الميتافيرس عالم يحتضر منذ الولادة.. هل سنشهد إعلان وفاة الميتافيرس قريبًا؟!

محمد سالم
محمد سالم

8 د

مشروع الميتافيرس metaverse الخاص بمارك زوكربيرغ يتجه فيما يبدو إلى حافة النهاية. المشروع الذي كان طموحًا للغاية في بداياته أصبح يستقبل أقل من 200 ألف مستخدم شهريًا فقط، وهو رقم متواضع للغاية بالمقارنة مع خطط حددتها ميتا Meta (الشركة الأم المالكة لمنصات فيسبوك، واتساب و إنستغرام) تتمثل في استقطاب نحو 500 ألف مستخدم نشط شَهْرِيًّا بالنظر إلى حجم الإنفاق على المشروع، إذا ما علمنا أن شركة ميتا تضخ حوالي 10-15 مليار دولار سَنَوِيًّا في مشروع ميتافيرس.

في استطلاع للرأي أُجْرِي مؤخرًا على موقع لينكدإن LinkedIn، صوّت أكثر من 72٪ من المشاركين على أن مشروع ميتافيرس أصابه الفشل.

فهل حان الوقت لمارك زوكربيرج للتخلي عن واقعه الافتراضي والنزول إلى أرض الواقع الحقيقي؟


أولا ما هو الميتافيرس؟

كمصطلح، الميتافيرس هي كلمة تتكون من شقين ، الأول "meta" بمعنى ما وراء، والثاني كلمة "Verse" المشتقة من كلمة العالم "Universe"، فالميتافيرس تعني عالمًا منبثقًا من الاندماج بين العالمين الحقيقي والافتراضي بهدف خلق عالم افتراضي متكامل.

أما تقنيًا، فإن الميتافيرس لا يقتصر على المعنى الواسع للعوالم الافتراضية فحسب، بل يشير إلى مفهوم لشكل الإنترنت في المستقبل والذي سيتكون من محاكاة ثلاثية الأبعاد 3D متصلة بشكل دائم، حيث تعتمد تقنية الميتافيرس على أدوات تساعد المستخدمين في الدخول إلى العالم الافتراضي ومحاكاة الأشياء من حولهم، يتم فيه استخدام أدوات تقنية مثل نظارات ثلاثية الأبعاد والقفازات وغيرها، ويمكن للشخص اختيار المكان الافتراضي الذي يرغب بالتواجد به وكأنه عالم حقيقي.

ذو صلة

يمكن تلخيص ما سبق بما يلي: الميتافيرس عالم افتراضي يمكن الولوج إليه عبر سماعات رأس خاصة بالواقع الافتراضي. هذا العالم له عملته الخاصة واقتصاده الخاص المبني على blockchain.

مثال بسيط على فكرة الميتافيرس، وهو مجال الألعاب الترفيهية، حيث إنك لن تكون محدودًا في إطار مكان معين في اللعبة، بل ستفتح لك الميتافيرس عوالم ومدنًا افتراضية تتواجد فيها أنت ومئات اللاعبين الآخرين بشخصيات رمزية تتواصل فيما بينها وتلعب في الواقع الافتراضي بحرية أكبر.


ليس مجال الألعاب وحسب، بل سنكون قادرين على مشاركة أماكن رقمية، والاستماع إلى الموسيقى، ومقابلة أصدقائنا، بل والعمل عن بُعد مع مَن نريد.


كل هذا رائع. فما المشكلة إذًا؟


مر عام تقريبًا منذ الإعلان عن إعادة تسمية فيسبوك باسم ميتا، منذ ذلك الوقت والشركة لا تتوقف عن السقوط المالي الحر. نعم فبمقارنة القيمة السوقية لميتا منذ الإعلان عنها لأول مرة في 28 أكتوبر 2021، نجد اليوم أن الشركة تقلصت قيمتها السوقية بمبلغ مذهل قدره 650 مليار دولار أمريكي. انهارت الأسهم في ميتا بنسبة 24 في المائة وهو أكبر انخفاض لأسهمها منذ ما يقرب من أربع سنوات، ما أدى إلى خروجها من صفوف أفضل 20 شركة عالمية. وزاد الطين بلة، عندما أعلنت شركة ميتا الأسبوع الماضي عن تسريح عدد كبير من العمال في جميع أنحاء الشركة.

مارك زوكربيرج شخصيًا تعرض لانخِفَاض في ثروته بمقدار 11 مليار دولار أمريكي بعد انخفاض الأسهم، وفقًا لمجلة فوربس، التي خفضته من المرتبة 25 في قائمة أغنياء العالم إلى المرتبة 29 في القائمة.

ومع كل هذا ما يزال مارك على اقتناع تام بالاستثمار في الميتافيرس. بل ولديه خطط للحفاظ على إنفاقه المرتفع في بناء المشروع بمبلغ حوالي 87 مليار دولار، سيرتفع إلى حوالي 100 مليار دولار العام المقبل.

في الواقع. أنفقت معامل Reality Labs المسؤولة عن مشروع الواقع الافتراضي والمعزز في شركة ميتا  9.4 مليارات دولار هذا العام (حتى 30 سبتمبر) في إنشاء وتحسين بيئة الميتافيرس، ولكن يبدو أن المستهلكين ليسوا مهتمين به.

