الأفلام الروائية الطويلة
0

انتهت بانوراما الفيلم الأوروبي التي امتدت منذ السابع عشر من نوفمبر وحتى السادس والعشرين من نفس الشهر محققةً نجاحًا ومبيعاتٍ لا بأس بها. قدمت هذه الدورة 48 فيلمًا من أفضل وأشهر الأفلام الأوروبية الحاصلة على جوائز في مهرجانات هامة مثل مهرجان كان، من بينهم 13 فيلمًا روائيًا طويلًا. نقدم لكم اليوم مراجعة سريعة لأفضل الأفلام الروائية الطويلة التي عرضت في البانوراما.

المقصورة رقم 6 – compartment no 6

“لا تضحي بكل شيء في سبيل الحصول على الحب، ستفقد كل شيء ولن تحصل عليه كذلك”

فيلم فنلندي روسي من إخراج يوهو كوشمانين، ومن بطولة سيدي هارلا ويوري بوريسوف. يبدأ الفيلم حول الشابة لورا فنلندية الجنسية تقيم في روسيا للدراسة، في حفلة وداع صغيرة لها يحضره الأصدقاء وحبيبتها إيرينا، وبكادرات قريبة وتعبيرات مسطحة يدخل المتفرج سريعًا في الجو العام للفيلم لنكتشف إحساس لورا بالاغتراب في مكانها بالإضافة لحزنها بسبب سفرها، مع تطور الأحداث وتعرف لورا على الشاب ليوها عامل المنجم نتعرف على جوانب متعددة من شخصيتها. على سبيل المثال؛ تعاني لورا من إحساس دائم بالرفض من المحيطين، خوف مستمر من الفقد، رغبة ملحة لتلقي الحب من الآخرين وأخيرًا محاولة شراء هذا الحب بأي ثمن ومهما كانت التضحية فهي على استعداد أن تقدمها في سبيل الحصول على القليل من الحب حتى لو كان مزيفًا.

يعتبر تصوير نصف الفيلم تم داخل مقصورة القطار مما يجعل من البديهي أن تكون الكادرات قريبة، مما أفاد في توضيح العلاقات بين الأفراد وتطورها، بالأخص علاقة لورا بـ مفتشة القطار التي بدأت بحدة وجفاء من قبل المفتشة وانتهت بقليل من العطف من قبلها كذلك. كما يعد التعبير بالكلام في الفيلم قليلًا مقارنةً بالتعبير بالصورة، ويظهر ذلك حتى في مشهد النهاية مع الملاحظة ثنائية المعنى التي تركها ليوها لـ لورا، تلك الثنائية التي تلازم لورا في علاقتها كلها. إحساس البطلة الداخلي بالقبح وانخفاض مستوى تقدير الذات لديها جعلها تعشق الكمال المزيف في الآخرين، وهي نفس الأسباب التي أوضحتها كدليل لحب إيرينا، وهي نفسها الأسباب التي جعلتها تنفر من ليوها في البداية كونه بعيدًا كل البعد عن الصورة المثالية. فيلم المقصورة رقم 6 من الأفلام الروائية الطويلة الحاصلة على جوائز في مهرجان كان في دورته الأخيرة ومن أكثر الأفلام حضورًا في بانوراما الفيلم الأوروبي.

لا أريد أن أرقص – i don’t wanna dance

“من قال إن كل الأمهات ملائكة وتضحي في سبيل نجاة أولادها؟”

فيلم هولندي من أفضل الأفلام الروائية الطويلة في بانوراما الفيلم الأوروبي هذا العام من إخراج فلين فون كلايست، ومن بطولة إيفندو فان براج ورومانا فريدي. يدور الفيلم المبني على قصة حقيقية للبطل إيفندو نفسه حول المراهق جو وأخيه الصغير الذي ينتقلان حديثًا للعيش مع أمهم بعد أن تم سحب الوصاية منها بسبب إدمانها وسوء معاملتها لهم وعدم قدرتها على إعالتهم. تبدو الأمور مستقرة للغاية في البداية ويسود الأسرة جو سعيد حتى تبدأ الأم في الرجوع لـ إدمانها تدريجيًا. ومع سير الأحداث نكتشف وجود ابن آخر أكبر من جو يسيء معاملة الأم كما تسيء هي معاملته، وفي ظل كل تلك الأحداث تبدأ الأم دافني في شن حرب نفسية عنيفة على جو.

يحاول جو في تلك الأثناء متابعة دروس الرقص الخاصه به ليحقق حلمه في أن يصبح راقصًا عالميًا، ولكن مع التلاعب النفسي الشديد التي تمارسه الأم مع جو يجد نفسه معذبًا بين محاولاته المستميتة الدائمة لإرضائها. وفقًا لعلم النفس تقوم الأم المضطربة الفصامية بشكل لاشعوري باختيار أحد الأبناء بالتحديد وفي العادة يكون صاحب النفسية الهشة لتستخدمه كوعاء تصب به كل مشاكلها النفسية، تحمله ذنب كل أخطاء الأسرة ويطلق عليه “الطفل المشكلة” وهو نفس التكنيك الذي اتبعته دافني مع جو. ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لجو هي محاولاتها -أثناء سكرها- أن تستغله جنسيًا ليقرر تركها والعودة لخالته مرة أخرى، مما يساعده فيما بعد على التحكم في زمام حياته.

