0

من الصعب على المخرج في بداياته أن يصنع بصمته الخاصة، تلك التي توحي للمُشاهد بمعرفة هوية المخرج، بمجرد إلقاء نظرة على مشهد، لكن مجرد أن الأمر صعب لا يعني أنه مستحيل. وجدنا المخرج الذي حقق التوازن بين الأمرين، فله نمط معين يتميز به في أعماله، وبلغ صيته إلى المتخصصين وغير المتخصصين في السينما، ورسخ في أذهانهم بتفرده. موضوع مقالتنا اليوم هو الأسلوب الاستثنائي للمخرج والكاتب ويس أندرسون.

الإلهام سر التميز 

وُلد ويسلي ويلز أندرسون في الأول من مايو\ أيار عام 1969، في هيوستن بولاية تكساس. كان والده، ميلفر أندرسون، يدير شركة إعلانات وعلاقات عامة، وعملت والدته، تكساس آن بوروز، في كل من العقارات والآثار. نشأ أندرسون مع شقيقيه إريك وميل، لكن والديهما انفصلا عندما كان أندرسون في الثامنة من عمره. أثناء محاولته التعامل مع تفكك زواج والديه، أساء أندرسون التصرف في المدرسة.

بمرور الوقت، حوّل ويس طاقاته من الإيذاء إلى المساعي الفنية. فأخرج الشاب أندرسون أفلامًا من بطولة نفسه وإخوته، وقام بتصويرها بكاميرا بدائية Super 8mm، ولجأ إلى القراءة بشغف، معززا شغفه بالروايات من مجرد التلقي، إلى قص الحكايات بنفسه وتطويرها. التحق أندرسون بمدرسة سانت جون في هيوستن، حيث اشتهر بإنتاجاته المسرحية الكبيرة والمعقدة.

صرح  ويس أندرسون في إحدى المقابلات، أنه لا يستطيع حصر من أين جاءه أسلوبه الغريب والخاص في نفس الوقت، لأنه تأثر بالعديد من صناع الأفلام المختلفين وأشياء أخرى أيضًا، لكنه استطاع تحديد عدد من الأشخاص الذين يفكر بهم كثيرًا، عندما يتعلق الأمر بإعداد مشهد أو التفكير في كيفية تصوير مشهد، مثلا المخرج الفرنسي-البولندي رومان بولانسكي، والمخرجين الأمريكيين جون هيوستن، وستيفن سبيلبرغ، وللأخير طريقة رائعة في تقديم الممثلين فيما يتعلق بالكاميرا، وبالأخص فيلمه Munich على سبيل الذكر لا الحصر.

اقرأ أيضًا: مدارس فلسفية شكّلت عوالم سينمائية خاصة بها

تقنيات فريدة من نوعها

“عادة عندما أصنع فيلمًا، تجول في خاطري أولاً العناصر المرئية، وكيف يمكننا تنظيم المشاهد لإضفاء المزيد من الحيوية عليها بالطريقة الأكثر تشويقًا، ومن ثم كيف يمكننا صنع عالم كامل للقصة لم يدخله الجمهور من قبل.”

هكذا أجاب ويس أندرسون في مقابلته مع مجلة Collider عند سؤاله عن أسلوبه الخاص، لكن وجدنا أن له تقنيات أكثر تحديدًا، نستعرضها في السطور التالية:

1- الحركة البطيئة- Slow Motion

يتمتع ويس أندرسون بالقدرة السحرية على استخلاص أهمية اللحظة السينمائية، من خلال إبطاء الوقت، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا في الوسط السردي للفيلم. على عكس لقطة التتبع التقليدية، التي تُستخدم لالتقاط الحركة السريعة للشخصيات، في عمليات التقطيع بالحركة البطيئة لأندرسون، تتحرك الكاميرا أو بالأحرى تزحف على طول لإضفاء الذاتية على الشخصيات، بينما يتراجع مفهوم الوقت ببطء في الخلفية. تمثل حركات الكاميرا هذه الطبيعة الجذابة للعالم السينمائي لويس أندرسون.

2- التماثل- Symmetry

أمثلة على التماثل في أفلام المخرج ويس أندرسون.

يتعلم المخرجون في معاهد السينما تجنب التماثل-Symmetry في المشاهد، أو على الأقل التنويع بين التماثل، وعدم التماثل، حتى لا يبدو المشهد كأنُه مُعد بـ”المسطرة”، وبالتالي يفقد اللمسة الطبيعية، ولا ينغمس المشاهد فيما يراه. بالإضافة إلى أن اللقطة ذات الإطار غير المتماثل تتميز بديناميكية بصرية تجذب المشاهد أكثر.

لكن بالطبع كما يقولون: “خُلقت القواعد لكي تُكسر”. هذا بالضبط ما فعله ويس أندرسون، الذي اعتمد على التماثل بشكل فعال وجذاب، في كل أعماله الفنية، وفي كل المشاهد واللقطات التي قد تخطر على بالك، مع الحفاظ على التنوع والإثارة المطلوبة. أصبح التماثل أحد أفضل السمات التي أتقنها المخرج، وطورها بحيث أصبحت علامة فورية لأسلوبه البصري الغريب.

اقرأ أيضًا: مشاهد سينمائية بالغة الدقة وغنية بالتفاصيل صورت كلقطة واحدة طويلة Long Take

3- لوحات الألوان المستخدمة

تتميز العوالم الخيالية التي يستحضرها ويس أندرسون في أفلامه، باستخدام ألوان الباستيل الخاصة جدًا، التي ترسم السماء، وتغمر المباني، وتلبس الشخصيات، مما يجعل عوالم أندرسون المصغرة تشبه الحلم تقريبًا. أصبحت هذه الألوان ذات دور مهم، له دلالة مماثلة باعتبارها إحدى شخصيات الفيلم. ولم نجد مثالًا أفضل من أحد أكثر الأفلام التي تطمس الخط الفاصل بين الخيال والواقع، وأكثر أفلامه الملونة، فيلم  The Grand Budapest Hotel.

تدور أحداث فيلم Grand Budapest Hotel في 4 فترات زمنية مختلفة، لكل منها أبعاد معينة ولوحة ألوان خاصة:

مسيو جوستاف وصبي اللوبي في الفترة الزمنية الأولى من فيلم The Grand Budapest Hotel.

الفترة الزمنية الأولى والرئيسية تدور في عام 1932، تصور حياة مسيو جوستاف، بواب فندق Grand Budapest الشهير، وعلاقته بصبي اللوبي الصغير زيرو. لا تبدو لوحة الألوان في هذه الفترة ساطعة للغاية، بسبب طبيعة الحرب في ذلك الوقت، إلا أن مشاهد الفندق تتميز بألوان نابضة بالحياة، من الأحمر والأرجواني والوردي والأبيض والبرتقالي والأصفر والبني، مما يمنحها إحساسًا خياليًا بالجمال والراحة، على الرغم من التحديات التي يواجهونها خارجها، كما لو أن الفندق يمثل تمويها لإخفاء قسوة الحرب بالنسبة للأثرياء على الأقل.

تصور الفترة الزمنية الثانية حياة الكهل زيرو مصطفى، بعد وفاة مسيو جوستاف أثناء زيارته للفندق الذي فقد بريقه، وهناك يقابل كاتب –سيؤلف لاحقًا كتاب عن الفندق- يقص عليه حكايته مع جوستاف وتاريخ هذا الفندق. يتضمن هذا الجزء من الفيلم درجات ألوان غير لامعة وداكنة للغاية، وتعرض المشاهد الخارجية لون أخضر منخفض التشبع والديكورات الداخلية باللون البرتقالي غير اللامع، وهي لوحة ألوان تُظهر الدفء ولكنها تظهر أيضًا اللامبالاة بشأن الفندق.

الفترة الزمنية الثالثة تدور أحداثها عام 1985، وتتمحور حول شخصية الكاتب، وهو الآن أكبر سنًا، ويتحدث عن القصص الحقيقية وراء كتابه عن الفندق، في لوحة ألوان تترواح بين اللون البني والبرتقالي. أما الفترة الرابعة فتصور الحال عند مقبرة المؤلف، حيث يتم تجفيف الألوان لتصوير عالم بارد، لكن هناك أمل في فتاة شابة مهتمة بالتعرف على الأيام المجيدة لفندق بودابست الكبير من خلال الكتاب.

تتحدث ألوان فندق جراند بودابست إلينا عن فندق خيالي، يقع في قلب وقت مظلم عندما أزالت الحرب الألوان السعيدة من حياة الناس وأخذت أكثر الأشياء المحبوبة لديهم. لذا فإن لوح ألوان أندرسون يساعده على سرد أكبر من قصص الحياة التي تثير اهتمامنا بالخيال ولكنها تحمل رسالة حقيقية في أعماقها.

4- الأزياء

تمثل الأزياء أيضًا سمة مميزة في أعمال ويس أندرسون، خاصة أنها تبدو كأزياء موحدة مرتبطة بالشخصيات، منذ الطفولة أحيانًا، للتأكيد على جوانب معينة من شخصيتهم. وبالفعل قد يبدو المظهر الذي نراه على الشاشة مبالغًا فيه -تمامًا مثل الشخصيات- لكنه يتوافق مع خيال المخرج، ويضفي على الشخصيات تفردا، من الصعب أن تتقبله في أعمال أخرى لمخرج آخر.

اقرأ أيضًا: أفلام أنيقة اهتمت بعالمي الموضة والجمال

سترات السيد فوكس مزدوجة الصدر

سترة السيد فوكس بفيلم Fantastic Mr Fox.

يرتدي السيد فوكس بفيلم Fantastic Mr Fox، حيث يعمل صحفيًا، بدلة أنيقة مكونة من سترة مزدوجة الصدر وسروال قصير، يُذكرنا لونها بظلال الأرض والطبيعة الدافئة (البني والبرتقالي والأصفر)، حيث تقع منازله ومنازل أصدقائه. وتبرز الأناقة المهنية التي يتبعها السيد فوكس ثقة بالنفس يُحسد عليها، وتفيده في مجال عمله.

الملابس الرياضية لريتشي وشاز

كان للأزياء والاكسسوارات بفيلم The Royal Tenenbaums دور كبير، حيث كرس الفيلم بشكل خاص ملابس ثابتة للشخصيات مرتبطة بها منذ الطفولة، وتحمل دلالة أكثر من مجرد كونها أردية للراحة. فمثلا توجد البدلات الرياضية لشخصيات الرجال، حيثُ يرتدي تشاس بذلة حمراء من Adidas مفروضة حتى على أبنائه، بينما لا يستطيع ريتشي، بطل التنس السابق، فصل نفسه عن عصابة الرأس. لكن في النهاية عندما يحين وقت مواجهة كل منهما للحاضر، والقرار بالتخلي أخيرًا عن آلام الماضي، وهنا يغير تشاز لون البذلة، ويخلع ريتشي عصابة رأسه.

آخر أعماله The French Dispatch

بوستر فيلم The french dispatch.

صرح ويس أندرسون في مقابلة أن الفيلم يدور حول:

“صحفي أمريكي مقيم في فرنسا ينشئ مجلة. فالفيلم هنا يمثل صورة لهذا الرجل الصحفي، الذي يكافح لكتابة ما يريد كتابته. إنه ليس فيلمًا عن حرية الصحافة، ولكن عندما تتحدث عن المراسلين فإنك تتحدث أيضًا عما يحدث في العالم الحقيقي”.

استوحى ويس أندرسون فكرة الفيلم نتيجة اهتمامه الشديد بمجلة The New Yorker. ووصف الفيلم بأنه:

“رسالة حب إلى الصحفيين تم وضعها في بؤرة أمامية لإحدى الصحف الأمريكية في مدينة فرنسية خيالية من القرن العشرين وتبعث إلى الحياة مجموعة من القصص المنشورة في مجلة ديسباتش الفرنسية.”

يلعب بيل موراي دور آرثر هاوتزر جونيور -شخصيته مستوحاة من هارولد روس مؤسس مجلة The New Yorker- رئيس تحرير صحيفة The French Dispatch والذي يتوفى إثر أزمة قلبية. ووفقًا ما ذكره في وصيته، يتم تعليق نشر الصحيفة فورًا بعد إصدار نسخة أخيرة، يتم فيها إعادة نشر ثلاث مقالات من الطبعات السابقة، إلى جانب النعي الخاص به.

لاقى الفيلم إشادة كبيرة حتى الآن من قبل النقاد والمشاهدين، خاصة أنه نال تصفيقا دام لمدة 9 دقائق، عقب عرضه بمهرجان كان السينمائي، وجعل ذلك كل محب لهذا المخرج المُختلف يتشوق أكثر لمشاهدة الفيلم -ونحن معه- نتوقع أنه سيكون غريبًا وجميلًا كالمعتاد. 

قرأ أيضًا: كيف تبدو المعركة بين الإعلام والشركات التقنية الكبرى؟

0

شاركنا رأيك حول "قبل مشاهدة فيلم The French Dispatch.. مدخلك إلى غرائبية ويس أندرسون"