تتخذ الأفلام الوثائقية وضعًا أكبر وأضخم في السينما العالمية اليوم، لا  توثق فقط حدثًا تاريخيًا أو جريمة أو قصة عن أسرار عائلة مشهورة، الآن يمكنك تحويل أي قصة لوثائقي، يمكنك إدخال العناصر التي ترغب، يمكنك جعله مرعبًا أو غامضًا أو كوميديًا أو دراميًا أو موسيقيًا، يمكنك أن تقدم شيئًا تاريخيًا أو تستعرض تاريخ علامة تجارية في العصر الحديث، يمكنك تحويله لعمل فني يستحق شراء تذكرة ومشاهدته في صالة السينما.

"الأخوة سباركس" Sparks Brothers فيلم وثائقي وسيرة ذاتية، موسيقي وكوميدي إنتاج عام 2021، إخراج إدغار رايت الذي أعلن عن بدء تصوير فيلم وثائقي في يونيو 2018 من إنتاج شركة أم أر سي، عن رون ميل ووراسيل ميل من فرقتي البوك والروك سباركس، اللي تعد جزءًا من تاريخ الموسيقى منذ السبعينيات وحتى 2020.

"الأخوة سباركس"

يقدم الفيلم حياة الأخوين، منذ نشأتهما في لوس أنجلوس في الستينيات من القرن الماضي، اتبعاهم نظامًا غذائيًا من الفشار والعصائر وموسيقى البوب حتى أضاءت عروض المواهب في المدرسة الابتدائية طريقهم في رحلة الموسيقى، نشأت فرق سباركس ورحلتها في إنتاج 25 ألبومًا موسيقيًا بمجموعة 300 أغنية وآلاف الحفلات الموسيقية، يقدم إدغار من خلال رؤيته خمسة عقود من الموسيقى عبر الرسوم المتحركة والمقابلات، يحفر بعمق في أرشيف الفرقة التي شكلت جزءًا من تاريخ أمريكي الموسيقي. 

يتضمن الفيلم مقابلات مطولة مع رون ووراسيل ميل، إلى جانب مقالات قصيرة مع موسيقيين مثل نيو أوردر، فينس كلارك وأندي بيل أوف إيراشور، ثورستون مور من سونيك يوث. 

كما هناك العديد من المقابلات مع أعضاء سابقين في الفرقة ومنتجي التسجيلات الذين تعاونوا معها مثل تود روندجرين وجورجيو موردور، والعديد أيضًا من معجبي الفرقة منذ السبعينيات، والصحفي الموسيقي بول مورلي.

كذلك قدم الوثائقي الرسوم المتحركة القصيرة لقص حكايات ملفقة وحقيقية حدثت بينهم وبين الموسيقيين الآخرين.

كيف يمكنك صناعة وثائقي عن الموسيقي لأكثر من ساعتين؟

بدأ الوثائقي بافتتاحية حيوية على خلفية موسيقية للأخوين، مقاطع مختلفة من الرسوم المتحركة وتعليقات الأخوين وتعليق صوتي يخبرنا الأسئلة التي سيعرض الفيلم إجاباتها، اعتمادات افتتاحية مشهورون بتقديمها، نتعرف على رون ورسل خلال بعض الصورة العائلية الطفولية ومدى تأثير والدهما على عملهما.

العيب الأساسي في هذا الفيلم هو أنه فاقد للتنظيم، لا يوجد فصول أو أجزاء، ولا حتى مقاطع يمكنك تحديدها، الكثير من القطع التي تصنع قصة ولكنها موضوعة دون ترتيب، وفي فيلم وثائقي طويل مدته ساعتان وعشرون دقيقة عليك أن تكون منظمًا، عليك أن تجعل المشاهدين في نفس الخط معك كي تحافظ عليهم مستمتعين. 

إذا قسمت الفيلم لثلاثة أجزاء حسب الوقت، فالنصف ساعة الأولى كانت مثيرة للاهتمام ويمكنك متابعتها، أما الأربعون دقيقة التالية مبعثرة، أجزاء من المقالات ومقاطع من الحفلات مع التعليق الصوتي والرسوم المتحركة يصعب متابعتها وربطها، الكثير من القطع التي عجزت عن وضعها مع بعضها، أما الجزء الثالث إلى نهاية الفيلم هو موسيقى سباركس والمزيد من موسيقى سباركس بين مشاهد هزلية يتلو الفريق فيها حقائق مزيفة عن أنفسهم بشكل هزلي متناقض مع هويتهم التي قدمها الفيلم في البداية. 