أنا رجلك – i’m your man

“الشقاء ما يجعل الحياة حياةً”

فيلم ألماني من إخراج ماريا شرايدر، ومن بطولة مارين إيجرت، دان ستيفينز. يدور الفيلم حول ألما باحثة الآثار التي تجبر على المشاركة في بحث علمي عن الرجال الآليين المخصصين للمواعدة. توم الرجل الآلي الوسيم للغاية مصمم ليلبي احتياجات ألما كلها العاطفية والجسدية بناءً على خوارزمياتها الخاصة في العلاقات السابقة، ومن خلال العلاقة بين ألما وتوم التي امتدت قرابة الثلاثة أسابيع يسلط لنا الفيلم الضوء على الطبيعة البشرية الغريبة، أولًا قدم لنا الفيلم نموذج تبادل أدوار بين الآلة والإنسان؛ فكانت ألما جافة لا تُظهر أي نوع من المشاعر في حين أن توم فياض المشاعر ويغدق عليها الحب بشكل مستمر وبكل الطرق. كذلك يوضح الفيلم أنه وحتى الوقت الحالي وبالرغم من تطور التكنولوجيا فلا يمكن التنبؤ بالسلوك البشري، وذلك ببساطة لأن هناك ملايين الاحتمالات لردة الفعل على الموقف الواحد، والحقيقة أن النفس البشرية أعقد مما قد يستوعب الذكاء الاصطناعي على الأقل في الوقت الحالي.

وتلك هي وجهة النظر الذي يحاول الفيلم توضيحها بشكل أو بآخر، فـ ألما وبالرغم من كونها سيدة وحيدة للغاية، تعاني من ألم الانفصال الحديث، تعرف يقينًا أنها لن تكون أمًا أبدًا ومع وجود أب مريض بالزهايمر ترى كمّ المعاناة التي يعانيها بسبب تقدمه في العمر وحيدًا، كل تلك العوامل تجعلها يائسة للغاية، مما يدفعها إلى تقبل وجود الحب والدعم والتفهم والمتعة الذي قد يقدمه لها توم. لكن مع ذلك في التقرير النهائي التي قدمته ألما عن التجربة أنها تفضل أن تعاني من الوحدة والألم على أن تقبل الحياة المزيفة التي تقدمها لها تقنية المواعدة الآلية، وأن الشقاء في الحياة هو ما يجعل منها حياةً قابلة للعيش.

مجرد بشر – only human

“كلنا فاسدون لا أستثني أحدًا، حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة”

فيلم من الأفلام الروائية الطويلة إنتاج مشترك بين مقدونيا الشمالية، صربيا، وبلغاريا، كوسوفو وسلوفينيا. الفيلم من إخراج وتأليف إيجور إيفانوف إيزي ومن بطولة ناتاشا بيتروفيتش وإيجور أنجيلوف. يدور الفيلم حول 6 من الحكايات المنفصلة المتصلة التي تتقاطع مع بعضها البعض في سلسلة دائرية من الأحداث بشكل مذهل، يربط تلك السلسلة ثلاث شخصيات محورية يرمز كل منهم لجانب من حياة الإنسان الحديث.
أولًا الأب هيسترو: الذي ينتقل في سيارته الفارهة بعد إتمام الصلاة على المتوفى حديثًا إلى منزل الأرملة بيترا الذي يبدو ظاهريًا أنه يحاول إقناعها بالانضمام للمجتمع الكنسي من خلال الرهبنة، ولكنه في الحقيقة يسعى للحصول على منزلها باسم الكنسية. في نفس الوقت الذي يقوم به الشماس الصغير مدمن الكحوليات والقمار بممارسة حياة العربدة كما يحلو له، فوجوده في المجتمع الكنسي في الأساس معتمد على الواسطة.

ثانيًا المحامي: بشكل آلي تمامًا، وكأنه منفصل عن الأحداث معدوم الإنسانية يتعامل المحامي مع القضايا الأربعة التي أوكلت إليه على مدار الفيلم. سواء قراءة الوصية، توضيح الخديعة للقس، إجبار سوكراتيس على توقيع إثبات عدم صحته العقلية وأخيرًا التلاعب على خال جوكي من أجل الميراث، فهو لا يرى ولا يعرف إلا مصلحته الشخصية فقط دون إظهار أي تعاطف.
ثالثًا وأخيرًا والأهم جوكي: وهو شاب مصاب بمتلازمة داون يظهر ثلاثة مرات إحداهما في فصل كامل خاص به، تنتحر أم جوكي ويعرف أن والده الذي لم يعترف به قط قد فارق الحياة حديثًا، وبالرغم من كل ذلك لم يتردد لحظةً في إظهار الحب للوالد المتوفى، كما أنه الشخص الوحيد الذي تعاطف مع كيت فتاة الليل متعثرة الحال في مقابل حضن فقط.

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة أهم الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الرابعة عشر من بانوراما الفيلم الأوروبي"