مصير إرث حسن كامي الثقافي: تنازل عن أملاكه أم خدعه خائنو الثقة؟

حسن كامي في المكتبة
أحلام المنسي
أحلام المنسي

5 د

في منطقة عابدين بوسط البلد في القاهرة، تقع مكتبة المستشرق التراثية – L’orientaliste bookshop، لمالكها الفنان “حسن كامي”، وإن ظننتها كأي مكتبة عادية فأنت على خطأ، لأنها تملك تاريخًا مميزًا مثل المكان من حولها.

أسس المستشرق المثقف “فيلدمان” في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، وأطلق عليها هذا الاسم، نظرًا لما تضمه من مراجع لهواة تاريخ الشرق من الأجانب. حين قرر “فيلدمان” أن يرحل عن مصر عقب العدوان الثلاثي في 1956، انتقلت ملكيتها إلى مثقف آخر اسمه “شارل بحري”.

وخلال تواجده بالمكتبة، لاحظ تردد شاب مصري على المكتبة بشكل دائم خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات، فكان يجد نفسه بين كتبها وكنوزها الفنية الرائعة، كان هذا الشاب الفنان الراحل “حسن كامي”.


قصة حسن كامي مع مكتبة المستشرق

مصير إرث حسن كامي الثقافي

شعار مكتبة المستشرق التراثية.

هذا الولاء من قِبَل كامي، كان المحرك الرئيسي لموافقة “فيلدمان” على بيع مكتبة المستشرق، بمبلغ مليون دولار للفنان الذي لم يكن يملك النقود كاملة وقتها، فدفع جزءًا وقسَّط باقي المبلغ على دفعات، ووافق المالك على هذا الاتفاق، لأنه أدرك أن بعد وفاته، سيترك مكتبة المستشرق بين أيدٍ أمينة، وعقل عاشق للثقافة والفنون. بعد ذلك أهدى حسن كامي المكتبة إلى زوجته وحبه الوحيد، السيدة نجوى، ثم آلت الملكية إليه مرة ثانية بعد وفاتها في 2012.

ذو صلة

والآن، بعد وفاة الفنان حسن كامي ما مصير مكتبة المستشرق بعد وفاة عاشقها المثقف؟

صورة للفنان حسن كامي مع زوجته السيدة نجوى

صورة للفنان حسن كامي مع زوجته السيدة نجوى

سبب أهمية إرث حسن كامي الثقافي

لمعرفة السبب الذي يجعل محتويات “المستشرق” إرثَا متنازع عليه، علينا نتعرف أكثر على أهميتها، فالمكتبة تضم عددًا كبيرًا من المخطوطات واللوحات والكتب النادرة، معظمها ينتمي إلى القرن التاسع عشر، فعدد الكتب وحدها يتخطى الـ 22 ألف كتاب.

واتضح في بيان أصدرته وزارة الثقافة المصرية في أغسطس 2019 أهم المحتويات التي تُشكل إرث حسن كامي الثقافي، مثل:
كتاب “تاريخ محمد علي” الذي يتناول تاريخه وفترة حكمة لمصر بالتفصيل، وكتبه Paul Mouriez، ونشره عام 1855، و”تاريخ القدس” المنشور عام 1848، والذي يعد موسوعة تاريخية فريدة، و”وصف مصر” المنشور عام 1922.

كما ضمت المكتبة كتبًا من أهم موسوعات التاريخ الطبيعي في الولايات المتحدة وأمريكا وأوروبا، وكتاب “الجغرافيا القديمة”، ورسومات للفاتيكان، وكتاب “مصر وإسماعيل باشا”، و”الحملات البحرية لمحمد علي وإبراهيم باشا”، بالإضافة إلى مجموعة متميزة من الخرائط، وغيرها من المخطوطات والطوابع النادرة.

