هل تساءلت يومًا عن المتطلبات والشروط اللازمة للالتحاق بجامعة هارفارد؟ هل سرحت بخيالك الخصب عن تصنيفها ذي الخمس نجوم الذي يسبق سمعتها الرنّانة، أو ربّما جذبتك برامجها الدراسيّة المثيرة للإعجاب والخارجة عن المألوف. لست وحدك من يحلم بأن تطأ قدمه أسوار تلك الجامعة العريقة، لطالما تمّ تصوير جامعة هارفارد كبقعة مقدّسة لا يُمنح الحق بدخولها سوى لألمع العقول وأكثرها ذكاءً، ولا يزال العديد من شباب اليوم يرونها على غرار هذا النحو.

هل يتطلّب القبول في جامعة هارفارد معايير خارقة؟

من المعلوم أنّ جامعة هارفارد مؤسّسة تعليمية تنافسيّة لأقصى حدّ، ولكن نظرًا لكون عملية القبول تحت لوائها أصبحت أكثر وضوحًا عن السابق، فمن البديهيّ معرفة أنّ القدرة التنافسيّة للجامعة لا تعتمد فقط على قوّتك الأكاديميّة أو تحصيلك الدراسيّ العالي، بل تخضع أيضًا لمقدار التبرّع الذي قدّمه والداك أو أجدادك لخزينة الجامعة. هذه الآلية الديناميكيّة التي تسير بها معايير القبول لا يمكن التغاضي عن مدى سياستها العنصريّة، فما يقارب 70% من جميع خلفاء هارفارد يتبعون لذوي البشرة البيضاء، ووفقًا للدراسات وحصيلة البيانات التي تمّ جمعها مؤخّرًا، فإنّ فرص قبول طالب من ذوي البشرة البيضاء تزداد سبعة أضعاف إذا كان محظوظًا بعائلته التي تبرّعت بأموال طائلة لصالح جامعة هارفارد على مدار العقود الفائتة. في الوقت نفسه، يشكّل الطلبة الأمريكيون والأفارقة والآسيويون والأسبانيون أقلّ من 16% من مجموع الطلبة المتواجدين في حرم الجامعة.
من المفترض أن يتواجد أعظم العباقرة على هذا الكوكب ضمن صفوف خريجي تلك الجامعات المتقدمة، لكن ما نجده على أرض الواقع قاعاتٌ مليئة بأحفاد ذوي الامتياز الذين لن ينالوا تلك الفرص الذهبية هناك لولا واسطتهم وأموالهم.

فضائح بالجملة تخفيها أجندة التعليم المدفوع

من أشهر الفضائح المعلنة من بين مئات القضايا التي تمّ طيّها قيد التعتيم والكتمان، ما حدث من تجاوزات طالت معايير القبول في كليات النخبة في عام 2019. لقد مرّت ثلاث سنوات تقريبًا على حادثة الفشل الذريع أثناء محاولة العشرات من الآباء الأثرياء دفع تكاليف قبول أبنائهم ضمن جامعات مرموقة مثل جامعتي ستانفورد وييل الأمريكيتين. آلافٌ من الدولارات امتلأت بها جيوب مسؤولين فاسدين لإجراء اختبارات القبول لطلبةٍ غير مؤهلين للالتحاق بالجامعة لكن شفعت لهم أموال آبائهم. عندما يتعلّق الأمر بمكانة هارفارد المرموقة، فإنّ هذه الاكتشافات حول عملية القبول بالجامعة تحفر ثغراتٍ كبيرة في الشعار الذي ترفعه وتتغنّى به الكوادر الإدارية والتعليميّة بأنّ كلّ شخص هناك أثبت أنّه "يستحقّ" أن يكون جزءًا من هذه المؤسسة النخبويّة. فهل أصبحت جامعة هارفارد وجهة رئيسيةً للقادرين على التلاعب بنظام القبول بدلًا من امتلاك الجودة والإمكانيات الفعلية.

