في سيناريو بالغ التفاؤل: ماذا لو دُفنت حيّا؟

الدفن حيا
أراجيك
أراجيك

6 د

في المسلسل التركي الشهير “وادي الذئاب” وبعد سلسلة من المشاهد المحتدمة، يُغمى على عزت إثر ضربة، وحين يستيقظ يجد نفسه في صندوق خشبي، ولن نلطف اللفظ هنا إنه “تابوت” وضيع، بعد أن أخذه مراد علمدار إلى غابة. يغلقون عليه التابوت، ويدفنوه. نعم لقد دُفن حيًّا.

ربما نعلم أنه يستحق مثل هذه الميتة، لكن ذلك لن يمنع أن أبداننا تقشعر حين نذكر أنه دُفن حيّا، فللموت رهبة مهما كان، فما بالك بهكذا ميتة! ستدور بأذهاننا أسئلة كثيرة عن الدقائق الأخيرة وربما الساعات التي قضاها في مثل هذا الحيز عالماً بنهايته المحتومة.

فيديو يوتيوب

مشهد آخر أجده رائعاً، يعكس إبداع تارانتينو، في فيلم Kill Bill في جزئه الثاني، تُدفن بياتريكس حية، ونشاهد الحيز الضيق الذي وُجدت به، إن عالم الجريمة مروع، فأفراده يخرجون بأساليب انتقامٍ لا تُنسى، والأصح لن يكون لنا وقت في هذه الحياة بعدها (إن وقعنا بين أيديهم أو سلكنا الطرق التي أوصلتنا إلى هذا المطاف) أن نتذكر أو ننسى. إنها عبرة باقية لمن يسمع بها فقط.

فيديو يوتيوب

نعود إلى بياتريكس، التي نراها في المشهد تشق طريقها نحو الخارج. مشهد رؤية بياتريكس في النهاية تخرج من قبرها أفرحنا. لكن بعيداً عن السينما، والمشاهد المحبوكة بعناية. لا بد أن بياتريكس أدركت الكثير من الأمور المتعلقة باحتجازها في مثل هذا الحيز، فماذا لو كان أحدنا يوما ضحية مثل هذا الموقف ما الذي عليه أن يدركه ويفعله؟

ذو صلة

قليل الحدوث لكن حدث وقد يحدث

لا إحصائيات رسمية عن عدد من دفنوا أحياء، لكنه رعب قائم، وربما بسببه نجد أن الكثير من طقوس الجنازات تنتظر زمنًا يسيرًا بعد إعلان الوفاة، أو تأكيدها في الحالات التي ينتابها لبس طبي. لكن ذلك لم يمنع هذا الخوف من أن يحظى بتسمية Premature burial أو الدفن السابق لأوانه، ونادرًا ما يحدث الآن بسبب كفاية الأدلة الطبية التي تجزم بالوفاة، وقد يحدث عمداً، في عالم الجريمة أو كوسيلة تعذيب.

أشهر من دُفن حيًّا كان الإمبراطور البيزنطي زينو، وبقي يستغيث ثلاثة أيام. لكن زوجته الإمبراطورة أدريان لم تخرجه ومات. ولن نتحدث هنا عن ضحايا الزلازل وانهيارات الأبنية. لكن ربما تفيدهم القراءة.

وصل الخوف من أن يدفن المرء حيا أن بعض التوابيت صُممت بحبل داخلها، فإن استيقظ الميت ما عليه سوى شد الحبل فيقرع جرس بالأعلى، لتأتي المساعدة (إن كان أحد بالجوار).

هذا الهاجس وجد تمثيلاً له في الفنون، ولا شيء أفصح من لوحة الفنان البلجيكي أنطوان ويرتز، الذي عاصر المرض فترة طويلة وشغل الموت وما يتعلق به معظم إنتاجه آنذاك.

الدفن حيا

لوحة الدفن على عجلة للفنان البلجيكي أنطوان ويرتز

ماذا ستفعل إن دُفنت حيا؟

في البداية، لا بد أن تعلم أن عملية خروجك من هذا الصندوق هي عملية مرهونة بالكثير من الحظ، ومحفوفة بالصعوبات. وللعلم الاختناق هو مصير معظم من وجدوا أنفسهم في هكذا وضع، وربما وصل عددهم للملايين.


ابقَ هادئًا

طلب في غاية الغرابة، لكنه معقول نظرًا لفرصك الضئيلة بالنجاة، فهدوء الأعصاب مطلوب في أشد المعارك الطاحنة، ربما في قلب المعركة إن اشتد غضبك هناك الكثير مما تفرغه به، هناك أيضًا الكثير من الأوكسجين، وهنا تذكر: في مواقف الغضب تتسارع الأنفاس، يزداد استهلاك الأوكسجين وطرح غاز ثنائي الكربون وبخار الماء. أما هنا فصدقني، مهما كنت غاضبًا أو خائفًا، لا مصلحة من تسارع أنفاسك. واهدأ: ففي النهاية لا شيء لتخسره الآن أكبر من حياتك نفسها.

