“لعنة السينما النظيفة”.. هل تحاول منى زكي الانعتاق من القيود لترقى إلى العالمية؟

منى زكي
الشيماء أحمد فاروق
الشيماء أحمد فاروق

10 د

واجهت الممثلة المصرية منى زكي، الكثير من الانتقادات بعد عرض أحدث الأفلام المشاركة فيها، "أصحاب ولا أعز"، على منصة "نتفليكس" الرقمية، مع مجموعة من الفنانين اللبنانيين، جورج خباز ونادين لبكي وعادل كرم والأردني إياد نصار وغيرهم، وتدور أحداثه في ليلة واحدة عن مجموعة من الأصدقاء يجتمعون على العشاء، لكن لعبة تقلب الليلة وتكشف الكثير من الحقائق والأسرار.

تعرّض الفيلم لموجة من النقد والانقسام على منصات التواصل الاجتماعي، بين مدافع ورافض لما يطرحه من مشكلات، وزاد النقد بشدة تحديدًا في مصر ضد منى زكي بسبب ما وُصف به دورها وأداؤها في العمل.

يشار إلى أن منى زكي الآن واحدة من أهم نجمات السينما المصرية، وكُرمت عام 2020 بجائزة فاتن حمامة للتميز في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وقدمت منى -منذ ظهورها على خشبة مسرح الفنان محمد صبحي في التسعينيات- أدوارًا عديدة، منها حقق نجاحًا مدويًا، وأعمال أخرى واجهت هجومًا شديدًا، وأخرى لم تحقق أي نجاح، وهكذا حياة أي فنان، سلسلة من الصعود والهبوط الفني وفق عوامل كثيرة.


السينما النظيفة وحصار الفنان في صورة ثابتة 

رافق ظهور جيل منى من الممثلين مصطلح كان جديدًا وقتها، وهو السينما النظيفة، والذي حاول مجموعة من المنتجين قولبة السينما داخله ودعم هذا التيار بشدة، حتى صيغ وختم به عشرات الأعمال، ورغم انصياع الجيل الجديد لهذا المصطلح إلا أنه واجه هجومًا من نقاد وفنانين، وخرجت عناوين صحفية مثل "سينما نظيفة وإفيهات قليلة الأدب"، "أصحاب المصطلح حرموا القبلات وبالغوا في قذف البذاءات في وجوه الناس"، وإليكم بعض الآراء المنتقدة للمصطلح:

ذو صلة

قال الناقد رفيق الصبان عنها في أحد الحوارات الصحفية في بداية الألفية: "إن ما يسميه البعض تقديم (سينما نظيفة) هو ادعاء وزيف وتزييف لا علاقة له بما نشاهده، فهم يعلمون أنهم يخاطبون جمهورًا محدود الفكر والثقافة؛ لهذا يحشون أفلامهم بألفاظ سوقية وخارجة ظنًا منهم أنهم يقتربون من الواقع".

ابراهيم عيسى في أحد البرامج التلفزيونية على قناة القاهرة والناس: "تعبير السينما النظيفة تعبير قذر، وكأنه يصف عطاء السينما المصرية بكل ما فيها من نجوم ورموز ويدين هذه السينما وكان جزء كبير جدًا من قيامه بناءً على أفكار سلفية لضرب الفن المصري وإدانة سينما عظيمة بدأت من 100 سنة، لسحب قدرة الفنانين على التواصل مع الجمهور وتغيير وجدانهم، وظهور ما يعرف بـ الفنانات التائبات وعمل بعض الممثلات في العمل الدعوي الديني، كلها دائرة واحدة للقضاء على السينما المصرية". 

يسري نصر الله: "أكره مصطلح السينما النظيفة، السينما ليست نظيفة وليست وظيفتها أن تكون نظيفة، وأصبح الخطاب المتمرد خطابًا شديد الرجعية، والسينما أصبحت عاقلة ودمها أصبح ثقيلًا وشبه فاشية". 

أما منى زكي ابنة الجيل الذي حاصره هذا المصطلح فقد عبرت قولًا وفعلًا عن رفضها له، وندمها عن كثير من الأدوار التي رفضتها تحت وطأة هذا المصطلح وخوفًا من الخروج عن قالبه، وقد صرحت بذلك في ندوة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2020، وقالت: "جيلنا طلعنا لقينا منتجين قالوا علينا ده، جيل السينما النظيفة، واحنا كنا عيال مش فاهمين قولنا تمام، لكن اكتشفنا ان مفيش حاجة اسمها سينما نظيفة وسينما مبقعة يعني، لا هو أنت بتحب الفن إزاي وفيه معايير أخرى وفيه مشاهد لو متعملتش مش هتوصل أي حاجة في الدنيا ولا أي معنى، وبنكبر ونتعلم إن مفيش حاجة اسمها كده، وياريتنا كنا اتعلمنا وطلعنا على إيد ناس عندهم أفكار بشكل تاني، مكنتش هضيع فرص كتير أوي في حياتي، وكانت هتتقدم بطريقة ذو معنى، الحياة مش أبيض وأسود ولا بالسطحية دي". 

