مجاعة مينيسوتا
0

تبدأ التجربة في نوفمبر 1944 عندما دخل 36 شابًا إلى مختبر يقع أسفل ملعب كرة قدم موجود بجامعة مينيسوتا بعد أن انتهى الباحثون من اختبار صحتهم البدنية والعقلية، من أجل تجويعهم فيما يعرف باسم تجربة مجاعة مينيسوتا.

التجربة التاريخية، والمعروفة اليوم باسم تجربة مجاعة مينيسوتا، صممها عالم الفسيولوجيا أنسيل كيز بدعم من الجيش الأمريكي وفي ذروة الحرب العالمية الثانية، كان كيز ينوي دراسة آثار المجاعة كي يساعد العاملين في إمدادات الإغاثة للسكان الجائعين في أوروبا وآسيا في ظلال الحرب، واليوم، وبعد 75 عامًا، تعلمنا دراسة كيز الكثير عن اضطرابات الأكل والحميات الغذائية.

 الرأسمالية: بعد أن حولت الشيوعية إلى أضحوكة وأصبحت قيمة العمل في جني المال!

لماذا احتاج كيز لإجراء تجربة مجاعة مينيسوتا

عاشت أمريكا فترة ازدهار طويلة فيما بعد الحرب، فبينما كانت دول المحور والحلفاء ترمم خسائرها وتعوضها، كانت الولايات المتحدة تجني المليارات التي دفعتها تلك الدول لها لأجل تزويدها بالسلاح والإمدادات، وكنتيجة للطبقية التي بدأ يعمل بها المجتمع الأمريكي، كانت نتيجة ما بعد الحرب هي ازدهار غذائي مذهل بجانب جوع شديد، وبينما نال الكثير من الأمريكيين فوائدًا من هذا الازدهار، لم يقترب منه الملايين الآخرين، وانتشرت عاصفة جديدة من انعدام الأمن الغذائي.

تجربة مجاعة مينيسوتا

كانت دراسة كيز بسيطة إلى حدٍ ما: كان تحكيم فترة الدراسة ذو مدة تصل إلى ثلاثة أشهر، ومن المفترض أن يُجرى خلالها إطعام الـ36 شخصًا حوالي 3200 سعرة حرارية في اليوم، كان يختلف هذا الرقم من رجلٍ لآخر بناءًا على تعليمات كيز (الذي درس وزن وطول وخصائص كل رجل)، طول التجربة لم يكن المشاركون قادرين على تناول أي طعام إلا الطعام الذي يقدمه كيز لهم، وكان فريق كيز يراقب كل وجبة يتم تقديمها بعناية، وكانت الوجبات تقليدية بعض الشيء: لحم بقر مشوي، لحم ضأن مقلي، سلطة الجزر والآيس كريم.

في الواقع فإن الحرمان الذي واجهه المشاركون في هذه الدراسة لا يقارن بشيء من المجاعات التي واجهها العالم بالخارج، فحينما كان المشاركون يتلقون 3200 سعرة يومية، كان الهولنديون لا يتخطى غذاؤهم اليومي 400 سعرة حرارية، في حصار لينينغراد كان المدنيون يأكلون حيواناتهم الأليفة، ثم اتجهوا إلى أغلفة الكتب ونشارة الخشب، وأخيرًا إلى أكل بعضهم البعض.

حصار لينينغراد: علماء اختاروا الموت جوعًا بالرغم من وجودهم داخل أكبر مخزن للطعام!

لم يحتج كيز إلى أن يقوم بجولات من الإقناع ليقنع هؤلاء المشاركين الذين كان معظمهم شبان في أوائل العشرين من العمر، كان المشاركون مسجلون بالفعل ضمن أحد برامج الخدمة العامة الأمريكية لدعم السلام دون المشاركة العسكرية (من خلال التطوع في إطفاء الحرائق في الغابات أو المساعدة في بعض العمليات، أو حتى المشاركة كفئران تجارب)، كان المشاركون في هذا برنامج تجربة مجاعة مينيسوتا مستعدين لتقديم أي شيء “لوطنهم” ما دام لم يكن القتال من أجله، كما يقول تود تاكر، مؤلف كتاب The Great Starvation، قام كيز باختيار المشاركين ليس فقط اعتمادًا على صحتهم البدنية والعقلية، بل كذلك اعتمادًا على سجلهم الأخلاقي ولطفهم، وشعورهم الكبير بالمسؤولية تجاه كل الإنسانية، ليبدأ هؤلاء الشبان رحلة طويلة من الجوع لأجل مساندة العالم.

فئران تجارب بشرية

وباعتبارهم فئران تجارب كيز، فقد عُوملوا هكذا تمامًا: قد أكلوا سويًا، وناموا معًا في سكن جماعي بأحد المختبرات الموجودة تحت الأرض، خضعوا لاختبارات التحمل والفحوصات البدنية ومقابلات الصحة العقلية، وقد طلب منهم كذلك إجراء بعض النشاطات اليومية لمعرفة تأثير المجاعة على تلك الوظائف، على سبيل المثال قطع ما لا يقل عن 22 ميل أسبوعيًا، والعمل بوظائف ذات دوام جزئي بالمدينة أو بالحرم الجامعي، وكل ذلك تحت المراقبة طبعًا.

