انتشرت قصة "محتال تيندر" لأول مرة عام 2019 عن طريق مقالة الجريدة النرويجية الأشهر "في جي"، وقد أخذت مجالًا هائلًا من الانتشار حتى أن جرائد عالمية مثل "ذا دايلي ميل" أيضًا قامت بنشرها، حينها رغبت المخرجة "فيليسيتي موريس" في عمل فيلم وثائقي عنها يحمل نفس الاسم.

وقد قُبل الفيلم البريطاني الذي أنتجته شركة "نتفليكس" وتم إصداره يوم 2 فبراير/شباط للعام الجاري بنفس الحفاوة، حيث أصبح سريعًا حديث الناس حول العالم وأول فيلم وثائقي يقود مخطط الأفلام الأسبوعي لنتفليكس، وأصبح "شمعون هايت"/ "محتال تيدر" مصدرًا لكل من "الاشمئزاز" و"الانبهار" معًا.

قصة حقيقية بملامح فيلم درامي

يدور فيلم "محتال تيندر" عن القصة الحقيقية للإسرائيلي "شمعون هايت" الذي احتال على عدد كبير من الفتيات عن طريق تطبيق المواعدة المعروف، تيندر، واستطاع جني حوالي 10 ملايين دولار من وراء عمليات الاحتيال تلك، ويقوم "شمعون" بتغيير هويّته كل فترة وممارسة جرائمه في مختلف دول أوروبا مبتعدًا تمامًا عن موطنه الأصلي. وبداية ظهور القصة للعلن كانت عن طريق الفتاة النرويجية "سيسيلي"، التي استطاع شمعون أن يسرق منها حوالي أكثر من مئة ألف دولار، عندما ذهبت إلى جريدة "في جي" لكي تحكي قصتها لتستطيع أن تجعل الجميع يعرف عنه، آملةً أن تستجيب الشرطة حينها وتقبض عليه.. وهناك انضمت لها "بيرنيلا" و"آيلين" اللتان قد وقعتا أيضًا ضحايا لاحتيال "شمعون".

وكانت المخرجة "فيليسيتي موريس" ومنتجة الفيلم "بيرني هايجنس" إحدى الملايين الذين قرأوا عن القصة فور ظهورها في الجرائد ورأوا فيها مادة ممتازة لفيلم متكامل وثائقيًا، لكن به كل ما يميز الفيلم الدرامي، فهو يحمل بداخله كل المشاعر من رومانسية لإثارة لمطاردة ورعب، وقرروا على الفور أن يخلقوا ذلك الفيلم.

وكما أخبرت كلتا من "فيليسيتي" و"بيرني" برنامج "ذا أب كامينج"، فإن عملية التحضير للفيلم بدأت بمقابلة "سيسيلي" و"بيرنيلا"، والخوض معهم في كافة تفاصيل قصتهم مرة أخرى، مما استغرقهم عدة أشهر من التحضيرات وعمليات البحث قبل البدء في التصوير.

وقد اختارت "فليستيتي" للفيلم، وهو أول عمل إخراجي لها بعد عدة تجارب كمنتجة لأفلام وثائقية أخرى، أن يبدأ من حيث بدأت كل قصة لكل فتاة مع "شمعون"، أن تذهب في رحلة معهم خلال كل مرحلة في علاقتهم به، أن تدع تلك الرومانسية التي حاوطت العلاقة في بدايتها أن تأخذ وقتها على الشاشة كما الحقيقة، ثم تنتقل منها إلى لحظات الريبة والشك وتترك لها المجال أيضًا، حتى تصل إلى منح الفتيات فرصتهن للتعبير عن غضبهن واستيائهن مما حدث لهن، وأن تدع تلك اللعبة التي مارسها عليهن تتكشف بروية أمام المشاهد مما يمنح الفيلم عناصر الحماسة والإثارة وترقب المجهول، وهي العناصر المعروفة بجذب أكبر عدد من المشاهدين، كما يجعلهم يشعروا كما لو كانوا محل إحدى تلك الفتيات وهو الأمر الذي يزيد من مصداقية القصة لدى من يشاهدها.