صورة للفنان الراحل حسن كامي داخل مكتبة المستشرق

صورة للفنان الراحل حسن كامي داخل مكتبة المستشرق

صراع على ملكية المستشرق

في 14 ديسمبر 2018 توفي الفنان حسن كامي، وتفاجأ ورثته بمستشاره القانوني عمرو رمضان يقدم عقدًا ينص على ملكيته وزوجته لمكتبة المستشرق التراثية، وهو ما شكل صدمة للمقربين من “كامي” نظرًا لعلمهم بنيته في التبرع بالمكتبة لتصبح منصة ثقافية وفنية في وسط البلد، ورغبته في منحها اسم “مؤسسة نجوى كامي للثقافة والفنون والتراث”، نسبة لزوجته ورفيقة دربه السيدة نجوى.

نتيجة لذلك قررت نيجار كامي شقيقة الفنان الراحل حسن كامي، أن تتقدم ببلاغ للنيابة العامة المصرية تتهم فيه “رمضان” بالاستيلاء على ممتلكات أخيها الراحل، متضمنةً المكتبة بمحتوياتها، والفيلا التي كان ينوي تحويلها إلى دار أيتام يتعلم فيها الأطفال الثقافة والفنون بأنواعها.

سرعان ما تحولت المسألة إلى قضية رأي عام وتناولتها بالتفصيل البرامج الحوارية المصرية، واستضافت في استديوهاتها الأطراف المتنازعين على أمر المكتبة.

فيديو يوتيوب

وخلال أحد اللقاءات التلفزيونية قال أيمن فرحات أحد موظفي مكتبة المستشرق إن الفنان الراحل حسن كامي كان رفض بيع “المستشرق”، حتى حين عرض عليه رجل أعمال أن يشتريها مقابل 17 مليون دولار، وهو ما أكده المستشار خالد راشد، أحد المحامين السابقين للراحل حسن كامي، في نفس اللقاء.

هنا يأتي سؤال سأترك إجابته لك يا عزيزي القارئ: كيف وافق الراحل حسن كامي إذًا على بيع مكتبة المستشرق كما يقول رمضان ويوضح عقده، بمليون جنيه مصري فقط؟

يواصل المستشار خالد راشد حديثه حول الأمر، ويلفت إلى أن عقود البيع التي يقدمها “رمضان” بتواريخ توافق التوقيت الذي كان يخطط فيه “كامي” لتحقيق رؤيته الثقافية والفنية لممتلكاته، التي كانت تمثل له حلم حياته، وذكرياته مع حبيبته وزوجته السيدة نجوى، وهو ما يعد الحاجز الأكبر الذي يمنعه عن بيع المكتبة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن قانون المحاماة -بحسب ما أكده “راشد”- يحتم بألا يتدخل المحامي كطرف في مشروع تجاري، يجعله عرضة للشبهات، وحفاظًا على الثقة التي يمنحها الموكل إلى مستشاره القانوني.

أما “رمضان” فيذهب في حجته إلى أن الفنان الراحل كان يملك نسبة 1% فقط من المكتبة، وأنه كان يديرها حتى وفاته كتقدير أدبي من الملاك الفعليين أي المحامي “رمضان” وزوجته، وذلك قبل وفاته بفترة طويلة، دون أن يفصح عن السبب الذي جعل ملكيته للمكتبة ولأملاك الراحل كامي بأكملها سرًا لم يُكشف عنه إلا بعد الوفاة فقط.

وبوفاة حسن كامي، وحصول إرثه الثقافي على اهتمام إعلامي كبير، أصدرت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة إيناس عبد الدايم قرارًا بتشكيل لجنة معاينة لمكتبة المستشرق، لما تشكله محتوياتها من تراث ثقافي وتاريخي شديد الأهمية والتميز، وهو ما تزامن مع إصدار النائب العام قراره بإغلاق المكتبة حتى يُحل النزاع عليها.


مصير إرث حسن كامي الثقافي

ظلت المكتبة “مُشمعة” لمدة شهرين من تقديم ورثة كامي ببلاغهم ضد رمضان، وفي فبراير 2019، اُُفتتحت من جديد، بعد قرار النيابة بتمكين المحامي عمرو رمضان من “المستشرق” عقب الإطلاع على أدلة القضية.