كان المشاركون في التجربة سعيدين في البداية لمساعدتهم الكبيرة للإنسانية، ولكن ما إن مر أول أسبوع وانتقل الجوع من البطن إلى الدماغ، وتحولت السعادة والمرح إلى تذمر مستمر، كان المشاركون يسجلون باستمرار في مذكراتهم (والتي كانوا مجبرين على تسجيلها) عن تعبهم الشديد والشعور بالتعب والإرهاق المستمر.

وعلى موعد الوجبات، طور كل مشارك من بينهم طريقته الخاصة للأكل، كان بعضهم يلتهم الطعام بأسرع ما يمكن بينما كان الآخرين يلتهمونه ببطيء شديد، كانوا يقومون بتسخين طعامهم بالماء للشعور بشبع أفضل، كذلك كانوا ينظفون أطباقهم بنفسهم: بلعقها حتى اللمعان. رفض أحد المشاركين، وهو صموئيل ليج، المشاركة مع باقي المجموعة أثناء تناول الوجبات وقرر الانعزال وحده على طاولته، وكان يقوم بسحق كل محتويات الغذاء المقدم له: حساء السمك، الجبن، الخس والخبز، ويكدسهم جميعًا في كتلة رمادية كبيرة، ويأكل هذه الكتلة الكبيرة في وقت واحد.

الجوع: كارثة الحواس الكبرى

وحصل كيز على ما كان يرغبه بالفعل، نجحت تجربته وتمكن من الوصول لنفس سلوك الجوعى في مجاعات الخارج، دون استخدام أي وسائل عنيفة أو جوع حقيقي.

كان بعض المشاركين يسلي وقته من خلال قراءة بعض وصفات الطعام اللذيذة، وبدلًا من الأحلام الغرامية التي كانوا يرونها فيما سبق، أصبحت أحلامهم إما غرامًا مع بعض أطباق الطعام أو كوابيس من أكل لحوم البشر.

فيما بعد، فقد المشاركون إحساسيهم فعليًا، كان المشاركون يذهبون للسينما لمحاولة الحصول على بعض الترفيه عن الذات إلا أنهم كانوا بالكاد ينتبهون مع القصة حينما تقع أعينهم على طعام في خلفية الفيلم، لم يكونوا قادرين على التفاعل مع أي شيء، في حال ذُكرت نكته فإنهم قادرين على فهمها وتحديد ما إن كانت مضحكة أم لا، ولكنهم غير قادرين على الضحك.

نجح كيز!

ما كان يربك كيز حقًا في هذه التجربة أن التأثيرات التي أصابت المشاركين استمرت حتى مع الزيادة التدريجية لكمية الطعام والسعرات الحرارية الخاصة بالمشاركين، كان المشاركون يزدادون هوسًا بالطعام، فيما بعد قد تم إخراج 4 منهم خارج حيز التجربة، اعترف واحد بأكل القمامة لمدة شهور، والآخر فقد وعيه في محل بقالة وملأ فمه بالطعام المسروق، ورجلان آخران أُرسلا إلى مستشفى الطب النفسي الجامعي، أحدهما ظهرت عليه أعراض ذهنية غريبة، والآخر هدد بقتل نفسه وقتل كيز كذلك.

قام صموئيل ليجز، المشارك الذي تحدثنا عنه، بقطع أصابعه بفأس، عندما كان ليجز مستلقيًا في المستشفى، توسل إلى كيز كي يسمح له بإنهاء الدراسة قائلًا: “لبقية حياتي، سيسألني الناس عما فعلته خلال الحرب، هذه التجربة هي فرصتي لأعطي إجابة مشرفة على هذا السؤال”.

كما ذكرنا، حصل كيز على مُبتغاه ونشر ورقته العلمية، أما بالنسبة للمشاركين في تجربة مجاعة مينيسوتا والذين توقع لهم كيز أنهم سيتعافون سريعًا، فقصصهم مختلفة إلا أنها ليست قريبة من التعافي، مات أحدهم اثناء تناوله للطعام عندما تناول أكثر مما ينبغي بعض الشيء، وعانى الآخرون من عادات غير طبيعية لتناول الطعام، واكتسب كل منهم في المتوسط 22 رطلًا من الوزن أكبر من وزنهم في بداية التجربة.

لماذا لا يقرأ العرب؟ أسباب العزوف عن القراءة ومنسوبها المُتردّي عربيًا

0

شاركنا رأيك حول "ماذا يفعل الجوع للدماغ: حقائق صادمة عن تجربة مجاعة مينيسوتا!"

أضف تعليقًا