لكن، تلك الجريمة التي ارتكبها "شمعون" على العديد من الفتيات ليست مجرد جريمة احتيال "مادي" لأن التكتيك الذي اتبعه لتنفيذ خطته، واستراتيجيته في التعامل معهن هي علامات واضحة على كونه شخصًا "سيكوباتيًا/ مختلًا عقليًا" مما يجعل تلك الجريمة هي جريمة "احتيال عاطفي ونفسي" في المقام الأول.

كيف كان شمعون "سيكوباتيًا" وليس مجرد مجرم عادي؟

لا يخفى على أي أحد ممن قرأ القصة أو شاهد الفيلم أننا أمام شخص مختل عقليًا، لأن حصر شمعون، أو سيمون لفيف -كما ادعى أن يكون، مع المجرمين- هو أمر خاطئ تمامًا، حيث أن الأشخاص المختلين عقليًا، أو السيكوباتيين حسب ما يطلقه الناس عليهم، يميلون إلى امتلاك معدل ذكاء أعلى ويكونون أكثر وعيًا وأقل اندفاعًا وإهمالًا وانعدامًا للمسؤولية من أولئك الذين يمتلكون سجلًا إجراميًا.. وكل تلك الصفات نستطيع تمييزها بكل وضوح في تصرفاته.

وبالإضافة إلى تلك الصفات، فإن الطريقة التي اتبعها ليصل إلى أموال تلك الفتيات تفضح كونه ليس فقط سيكوباتيًا عاديًا، بل شديد الذكاء كذلك.

الخداع عمدًا والاهتمام المبالغ فيه

حسب مقالة "كيف تحمي نفسك من محتال تيندر خاصتك" لبروفيسور "شومان"، فإنه من الصعب ملاحظة تصرفات الشخص السيكوباتي، وذلك لأنهم يجيدون خداع الناس وتحديد أهدافهم ممن يريدون استغلالهم بشكل جيد. فإن شمعون يتمتع بشخصية كاريزمية ونجح في استدراج ضحاياه من خلال خلق تلك الحياة الوهمية على السوشال ميديا التي يميزها أسلوب حياة فخم وممتع ومن السهل من خلاله أن يجذب اهتمام وإعجاب العديد من الفتيات.. وعلى الفور، بعد إظهار أي فتاة أنها مهتمة به على موقع "تيندر" فإنه سريعًا يطلب منهن مقابلته، غير تارك مجالًا لهن للتفكير.

ثم ينتقل إلى الخطوة الثانية وهو إظهار كم هائل من الاهتمام بتلك الفتيات، فيأخذهن في رحلات طويلة، يرسل إليهن الورود ويهتم بمشاعرهن، مثلما تظاهر بترك أعماله والسفر إلى النرويج فقط ليبهر "سيسيلي"، فإنه يواصل إغراقهن بكل تلك المشاعر واللمحات الرومانسية واللحظات الحميمية حتى يتأكد أنهن قد وقعن في الحب تمامًا معه.

التلاعب النفسي والعقلي بالضحايا

عندما ينتهي شمعون من المرحلة الأولى لخطته، فإنه ينتقل إلى المرحلة الثانية سريعًا ودون تردد، وهي المرحلة الأطول والأكثر فعالية في مخططه.

حسب بروفيسور "شومان"، فإن الشخص السيكوباتي بارع للغاية في التلاعب النفسي بضحاياه واستغلال نقاط القوة والضعف النفسية لديهم كما يتلاعب بصحتهم العقلية وينتهي بهم الأمر فاقدين للثقة في شكوكهم التي دائمًا ما تكون في محلها، ويثقون به هو بدلًا عنها.