نقدر أيضًا سوء التجربة ورعبها. لكن أول ما ينبغي التفكير به، كم سيكفيك مخزن هذا الحيز من الأوكسجين لتبقي “حيّا” ولمحاولة الخروج “بسلام”؟ تذكر أنك أنك لا تعرف مقدار الأوكسجين الذي استهلكته في إغمائك أو نومك، أو موتك الظاهري . تأملّ، هدئ من روعك (نصائح غاية قي المثالية والسخف في هكذا موقف) لكن لا خيار سوى ذلك😅.

ركز على إبطاء تنفسك إلى أدنى ما تستطيع، وسيطر على مشاعرك.


أحصِ ما لديك

نعم: وتستمر قائمة الطلبات غير المعقولة! بعد أن تصل للهدوء أحصِ ما لديك من أشياء داخل التابوت، فأي شيء قد يمثل قارب نجاة. ربما إن كان دفنك قد تم على يد أحد العصابات فأنت لست بالغريب على اقتناء سكين جيب، أي شيء معدني آخر قد تشكر وجوده لاحقاً،  أقل ما يمكن أن تفعله بأي جسم صلب هو الطرق على جدار التابوت علّ أحدٌ يسمعك. وإن كان دفنك حيّا لم يكن قصدًا، فلا بد أن هناك من سيزور قبرك في اليوم التالي، فلعله يسمع هذه الطرقات.. من يدري!! إن كان معك هاتف خلوي، على سبيل أن دُفن معك أو عرضًا (بجرعة حظ فلكية) ومشغل شبكتك عالي الجودة. قد تتمكن من استخدامه إما لتهاتف أحدهم، أو بأسوأ الظروف كأداة للطرق.

استخدمت بياتركس قبضة يدها في فيلم تارانتينو لتصنع صدعاً في غطاء التابوت، لأ أدري إن كانت “عزة الروح” كما نسميها ستمكنك من فعل أمر مشابه!


تأهب لتشق طريقك خارجًا

حسنا، لنفترض أن لا أحد سمعك، عليك الآن أن تشق طريقك عبر طبقات التراب التي تعلوك بمفردك، بدون مساعدة. وهنا إن كنت قد دُفنت في تابوت معدني. انسَ الأمر لقد قُضي عليك. لكن معظم عمليات الدفن تكون بتوابيت خشبية. ولا تنسى مهما حصل أن لديك خيارين: إما الموت اختناقاً على البطيء أو أن تشق طريقك بأسرع ما يمكن إلى السطح. هناك خيار ربما مريح نظراً إلى أن النهاية الحتمية لكل منا هي الموت: قد تموت رعباً بسكتةٍ قلبية!!

لنكن متفائلين، في السيناريو الهادئ الجميل طلبنا أن تهدأ، الآن عليك أن تصنع فتحة في التابوت من أي نوع، فهذه الفتحة هي بداية الألف ميل نحو الخارج. لا بد أنك تفكر بالتراب الذي سينهال إلى داخل التابوت، أو الذي قد يقع دفعة واحدة، حيث سيتصدع التابوت وينهال التراب إلى داخله. حاول أن يبقى التراب الداخل أسفلك، حافظ على رأسك حر الحركة قدر الإمكان في هذا الحيز. وابدأ الزحف على طريقة دودة الأرض بعد أن تفتح الصندوق أو تؤمن فتحة فيه.

هنا تذكر أن عليه أن تحسب قدرتك على التنفس الجيد، وأن تستجمع كامل طاقتك لخروج سريع تنال فيه حماماً ترابيّا ستتذكره ما حييت. احمِ رأسك بقطع الثياب الموجودة معك. سيحميك ذلك من استنشاق الغبار والتراب، ويؤمن بعضاً من الأوكسجين الثمين في طريقك إلى الخارج. الإيجابي في الأمر أن التربة فوقك لا زالت رخوة. استفد من هذه النقطة المضيئة في عتمتك.


الآن: عشْ حياتك

لقد عدت من الموت، عليك أن تثمن حياتك جيدًا الآن وتعيد النظر فيها. إن كنت تود البحث عن مهنة تعتاش منها فلا أحد أكثر منك الآن جدير بوظيفة محاضر في التنمية الذاتية. ألف كتابًا عن التجربة، تحدث عنها كثيراً، ولا تعش حبيس هذه التجربة المرعبة، فحرفيّا أنت تولد من جديد. استمتع، دع الحياة بكل تفاصيلها الآن تتسلل إلى جوانحك.

هذا السيناريو قد يبدو مرعباً، لكن مهما كان ما فعلته، فأن يدفنك أحد حيّا وعمدًا لا بد أن يكون إما الفاعل سفاحًا للغاية: وهنا ابتعد عن هذه المسارات ولا ترمي بنفسك في هذه المهالك التي لها نهايات مرعبة. لا تخدعك مظاهر زعماء الجريمة في الأفلام وطائراتهم، فبعضهم مات بطرق تقشعر لها الأبدان. أما إن كنت تستحق الدفن حيّا فهنا لن نوصيك إلا بأن تكون لطيفاً مع الكائنات ولا تقسو عليها فتجعل من هذه النهاية أقل ما تستحق من عقاب في لحظات الدنيا الأخيرة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة