها إشارة بخروجه من عالم أعلى وأكثر مثلاً إلى عالم أدنى به كل الموبقات والملذات والمفاسد.

في خلال 11 دقيقة من بداية فيلم أرض الخوف يضعنا المخرج على أعتاب فهم الحكاية كاملة، ولكنها لاتزال لغزاً لدى البطل ولدى المشاهد، نحن نعلم أنه سوف يدخل إلى عالم الجريمة والمخدرات -العالم السفلي- بأوامر من أكبر القيادات الأمنية في لعبة قلبت حياته رأساً على عقب، وتأتي موافقة البطل من خلال تعبير مرئي في لقطة خلال الدقيقة 10:34 تحديداً، حيث يحرك “يحيى” يده نحو طبق الفاكهة “التفاح” ويتناول واحدة ثم يأكل منها جزء.

تتبدل حياة يحيى، يتسلق سلم الإجرام وتجارة المخدرات من الدرجات الأولى حتى يصعد إلى القمة ويجلس على طاولة كبار حيتانها ويصبح واحداً منهم، ويجد نفسه ضائعاً بين هويته، هل هو ضابط شرطة يؤدي مهمة وطنية وخدمة ضمن عمله الأمني، أم أنه تاجر مخدرات، باع وقتل وحارب وتسبب في كوارث أخرى، وحينما يحاول استكشاف طبيعة مهمته ومتى ستنتهي ومن المسئول الآن عنها، يجد نفسه مٌحارباً واقعاً في شباك الجميع، مستهدف ومتربص به من الطرفين.

وتنهال عليه التساؤلات، في كل مرحلة عن جدوى ما يقوم به، بل إن سبل الحياة الجديدة أطلقت فيه نفسه شروراً لم يكن يتوقع أنها توجد داخله، نجده في مشهد قتل المعلم بسيوني يقول :”ولكني أعترف الآن أدرك أن قتل المعلم بسيوني فعلاً محبباً طالما طُقت إليه”، وفي مشهد آخر يقول: “ولكن حقيقة إنتمائي قد بدأت تقلقني هل أنا حقاً ضابط شرطة أم تاجر مخدرات”.

 

يظهر التفاح مرة أخرى، أمام تاجر الهيروين الذي يعرض على تجار المخدرات تغيير نشاطهم للحصول على مكاسب وربح أكبر وتقليل الخطر المرتبط بنقل وتخزين كميات الحشيش، وكأنه رمز لدونية أكتر ينتقل لها البطل، من منظور هؤلاء التجار، الحشيش لا يؤدي للإدمان وفق وجهة نظرهم وغير مؤذٍ للزبائن بينما الهيروين على العكس من ذلك، بانتقال يحيى للتجارة الجديدة فهو يتحول لتاجر محترف وقاتل لكثير من البشر، وفي نفس المشهد يقول المعلم هدهد : “إنت تقدر تسمم الناس لكن أنا مقدرش”، وكأن تاجر المخدرات أكثر رحمة عن غيره.

فعل الأكل المُحرم.. دلالات اللقطة

بالتركيز على فعل الأكل ذاته، هو الأساس الذي أخرج آدم من الجنة وهبط به وحواء إلى الأرض، أي من الأعلى إلى الأدنى، وهو الفعل الأساسي المرتبط بشخصيتي جعفر ويحيى، وكلا الفعلين ظهرا في لقطتين متباينتين في كلا الفيلمين.

واللقطة هي أولى أدوات اللغة السينمائية وهي المكونة للمشهد، والمشهد موقف متصل في مكان وزمان واحد، على عكس لغة الأدب التي تقوم على الكلمة المكونة للجملة، واللقطة هي المكون الخاص بالصورة الفيلمية، وهي المادة الخام للعمل، وإن كانت مع ذلك حقيقة معقدة للغاية ذلك أن تكوينها يتميز بتراكيب عميقة قادرة على نقل الواقع الذي يعرض عليها نقلاً دقيقاً لكن ذلك النشاط الموجه من الناحية الجمالية في الاتجاه المحدد الذي يريده المخرج، كما ذكر مارسيل مارتن في كتابه “اللغة السينمائية”.