طلاب جامعة هارفارد ليسوا معيارًا للنخبة

ربما علينا إعادة النظر حول حقيقة فهمنا لمصطلح الذكاء الذي تمت برمجة عقولنا ونظرتنا عنه بشكلٍ خاطئ. إذا كان الذكاء هو القدرة على اكتساب المعرفة وتطبيقها، فنحن جميعًا بحكم التعريف سنكون أذكياءً. لقد تعلّمنا الكثير من المعلومات والمدخلات التعليمية طوال حياتنا، سواء أكانت من الكتب المدرسية، أو من عائلتنا، أو من الآخرين، أو حتّى من أخطائنا التي أضحكتنا تارةً وأبكتنا تارة أخرى. بكلّ بساطة لا يمكن قياس الذكاء بعملية حسابيّة أو بواسطة أرقام مسجلة. ربما يفوق الذكاء الحقيقي للمرء الهيكلية التي يقوم عليها النظام التعليمي الأكاديمي بنوعيه المدفوع والمجانيّ، فقد يكون الشخص الذي لم يرتاد الجامعة أبدًا هو الأنسب لاستثمار أو نجاح مشروع بشكل أفضل من خريجي الجامعات والكليات العليا. إذًا الحقيقة الأولى التي علينا إدراكها أنّ المقياس الحقيقي للعبقرية ليس مرهونًا بمقدار الأرقام التي يتم تحصيلها ولا بمصدر الشهادة الذي يفاخر به البعض، بل بما يحظى به المرء من تجارب وما يكتنزه من خبرات عمليّة تخدم مسار البشرية. إنّنا نتعلّم كلّ يوم من أحداث العالم من حولنا، ونطبّق هذه المعرفة بعددٍ لا يُحصى من الطرق المختلفة، وبمجرّد أنّ بعض الأشخاص لم يتخرّجوا بمعدل تراكمي معيّن من جامعة ذات تصنيف مميّز، لا يعطي الحقّ بإجبارهم وإلزامهم على وظائف منخفضة الأجر والجودة حيث يقتصر عملهم ودورهم هناك على اتّباع التعليمات فقط.

هل تصلح المقارنة بين نظم التعليم المأجور والمجاني؟

بالطبع لا يحتكر الذكاء ولا ينحصر الإبداع على خريجي جامعة هارفارد فقط، فهناك الكثير من الأشخاص الأذكياء اللامعين في الكليات الأخرى أيضًا.

من ناحيةٍ أخرى، فإنّ معظم الكليات الخاضعة لنظام تعليميّ مأجور أو مجانيّ تمتلك الكثير من العقول الباهتة واللامعة على حدّ السواء، ولا يمكننا التغافل عن الإيجابيات والسلبيات التي تعتريها. من المؤكّد وجود عدد كبير من الأشخاص الموهوبين هنا وهناك، ولدى الكثير منهم مواضيع وقضايا يهتمّون بتطويرها وتحسينها. لذا مهما كان نوع التعليم الذي حصلت أو ستحصل عليه، لن يتحدّد مستقبلك بناءً على مرتبة تحصيلك أو تكاليف دراستك. ما يحتاجه الطلبة اليوم هو امتلاك إيمانٍ راسخ بمرونة العالم من حولهم وقدرتهم على تطويع إمكانياتهم وذكائهم في تطوير أيّ مجال يدخلونه ووضع بصمتهم الخاصّة لخدمة البشرية.

في النهاية، لا يصحّ التعميم فليس كلّ خريجي جامعة هارفارد ينحدرون من عائلات ثرية، فهناك أعداد كبيرة من الطلبة تتبع لخلفيات اجتماعيّة متنوعة. لكن ما يثير التساؤل مع قليل من الاستياء هو متطلبات شركات وأسواق العمل التي تشترط حيازة المتقدمين على مسابقاتها شهادات أكاديميّة من جامعات عليا مع تجاهل مريب لمدى أهليّة واستحقاق الكثير من خريجي الجامعات الأخرى لتلك الفرص المهدورة يمينًا وشمالًا. في حال اقتصر تفكير الشركات في متطلباتها على ربط الذكاء والأهلية بتلك العائلات الثرية التي تصدّر خريجي جامعة هارفارد السائرين على خطى وأمجاد آبائهم، فلا عجب من تفشي الغباء والجهل بين الناس ولا نجاة من خطر الفشل والندم المرتقب في يومٍ ما.

اقرأ أيضًا: التعليم المجاني والتعليم المدفوع.. بين مطرقة العمومية وسندان الخصخصة والأوراق النقديّة