في 4 أغسطس 2019، أصدرت وزارة الثقافة المصرية بيانًا تعلن فيه نجاحها في ضم 86 عنوانًا من مكتبة “المستشرق” إلى مؤسسة “دار الكتب”، تشتمل على كتب ومخطوطات ومطبوعات ولوحات نادرة، بعد مفاوضات استمرت 6 أشهر مع المحامي عمرو رمضان الذي نجح في إثبات ملكيته للمكتبة، أما الباقي فما زال متاحًا للبيع.

مكتبة المستشرق التراثية
مكتبة المستشرق التراثية - حسن كامي
مكتبة المستشرق التراثية
مكتبة المستشرق التراثية

لك أيضًا:

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

بينها جمجمة لزعيم عربي… وقف بيع رفات بشرية في مزاد بلجيكي!

بينها جمجمة لزعيم عربي... وقف بيع رفات بشرية في مزاد بلجيكي!

2 د

قررت دار دور وفاندركيندير للمزادات العلنية ومقرها العاصمة البلجيكية بروكسل، إيقاف عمليات بيع ثلاث جماجم بشرية تعود لأفارقة، بعد الكثير من الانتقادات التي واجهتها بعد إعلانها عن مزاد بيع الرفات البشرية.

وبحسب صحيفة تايمز البريطانية، فإن الدار البلجيكية، عرضت الجماجم الثلاث وإحداها تعود لزعيم عربي، تم تزيينها بالجواهر والأحجار الكريمة، وتعود لحقبة الاستعمار البلجيكي للكونغو، وكان من المقرر أن يبدأ السعر بين 750 وحتى ألف يورو.

وذكرت دار المزادات البلجيكية في بيان لها، أنها لا تدعم ولا بأي شكل من الأشكال، إذلال ومعاناة البشر خلال فترة الاستعمار، وأضافت مقدمة اعتذارها من كل شخص شعر بالسوء أو الأذى جراء ما حدث، وقامت بسحب الجماجم الثلاث من المزاد.

يأتي هذا، بعد تقديم منظمة ذاكرة الاستعمار ومكافحة التمييز غير الربحية، شكوى إلى السلطات في بلجيكيا، لإيقاف المزاد المعلن عنه.

منسقة المنظمة، جينيفيف كانيندا، قالت في تصريحات صحيفة لوسائل إعلام محلية، إن المزاد المعلن عنه، يجعلك تدرك بأن أولئك الضحايا تم قتلهم مرتين، الأولى حين ماتوا أول مرة والثاني من خلال المزاد، مضيفة أن العنف الاستعمار هو ذاته يعيد نفسه بشكل مستمر.

والجماجم الثلاث تعود للقرن الثامن العشر، جين استعمرت بلجيكا، إفريقيا، ما تسبب بموت أكثر من 10 ملايين شخص بسبب المجازر والفقر والأمراض.

إحدى تلك الجماجم، تعود للزعيم العربي موين موهار، قتل على يد جندي بلجيكي عام 1893، وتدعى "جوهرة الحاجة الأمامية"، لوجود حجرين كريمين ملتصقين بها.

بينما تعود الجمجمة الثانية لشخص مجهول، وصف بأنه آكل لحوم البشر، والأخيرة أحضرها طبيب بلجيكي، بعد انتزاعها من شجرة الموت والتي يبدو أن صاحبها لقي حتفه نتيجة طقوس دينية وثنية كانت سائدة في إفريقيا.

وبحسب المعلومات فإن تلك الجماجم من المفترض أن تعاد للكونغو، بناء على توصية من لجنة برلمانية تسمح بإعادة الرفات البشرية الموجودة في كل المتاحف والهيئات الرسمية البلجيكية.

وقالت الباحثة ناديا نسايي، إنه ينبغي على السلطات البلجيكية، إصدار تشريع جديد يجرم كل أفعال محاولة بيع رفات بشرية.

وأضافت واضعة كتاب "ابنة إنهاء الاستعمار"، إن بيع الرفات البشرية شيء غير مقبول إطلاقاً، ويجب على بروكسل إعادة الرفاة البشرية إلى أصحابها الحقيقيين، بعد أن سرقوها واعتبروها غنائم حرب.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.