كان هذا التصريح بعد أن حاولت منى تغيير هذا النمط الذي وضعت فيه لسنوات -إلى حد ما- وتقديم أدوار مختلفة، وهذا الهجوم الذي تتلقاه حاليًا بسبب دورها في "أصحاب ولا أعز"، قد وقع مرات أخرى في السابق، وتحديدًا عندما عرض فيلم "احكي يا شهرزاد" عام 2009، من تأليف وحيد حامد وإخراج يسري نصر الله.

ربما لم تكن منى زكي تعي في هذا السن الصغير أطراف أزمة "السينما النظيفة" ونتائجها، فهي في هذا الوقت اعتمدت تقديم شخصية الفتاة المحبوبة -الفيديت- البطلة التي يحبها البطل، وتدور حولهما الأحداث، وقدمت في هذا السياق أفلام الحب الأول - أفريكانو - مافيا - من نظرة عين - ليه خلتني أحبك - تيمور وشفيقة.

ولكن كان فيلم احكي يا شهرزاد كسرًا لهذا النمط، وتدور أحداث الفيلم حول مذيعة مهتمة بقضايا المرأة ونظرة المجتمع لها، وهي متزوجة في نفس الوقت تعاني من مشاكل كثيرة مع زوجها، فكانت تحدث بينهما خلافات عديدة بسبب المواضيع التي تطرحها على الجمهور وتؤثر على عمله وحصوله على رضا المسؤولين والوصول لمنصب رئيس تحرير في سن صغير.

في عام 2013، تقدم منى زكي للدراما التلفزيونية مسلسل "آسيا"، من تأليف عباس أبو الحسن، وإخراج محمد بكير، ولعبت في جزء كبير من أحداثه شخصية راقصة في ملهى ليلي.

أما عام 2016، شاركت منى زكي في مسلسل "أفراح القبة"، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للأديب الراحل نجيب محفوظ، وإخراج محمد يس، ضم المسلسل عددًا كبيرًا من الممثلين ضمن بطولة جماعية تروي حكاية فرقة مسرحية في القرن الماضي، وفي الكواليس توجد كثير من الأسرار والفضائح والمشاكل، خيانة وقتل وسرقة وظلم، ولعبت منى دور "تحية" فتاة من أسرة فقيرة، تعمل أختها فتاة ليل والأخرى كاتبة، وتحاول "تحية" أن تصبح ممثلة، لكنها تقع في حب أحد أعضاء الفرقة وتعيش معه سنوات دون زواج، ويتضمن المسلسل مشاهد رقص لها. 

من الأدوار الأخرى التي علق عليها الجمهور، شخصية "زينة" في فيلم "أسوار القمر"، ويتداول البعض مشاهد منه، ومن أشهرها علاقتها بصديقها قبل الزواج وزيارتها لمنزله، معتبرين أن هذه المشاهد لا تناسب المجتمع المصري.

يتعامل الجمهور في هذه المشاهد مع منى الإنسانة دون فصل عن كونها تؤدي شخصية معينة، ترقص وتضحك وتحزن وربما تقتل  تعبيرًا عنها، ويتداولون مشاهد لها في أي وضع يرون أنه يخدش حياءهم، كمشهد يجمعها بالفنان حسن الرداد في احكي يا شهرزاد من المفترض أنه ينتهي بعلاقة جنسية بينهما، أو مشاهدها مع الفنان آسر يس في فيلم أسوار القمر، وأجزاء من حواراتها مع عائلتها في مسلسل أفراح القبة التي تدور حول العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.  


منى زكي وتوظيف أدوات الممثل في "أصحاب ولا أعز" 

إذا عاودنا الحديث عن شخصية منى في فيلم أصحاب ولا أعز، سوف نجد أن منى قدمت أداءً جيدًا للشخصية، ويمكن رؤية ذلك متجسدًا من خلال عدة عوامل، قد انتُقدت عليها من بعض الجمهور، مثل الصوت المرتفع والمبالغة في رفع الصوت والحديث والسخرية مع أصحابها بشكل مبالغ فيه، ولكن أرى أنها لم تكن شيئًا سلبيًا أدته الممثلة ولكن قد خدم الشخصية وعبر عنها. 