يسير الفيلم بخطي سريعة للغاية، يحاول جاهدًا إثارة حماسك في كل دقيقة، لكن في غالبية الوقت يفقد المشاهد لأنه يعجز عن استيعاب تلك القطع وربطها معًا. 

كان يملك هذا الكثير ليقدمه عن أعظم فرقة بريطانية خرجت من أمريكا كما يشيرون لأنفسهم، لكنه جر نفسه بلا هدف طوال الساعتين، أحيانًا يبدو الفيلم كنكتة وأحيانًا كقصة عن هوية الأخوين سباركس المضحكين الموهوبين، وأحيانًا عن مقاطع الأغاني والحفلات، وكل هذا بلا تنظيم مع مسار سريع للغاية يجعل من الصعوبة استيعاب أي شيء.

اختار المخرج أن يتم تصوير المقابلات بالأبيض والأسود بينما منح الفيلم لون العروض المسرحية على الشاشة، بينما عرض مقاطع الحفلات والتسجيلات الزمنية بالألوان، وهذا المزيج مميز وجيد. 

موسيقى سباركس جيدة حيوية ومليئة بالفكاهة لكنها ليست مزحة أو نكتة، وهذا ما عجز الفيلم عن تقديمه، هي كوميدية لكنها ليست مزحة، وطوال الوثائقي يعرضها كمزحة هزلية.

"الأخوة سباركس".. خمسون عامًا من الثقافة الموسيقية!

بدءًا من أغنية "Kimono my house" وحتى الألبوم الجديد "A steady Drip, Drip, Drip" يعرض إدغار المسار الموسيقي بينهما، خمسون عامًا قد تشكل حياة أحدهم.

حياتهم ونشأة الفرقة وتجاربهم مع البوب والبانك والمسرح والأسلوب الكوميدي، هناك قصة مطولة للمغني وهو يضرب رأسه بالمطرقة فوق خشبة المسرحة مصحوبة برسوم متحركة، ولم أفهم لماذا أخذت كل ذلك الوقت؟ وماذا تعني؟ أهذا شيء كوميدي أو مضحك؟!

وعلى الرغم من تساقط الفيلم في غالبية أجزائه لكنه يصر على تقديم سباركس على أنها عبقرية ولم تحصل على الشهرة التي تستحقها، وكيف شكلا وآثرا على الثقافة الموسيقية لأكثر من جيل، لكن في المقابلات مع المعجبين والموسيقيين الأخرين يقولون بشكل واضح "أنا أحبهم؛ وهم غير معرفين جدًا" ثم يتحدثون عن شارب هتلر وما يفعله أحد الأخوين في شكله ليصبح محور الحديث! 

كمشاهد لا يعرف الأخوة سباركس يشاهد فيلم وثائقي سوف يشعر بالكثير من بالتخبط، هل هما مشهوران جدًا أم لم يحصلا على الشهرة الكافية؟ هل أثرت على الموسيقى أم هي فقط فرقة موسيقية؟

لمَن هذا الوثائقي الموسيقي؟ 

ببساطة هذا الفيلم مصنوع لأجل محبي سباركس، ربما سيفهمون ويحبون طريقته وقد يرغبون بالمزيد، سيستمتعون ولن يشعرون بمرور الساعتين وعشرين دقيقة.

أما بالنسبة لأولئك الذين ليسوا معجبين بالفرقة الموسيقية وغير مألوفة لهم فهذا الفيلم لن يشجعهم على معرفتها أو الاستماع إلى أغانيها، لأنهم في الغالب سيتوقفون عن مشاهدته بعد ثلاثين دقيقة على الأكثر، لأنهم لن يكونوا مهتمين ولن ينجح الفيلم في إثارة اهتمام مشاهد غير معجب بالفرقة. 

هذا الفيلم سينجح للغاية مع معجبي الأخوة سباركس لأنهم سيشاهدون الفرقة التي يحبونها بدلًا من الفيلم الفعلي، أمام المشاهدون سيرون فوضى عارمة، لا سردًا متماسكًا ولا نهاية واضحة، وتشابه كبير في المقابلات المعروضة وثلاث دقائق من الرسوم المتحركة التي تكتشف في النهاية أنها لا تنتاسب مع الوثائقي، ووقت طويل جدًا لمشاهدة شيء غير مثير للاهتمام.

اقرأ أيضًا: بين السيكولوجيا والدراما.. كيف قدم فيلم “محتال تيندر” جريمة احتيال عاطفي متكاملة الأركان؟