وكما تصفها الدكتورة "ألينا ليو" على موقع "سيكولوجي توداي"، فإن طريقة شمعون "بسيطة للغاية"، فبمجرد أن يتم بناء الثقة بينهم، فإنه يتلاعب بالمشاعر الحادة للحب والخوف في ضحاياه، ويستغل ضعف العقل في دمج المعلومات الجديدة عند تعرضه لمواقف متصاعدة على الصعيد العاطفي.

فإن شمعون يستغل حب الفتاة له في خلق صورة سعيدة لعائلة صغيرة لهم في عقلها، فيظل يردد كيف أن تلك الفتاة هي "زوجته المستقبلية" أو يخبرهن أن يذهبن لاختيار بيتهم الجديد، وهو الأمر الذي يكرره مع كل الفتيات، أو حتى يستغل مشاعر الصداقة بينه وبينهم، ثم يخلق منها بيئة صادقة تجعل الضحايا لا يترددن للحظة في مساعدته.

ثم يستغل مشاعر الخوف في خلق قصة وهمية عن أشرار ما يطاردوه، ويدعم تلك القصة بصور مفبكرة له ولحارسه الشخصي وهما متأثران بحروح حادة ناتجة عن خطر ما تعرضوا له. وما يكن للفتاة سوى أن تصدقه وتعيش داخل ذلك الإحساس المستمر من الرعب والقلق غير قادرة على استيعاب الأمور بشكل سليم أو حتى التفكير للحظة فيما يحدث حولها، فإنه ينجح في إدخالهن إلى عالم لا يوجد فيه سواه، ليستطيع بعدها التلاعب بهن كالعرائس دون أن يشككن فيه.

وهو ما يحدث لاحقًا حيث يبدأ في ابتزازهن عاطفيًا لكي يرسلوا إليه النقود التي يحتاجها، بطرق قد تختلف وقد تتشابه بين الضحايا، ويستمر في ممارسة ذلك الابتزاز مع وعود لا تنتهي بأنه سوف يعيد إليهن كل تلك الأموال وأكثر، ولا تتردد أي فتاة منهن في تصديقه.

القسوة، انتهاك الحقوق، وعدم الاهتمام بالآخرين

إذا كنت مهتمًا بمعرفة صفات الشخص السيكوباتي، وأحببت أن تجري بحثًا على مواقع الإنترنت، فإن الثلاث صفات تلك ستكون أول ما يظهر لك.

فإن الشخص المختل عقليًا ينطوي سلوكه على نقص شديد في التعاطف والاهتمام الحقيقيين بالآخرين، عكس ما يظهر لضحاياه، بالإضافة إلى قسوة غير مبررة عند السعي وراء شيء ما يريدونه، والاستعداد للانخراط في سلوك غير أخلاقي لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد واستغلال الآخرين وانتهاك حقوقهم أثناء القيام بذلك.

فإن شمعون لم يتردد في طلب المزيد والمزيد من المال من الفتيات حتى بعد أن يخبروه أنهن لم يعدن يمتلكن أي شيء، ولم يتردد في إكمال مخططه بعد معرفة الكم الهائل من الديون الذي أصبح على كاهل كل منهن ولم يندم وهو يعلم أنهن غير قادرات على تسديدهم.. كما أسرع بالتخلي عنهن فور علمه بأنه لم يعد بحاجة إليهن.

كما أنه أصبح في غاية القسوة عندما علم أن "سيسيلي" قد قامت بفضح أساليبه وتسريب صورته واسمه الحقيقي إلى الصحافة، أو عندما أخدت "إيلن" ملابسه بحجة بيعهم لترسل له نقوده بينما استغلتهم لتنتقم منه، وبدأ في إرسال التهديدات والتوعد لكل منهن في محاولات بائسة لإخافتهن.