نحن أمام سيدة لديها مشاكل متجذرة في علاقتها مع زوجها، مشاكل أسرية ومشاكل متعلقة بالماضي ومشاكل جنسية، وخرس زوجي، وانعدام لغة الحوار بينها وبين زوجها، كل هذا أسس الفيلم له منذ البداية سواء على لسان الشخصية أو لسان زوجها -إياد نصار- الذي وصفها في أحد المشاهد لصديقه أنه يراها رجل لذلك لا يقترب منها أو يمارس معها علاقة جنسية طبيعية منذ فترة طويلة، كل هذا انعكس على الشخصية التي قدمتها منى زكي، وعبرت عنها من خلال أدواتها كممثلة. 

نبرة الصوت الحادة والضحك وطريقة الكلام المبالغ فيه كان لهم مبرر واضح ومنطقي مطابق تمامًا لحالتها، فهي إنسانة تحاول أن تخلق صورة عنها أنها سعيدة على عكس ما يدور داخلها تمامًا، ويمكن وصف ما قدمته منى زكي أنها كانت تمثل شخصية سيدة تحاول التظاهر بالسعادة -تمثيل داخل التمثيل- لذلك فهي شخصية مزيفة تخفي داخلها الكثير، ولكنها لا تواجه ونلاحظ ذلك في حواراتها مع زوجها عندما يتوسع النقاش حول أي مشكلة بينهما تسرع في إغلاق النقاش وتقول: "خلاص خلاص كأني مقولتش حاجة"، حتى لحظة النهاية عندما تحدث المواجهة بينهما، وكما يتضح اضطراب شخصيتها على صوتها وأدائها المبالغ فيه يظهر أيضًا على رعشة يدها التي هي نتاج طبيعي لاضطرابها النفسي وزيادة تناولها للخمر.  

وهذا الحديث عن الاضطرابات النفسية والجسدية التي تؤثر على الإنسان بسبب نقص ممارسة العلاقة الحميمية ليس ضربًا من الخيال ولكنه كلام ذكره كثير من المتخصصين والأبحاث، حيث ذكرت تقارير صحية أنه يمكن أن يؤدي الاستمرار لفترة طويلة دون ممارسة الجنس أو العلاقة الحميمية إلى أكثر من مجرد إحباط، وأوضح كثير من المعالجين الجنسيين وعلماء النفس أنه هناك كثير من التداعيات التي يرونها في الأشخاص الذين لا يتعرضون للاتصال الجنسي لفترة طويلة من الزمن، مثل القلق والاضطرابات النفسية، ووفقًا للدكتورة راشيل نيدل، عالمة النفس والمديرة المشاركة لمعاهد العلاج الجنسي الحديث، يمكن أن تكون ممارسة الجنس إيجابية للصحة الجسدية والعقلية للناس، لأنها تساعد على تقليل الألم والتوتر والقلق والاكتئاب، وقالت نيدل في حوار مع مجلة إنسايدر الأمريكية: "تُطلق النشوة الجنسية الإندورفين الذي يمكن أن يساعد في تقليل التوتر، مؤقتًا على الأقل، ويؤدي إلى مشاعر إيجابية تجعلنا أكثر سعادة".
وقال الدكتور دولتشينيا بيتاغورا، المعالج النفسي والجنسي: "عندما يعاني أولئك الذين يرغبون في ممارسة الجنس والذين اعتادوا على ممارسته بانتظام من نقص الحميمية الجنسية، يمكن أن تحدث آثار ضارة بالصحة العقلية والعاطفية والجسدية تؤدي إلى مجموعة متنوعة من الأعراض ومشاعر العزلة وانعدام الأمن وتدني احترام الذات".

وبالعودة للتمثيل، هناك مدارس كثيرة لفن التمثيل والأداء، ولكن بشكل أساسي مهما اختلفت المدارس تقريبًا تنقسم أدوات الممثل إلى جهاز خارجي، يتكون من صوته وحركته وإيماءاته، ويجب التنسيق بين هذه العناصر للتأثير في المتفرج ويعتبر الصوت أكثر أجزاء الجهاز الخارجي أهمية، وأما الجهاز الداخلي فهو ما يهيئ الممثل لتوظيف أدوات الجهاز الخارجي، لأن الصوت والحركة والإيماء كوسائل اتصال تكون عديمة الفائدة لو لم يوجد ثمة شيء يوصلها، وهذا الشيء هو النص الذي كتبه المؤلف مدعمًا بأفكار الممثل وأحاسيسه، وفق ما ذكر في كتاب موريس فيشمان "تدريب الممثل". 