اختلفت اللقطة المعبرة عن الفعل في الفيلمين، بينما اختار داوود عبدالسيد أن تكون واضحة في المشهد، حيث يمسك يحيى بثمرة التفاح وينظر لها نظرة افتتان، مستخدماً التعبير المرئي للإيحاء بما داخل البطل، أنه قبل النزول من عالمه المثالي إلى أرض الخوف، بينما اختار عاطف الطيب التعبير المرئي والكلمات للتعبير، أولاً جعل البطل يسقط على الأرض من أعلى سريره، بسبب الحلم، ثم الحوار لحكي ما حدث فيه، واستخدام كلمات “لقمة من على الأرض”، وتلى الحوار تعبير مرئي آخر لجعفر وهو يقف خلف شباك من الخشب ولكنه يبدو وكأنه سجين خلفه، وهنا نقطة اختلاف جوهرية في رحلة البطلين أحدهما افتتن بالتفاح وكانت نتيجة الفتنة الهبوط، بينما الآخر اختار التمرد وتذوق شيء مُحرم، وهنا تفسيرين مختلفين لعلاقة الانسان مع الله.

لأن السينما كوسيلة اتصال تقدم مجموعة من الإشارات الموظفة هي نفسها متماثلة مع العالم الذي هو موضع التفكير، نجد أن المنظرون الواقعيون يرون في السينما الشكل الثري القادر على تقديم المظهر والجوهر معاً، المظهر الفعلي للعالم الواقعي وحقيقته معاً، والعالم الواقعي يعود إلى المتفرج وهو مصفّى بالتخلّل عبر عقل الفنان، الرائي، الذي يرى ويعرض معاً، لذلك تحمل أغلب التفاصيل في العمل ما نستطيع تسميته “سيميولوجيا” العمل أي دلالته.

الأسس السيميولوجية للفن تكون ذات أهمية قصوى، لأنها ترغم المتلقى/ المتفرج على تعريض وعيه للمجازفة داخل النص ذاته، بحيث يكون مجبراً على استجواب شفراته الخاصة، منهجه الخاص في التأويل، أثناء القراءة/التلقي، والغنى الجمالي للسينما ينشأ من حقيقة أنها تتضمن كل الأبعاد الثلاثة للعلامة: الدلالي، الأيقوني، والرمزي، المأخذ الأكبر على كل الذين كتبوا عن السينما هو أنهم تناولوا بعدا واحدا من هذه الأبعاد، جاعلين منه أساس الجمالية والبعد الجوهري للعلامة السينمائية، وأهملوا الأخرى، والفيلم لا يعتمد على أي نظام شفري مشترك، بل على الخيال الفردي للفنان، إنه المظهر الأيقوني للعلامة المظهر المنفصل عن الدلالي من أجل استحضار عالم، ممكن إدراكه بفضل التماثلات مع العالم الطبيعي، مع ذلك هو ضرب من عالم الحلم، مختلف ومغاير، بحسب ما ذكر في كتاب “Signs and Meaning in the cinema” ترجمة أمين صالح.

وبالتالي نجد دلالات بصرية أو لفظية تحمل كثير من المعاني في كلا العملين، مثل الأرض، ككلمة مستخدمة بكثافة لوصف كل شيء يرتبط بما هو خارج قصر الراوي، وأيضاً كلمة متصلة بعالم يحيى الجديد المرتبط بتجارة المخدرات، والتعبير البصري للتفاحة وما تحمله من معاني في ذهن المتفرج كثمرة تسببت في هبوط آدم من الجنة.

وهكذا أصبحت “لقمة” جعفر، و”تفاحة” يحيى، كلاهما علامة، تعود إلى فعل الأكل المُحرم الذي منع عن آدم ولم ينته عنه، وكانت نتيجة ذلك نزوله من الجنة ومكوثه على الأرض، وذلك ما يجمع كلا الشخصيتين، رغم الاختلاف الكلي في قصة كلاهما، إلا أن الاثنين ارتكبا فعل الأكل المُحرم، ومن هنا يأتي وجه التشابه بين البطلين، اختيارهما لدخول العالم الأرضي/ السفلي/ الاختلاط بالشر والخير.

0

شاركنا رأيك حول "الأكل المُحرم والهبوط إلى الأرض: هل يوجد خيط رفيع بين فيلمي قلب الليل وأرض الخوف"