وهكذا، مارس شمعون نفس الخطوات مع كل فتاة تعترض طريقه ويرى فيها ضحية جديدة مناسبة، ورغم كل تلك الدلائل التي تشير بوضوح إلى كونه جانيًا ومريضًا نفسيًا، إلا أن الفتيات لم يسلمن ممن ألقى اللوم عليهن، كما جاءت العديد من التعليقات تحت نفس الفكرة " كان يجب على النساء أن يعرفن أفضل من ذلك".. فمتى يصبح لوم الضحية شريكًا في الجريمة؟

لوم الضحية شريكًا في الجريمة.. مثله مثل الجاني

لوم الضحايا ليس شيئًا جديدًا أو خاصًا بتلك القصة، فإن جزءًا كبيرًا من الرأي العام حول أي جريمة يتجه بشكل كامل إلى لوم الضحايا تحت أي عذر يختلقوه ليتناسب معهم.

ولوم الضحايا هو تحيّز معرفي يسمى "تأثير الشخص الثالث"، وذلك المصطلح يطلق على النظرية التي تفسر كيف أن البشر يميلون عادة إلى رؤية الآخرين على أنهم أكثر سذاجة وقابلية للخداع مقارنة بأنفسهم، ويرجع ذلك بالطبع إلى حقيقة أن الإنسان يشعر بالراحة وتتعزز نفسيته عندما يشعر بمزيد من الاستقلال والتميز عن غيره، وهذا الشعور يغذي حالة خداع الذات لديه.

وفي قصة "محتال تيندر" لا يختلف الأمر كثيرًا، فكثير ممن استقبلوا القصة رأوا أن الفتيات كن ساذجات ويسعين وراء المال وفقط، وأنه بالطبع كان يمكنهم تجنب هذا الاحتيال لو كانوا أكثر ذكاءً.

لكن مع التعرض لكل ذلك التلاعب والارتباك والابتزاز، فإن تجنب ذلك الاحتيال لم يكن أمرًا سهلًا على الإطلاق.. وأي ممن يتبنون ذاك الرأي يتوهمون بقدرتهم على رؤية الفخ الذي تم نصبه للفتيات غير مدركين لحقيقة الأمر بشكل كامل.. أو للأذى الذي تتسبب فيه اتهاماتهم لهن.

وكان ذلك الأمر هو إحدى المشكلات التي تكلمت عنها "سيسيلي" في إحدى المقابلات التي ظهرت فيها، كيف أن لوم الضحايا وإلصاق العار بهن هو طرف في الجريمة الممُارسة عليهن.. فإن غض الطرف عن أفعال المجرم واللحاق بالضحايا لممارسة الفضيلة عليهن هو مساعدة للجاني في استمرار جرائمه، وأخذ الحق من الضحايا بالمطالبة بحقوقهن في محاكمة عادلة للجاني.

ولأسباب مختلفة، وبعد القبض على "شمعون" والحكم عليه لمدة خمسة عشر شهرًا، لم يقض منهم سوى خمسة أشهر وخرج مرة أخرى لممارسة حياته الطبيعية، لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك.. فإن أعماله لم تتأثر إطلاقًا بما حدث بل إن الشهرة التي اكتسبها من وراء الفيلم، والتي من المفترض أن تكون شهرة ذات سمعة سيئة، قد مكنته من إبرام صفقة لينضم إلى صناعة الترفيه في هوليوود مع مديرة المواهب، جينا رودريجز، لإنتاج برنامج المواعدة الخاص به، وهو الأمر الذي أثار الكثير من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنه ظهر منذ يومين في أول مقابلة له بعد الفيلم ونفى فيها كونه "محتال تيندر" وأكد على توضيح جانبه من القصة قريبًا، وهذا قد حدث بعدما انتشر خبر تحويل الفيلم الوثائقي إلى فيلم درامي من إنتاج نتفليكس أيضًا، والسؤال هو هل سيشارك "شمعون" فيه أم لا؟

اقرأ أيضًا: الفيلم الوثائقي “ملوك الاحتيال”.. قصة “سرقة القرن” التي خرجت من العدم