لكن بعض الجمهور لا يفصل بين الفنان والشخصية التي يقدمها، وعندما يضع الممثل نفسه في قالب معين يصعب الخروج منه، ويصعب تقبله، خاصة إذا وُضع في صورة الشخصيات الطيبة الخيرة التي لا ترتكب الرذائل أو تنتمي لمعسكرات الشر فيكون من الصعب تغيير هذا الشكل، وهناك خلط واضح بين ما تؤديه الفنانة على الشاشة -الفنانة تحديدًا نتيجة النظرة الذكورية للمرأة أنها عرض وشرف للأسرة- وبين حقيقتها، لذلك نجد من الجمهور من يدعم حاليًا بعض الممثلات ليس بسبب أدائهن الجيد ولكن يكفي أن تكون ملابسها محتشمة ولا تؤدي مشاهد جريئة -وفق وصفهم- والمشاهد الجريئة هي ما تحتوي على أي إيحاء جنسي سواء قولًا أو فعلًا بغض النظر عن السياق وما يريد المشهد طرحه من أفكار. 


الجرأة المنقوصة للسعي وراء الخروج من المحلية

من شاهد النسخة الإيطالية من الفيلم سوف يلاحظ وجود مشهد للشخصية التي جسدتها منى زكي في النسخة العربية من القصة، وهو مشهد المواجهة في النهاية مع الزوج عندما يكتشف علاقتها مع رجل آخر، ويوجه لها سؤال عن حقيقة ما ذكر في رسالة الرجل، وفي لحظة غضب ومواجهة قوية ترفع الشخصية فستانها كاشفة صحة ما قيل، ولكن اختفى هذا المشهد من النسخة العربية رغم التأسيس لها.

ظهرت منى ترتدي فستانًا أزرق اللون يتضمن فتحتين بجوار أرجلها، وقد اتضح ذلك في في جلستها على بوستر الفيلم، وفي كادرات الفيلم، مما يؤسس لدور هذا الفستان الذي سوف يستخدم فيما بعد، ورغم التأسيس للمشهد فلم يظهر على الشاشة واكتفت النسخة العربية بمواجهة كلامية بين الزوجين يكشف كلاهما ما يجول في خاطرهما للآخر، ربما لم يكتب المشهد للنسخة العربية وربما كتب وحذف أثناء التصوير لا أحد يعلم حقيقة الأمر بشكل قاطع، ولكن هل كان بإمكان منى تقديم هذا المشهد؟

في تصريحات منى خلال ندوتها في مهرجان القاهرة السينمائي، أبدت أمنيتها للتوجه للعالمية ولكن تمنعها الكثير من العوامل أهمها الانشغال بأبنائها، ولكن هذا الحلم بالتأكيد يراودها وطالما تحدثت عنه، وتعد شبكة نتفليكس، التي يشترك فيها ما يقرب من 200 مليون شخص حول العالم وفق آخر ما أعلن في 2021، نافذة جيدة لكثير من النجوم للخروج من إطار محليتهم إلى عدد أكبر ومتنوع من الجمهور في دول مختلفة، مما يمنحهم مساحة شهرة أوسع، لذلك مشاركتها في فيلم أصحاب ولا أعز تعد خطوة نحو هذا التوجه.

ومن الملاحظ أن الأعمال العربية التي تنتجها نتفليكس دائمًا ما تثير الجدل في المجتمعات العربية، وتواجه هجومًا شرسًا بسبب ما تحمله من أفكار ولا يستطيع الممثل العربي الهروب من النقد الحاد، وفيلم أصحاب ولا أعز ليس الحالة الأولى، قد سبق وتعرض مسلسل مدرسة الروابي للبنات، والذي عرض في أغسطس 2021، وتدور أحداثه في الأردن، لموجة واسعة من الجدل والهجوم في الأردن حينها، لما تضمنه من مشاهد وُصفت بـ "الجريئة" والمنافية لقيم وعادات الأردنيين، وهذا مؤشر لأي فنان عربي أنه بمشاركته في أي عمل من إنتاج هذه المنصة يوجد نسبة معرفة مسبقة لما قد يوجه له من اتهامات أو نقد، وهنا يكون الممثل أو المبدع عامة لديه حرية الاختيار بين مميزات المنصة ومخاطر الظهور عليها.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة