تساؤلٌ بسيط .. لماذا نحبُّ المجرمين والمُختلّين عقلياً في الأفلام؟

1

مقال بواسطة محمد عصام

هل تسائلت يوماً لماذا تُحبّ شخصية مُختلّة ومريضة في فيلم أو مسلسل على الرغم من كرهك لهذا النوع من الشخصيات في الحياة الحقيقة؟ ما هو سرُّ حبُّنا لشخصيات مثل هانيبال ليكتر أو الجوكر؟

هل نحن ساديون لتلك الدرجة؟ أم إننا ضحايا إبداع بعض العباقرة؟

أين المنطق إذا كنا نُحبُّ المُختلّين وآكلي لحوم البشر والمجرمين فقط إن كانوا وراء شاشة السينما أو التلفاز!

رغم كرهنا للفعل في الأساس والإيمان بكونهم مُجرمين وإنها جرائم بشعة وفيهم من نرى أنه يستحق الموت شنقاً وإطلاق النار على جثته وإحراقها في آخر المطاف .. تتحسّن صورتهم فقط ونُحبّهم ونرتبط بهم ونَكْره من يطاردهم فقط إذا كانوا خلف الشاشات؟!

أم نحن نفعل ذلك فقط اتجاه من يريد القائمون على العمل “المسلسل أو الفيلم” منا أن نُحبّه ونرتبط به وليس هناك أي مشكلة فينا؟

الموضوع من الجانب السينيمائي هو بإختصار نِتاج إبداع أشخاص قاموا بِعملهم على أكمل وجه، يقوم المخرج بعمله على أكمل وجه، يقوم الكاتب بنفس الأمر، ويفعل الممثل القائم بالدور نفس الشيء.

يَظنّ الكثير أن الممثل هو الحلقة الأولى والوحيدة في سبب تقبّلنا لأي شخصية (كانت شريرة أم لم تكُن) إلا أنه إذا فشل أيٌ من هؤلاء الثلاثة السابق ذِكرهم في أداء دورهِ لن يَتقبَل المشاهد الشخصية المُقدمة له، فمهما أجاد الممثل وقام بما لم يقم به ممثل من قبله أو من بعده لن تشعر بالارتياح له ولن تتقبله.

HANNIBAL -- Season: 1 -- Pictured: Mads Mikkelsen as Dr. Hannibal Lecter -- Photo Credit: © Robert Trachtenberg/NBC.

على سبيل المثال، المسلسل الذي أثار فضولي حول ذلك الموضوع، مُسلسل Hannibal، مَن شاهد هذا المسلسل يُحبُّ بالتأكيد شخصية “هانيبال ليكتر” والذي قام بدوره المُمثل مادس ميكلسن.

قام بإخراج المسلسل عِدة مخرجين وقام بكتابته عدة كُتّاب، فكان لكل حلقة مخرج وكاتب مختلف عن سابقه تقريباً إلا أن جميعهم قاموا بالأمرِ على أكملِ وجه، أجادوا جميعهم العمل فخرج المسلسل بالشكل الممتاز الذي هو عليه الآن.

ليس لأني أعترف بأهمية الكُتّابِ والمخرجين الكبيرة فأكون لا أعترف بأن الممثل هو الحلقة الأقوى في ذلك الموضوع فالممثل )مادس ميكلسن) أجاد الدور بشكل رائع، فبدونه لكانت كل حلقة بمستوى مختلف ولكانت هناك حلقات سيئة.

إلا أنه قد أدّى دوراً رائعاً أقنعك بما كُتبَ بشكل جيد وجعلك تُحبُّ ذلك الطبيب النفسي الهادئ الوَسيم نسبياً والذكي، مخيف في بعض الأحيان بنظرَّاتهِ الهادئه وابتسامته التي تبعث بالمكر، لكني اثني على العبقري الذي ابتكر هذه شخصية في ذلك الشكل وجعله طبيباً في الأصل.

فكرّوا معي في السيناريوهات التي كان من الممكن لها أن تحدث وتجعل من ذلك المسلسل الممتد لثلاث مواسم حتى الآن مسلسل كارثي ومن الأسوأ في التاريخ وتجعل من تلك الشخصية آكلة لحوم البشر، شخصية أحببتها وأنت لا تدري السبب، اكثر الشخصيات التي تكرهها وتتمنى أن تكون حقيقية حتى تتمكن من قتلها بنفسك.

Mads-Mikkelsen-as-Dr-Hannibal-Lecter-hannibal-tv-series-34286171-2742-2100

مثلاً: كان من الممكن أن يكون “هانيبال ليكتر” هو مُجرّد معتوه يقتحم البيوت في ظلام الليل، يقتحم بيتاً ويُطلق على الزوجين الهانئين بالنومِ الرصاصَ فيقتلهما فَيرى طفلهما الصغير ويهرب فيترك “هانيبال” نقل الجُثتين لطهييهما وأكلهما ويجري خلف الطفل في محاولةٍ للإمساكِ به.

ستظل المطاردة طوال المسلسل وفي خطٍ موازٍ تبحث الشرطة عن الطفل الذي هرب لاستجوابه لمعرفة قاتل والديه، سيناريو فاشل أليس كذلك؟ كان ليجعلك تُبدي مشاعرك التي كُنت لتبديها لذلك النُوع من المرضىَ آكلي لحومِ البشر في الحياة الحقيقة لتلك الشخصية ولكنت كرهت المسلسل.

فبإختصار عزيزي القارئ الذي تساءلت ولو لمرة في حياتك لماذا تحبُّ هؤلاء الملاعين آكلي لحوم البشر في المسلسلات وتكرههم وتشمئزُ منهم في الحياة الحقيقية؟

فتلك كلها عوامل تجعلك تحب شخصيات أمثال “هانبيال ليكتر”.

عندما قُلت في البداية أنك كُنتَ ضحية لبعض العباقرة فقد قصدتها حرفياً لقد خدعو عقلك وجعلوك تُحبّ من تكره فقط لأنه وراء شاشة بمجرّد أن تراه خارج تلك الشاشة ستريد أن تنهال عليه بالضرب إلى أن تقتلهُ.

لا أقصد الممثل طبعاً فالممثل دوماً ما يترك لنفسهُ إنطباع جميل عند المشاهد عندما يُجيد في الدور ويخدع المشاهد تماما فيجعله يتنازل عن مبدأه لمجرد أنه داخل شاشة كما في مثالنا إنك الآن على الأرجح إن شاهدت المسلسل سوفَ تُحبُّ (مادس ميكلسن) حتى خارج الشاشة لأن عقلك يدرك أن هذا تمثيل وأن شخصية ” هانيبال ليكتر” هي شخصية تنتهي بمُجرد إنتهاء الحلقه.

mads_mikkelsen_thor2

إنما “مادس” هو مجرد شخص طبيعي – إلا إذا كان هناك شيء لا نعلمه عنه بخصوص تعلّقه بشخصية هانيبال اكثر مما يجب بالطبع – لكن بعد إنتهاء الحلقه إذا وجدت أحد آكلي لحومِ البشر مُقيّداً مثلاً فإنك سوف تشمئز منهُ وقد تنهال عليهِ بالضرب.

ستخرج مشاعرك الحقيقية اتجاه ذلك النُوع من المرضى، لكنك إذا قابلت “هانيبال ليكتر” في نفس الشارع الذي وجدت فيه المثال السابق هل كنت لتقوم بالمثل معه؟ ما الفرق اذاً بينهُ وبين “هانيبال ليكتر” فالأثنين مِن آكلي لحوم البشر أليس كذلك، ألا ترى في ذلك عبقريَة وخداع مذهلين؟

الآن تُدرك فقط أن استمرار مُسلسل يتكلم عن طبيب يأكل لحوم البشر لثلاث مواسم – ومطالبة بالرابع من متابعي المسلسل بعدَ انتشار الأخبار عن استغناء القناة الناشرة للمسلسل عنه – ليس خطراً على المجتمع اطلاقاً كما يُروّج البعض

“إلا على من يعانون من مشاكل نفسية تمنعهم من القدرة على التفريق بين عالم الأفلام والعالم الحقيقي الذي نعيشُ بهِ”

بل إنه ينمُّ عن عبقرية واستمرار تقديم مستوى عالي وراقي من الثلاثي الذي سبق ذكرهم “المخرج والكاتب و الممثل”.

تلك هي عوامل حبّك لشخصيات مُختلّة لأبعد الحدود فقط لكونهم خلف شاشةٍ ما…

1

شاركنا رأيك حول "تساؤلٌ بسيط .. لماذا نحبُّ المجرمين والمُختلّين عقلياً في الأفلام؟"