في تقرير لها، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن معظم مستخدمي الميتافيرس لم يعودوا إلى البرنامج مرة أخرى بعد تجربة الشهر الأول. بل إن الصحيفة  ترى أن عامة الناس لا يزالون في حيرة من أمرهم حول ماهية الميتافيرس وما الفائدة الحقيقية لهذا المشروع في المجتمع.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته شركة Forrester في أواخر عام 2021 أن 34٪ فقط من الشباب كانوا متحمسين بشأن الميتافيرس، وأقل من 30٪ يعتقدون أنه سيكون مفيدًا للمجتمع.

في الحقيقة وبعد 7 أشهر فقط ، بدأ الضجيج يتلاشى بسرعة حول الميتافيرس، يمكن تلخيص الموقف من خلال مارك بيتي، نائب رئيس شركة Epic Games والمدير العام لشركة Unreal Engine، الذي صرح في مقابلة شخصية : "لقد فقد الناس إلى حد كبير الاهتمام بـ الميتافيرس، لأن الشخصيات تبدو كرسوم كاريكاتورية بلا أرجل. أعني من يريد أن يكون ذلك؟ هذا ليس جذابًا ".



التحديات التي تنتظر الميتافيرس 

ربما يكون مشروع الميتافيرس فقد بوصلته، فهل هذا يعني أن الواقع الافتراضي بإجماله يحتضر أو يموت؟

على سبيل المثال ارتباك الجمهور، خاصة أولئك الذين ليسوا منخرطين أو على دراية في مجال التكنولوجيا- لا يفهمون ما هو الميتافيرس أو لماذا يجب أن يهتموا به من الأساس.

كثير من هذا الجمهور قابلوا إعلان مارك لمشروع الميتافيرس بفتور بالغ قائلين: "هذا مشروع رائع ولكن ما الفائدة منه؟"

وهذا الأمر ليس له أي علاقة بالمرحلة العمرية للمستخدمين. أظهرت دراسة عن الميتافيرس أن 50٪ من المراهقين إما غير متأكدين من الميتافيرس أو ليست لديهم نية لشراء جهاز VR.

التحدي الثاني هو أن تجربة الواقع الافتراضي بحاجة الى أجهزة وعتاد خاص بالواقع الافتراضي نفسه، فسماعات الرأس VR علي سبيل المثال غالبًا ما تكون باهظة الثمن وغير مريحة للاستخدام الطويل ويمكن أن تسبب دوارًا للمستخدمين مع الاستخدام لفترات متصلة.

هناك أيضا أحاديث عن القفازات وغيرها من التقنيات التي يتم تطويرها لتحسين التفاعل مع العالم الافتراضي. ولكن للأسف كلها أحاديث مشوشة وغير واضحة تمامًا للرأي العام وللمبدعين حتى الآن.

أما عن التحدي الثالث فهو الإجابة عن السؤال التالي: وماذا عن حياتنا اليومية؟ إذا كنا متصلين بعالم افتراضي من خلال الأجهزة، فكيف يمكننا تتبع ما يجري حولنا في العالم المادي الحقيقي؟

أكبر عقبة يتعين على الميتافيرس التغلب عليها هي إقناع عامة الناس بأن هذا النوع من الاتصال- الذي سيكون افترَاضيًّا بالكامل- أفضل من التفاعل المادي الذي اعتدنا عليه منذ ولادتنا.

إذا أخذنا هذا المفهوم إلى أبعد نقطة، أي قيام البشر بقضاء نسبة 100٪ من عملهم وترفيههم وحياتهم الاجتماعية من خلال عالم افتراضي، سيكون لهذا عواقب وخيمة أو قل side effects على المجتمع، بما في ذلك الاكتئاب والإدمان ومشاكل الصحة العقلية، ناهيك عن التغيير الكامل في الحياة الاجتماعية من العلاقات والصداقات وغيرها.

لدى الكثير من المهتمين و المتحمسين للواقع الافتراضي فكرة غريبة مفادها أنه إذا جعلنا كل شيء رقميًا، فستكون -بطريقة ما- حياتنا أفضل مما هي عليه في العالم الحقيقي أو بمعنى أدق الهروب من الواقع. لكننا ننسى -أو نتناسى- أن كل المشاكل في العالم الحقيقي، مثل المال، والسلطة، والانقسام، والعنصرية وغيرها، ستتبعنا إلى هناك في الواقع الافتراضي وربما سيكون بشكل أسوأ.

العالم الافتراضي يعطي غطاء مثاليًا للاختباء خلفه، كانت هناك بالفعل عدة حوادث تحرش جنسي افتراضي واسعة الانتشار في الميتافيرس -معظم الضحايا من النساء- مع إساءات لفظية، وحتى اغتصاب جماعي افتراضي.

وأخيرًا التحدي الرابع معنا هو أنه قبل إقناع المجتمع بالواقع الافتراضي ولكي يتم اعتماد الميتافيرس على نطاق واسع، يجب أن يكون آمنًا للجميع.

وبالحديث عن الأمن داخل المجتمع الافتراضي لا يجب أن نغفل تحديًا من أكبر التحديات الموجهة لمشروع الميتافيرس خصوصًا و للواقع الافتراضي بشكل عام ألا وهو حماية الخصوصية.


عوالم افتراضية بلا خصوصية؟

كاميلا سيرانو Camila Serrano كبير مسؤولي الأمن في MediaPeanut حذرت من أن الميتافيرس يمكن أن تؤدي إلى عالم خالٍ من الخصوصية. وقالت كاميلا لموقع  CyberNews


"يمكننا بالتأكيد أن نتوقع من الشركات والمؤسسات في الميتافيرس جمع المعلومات الشخصية لتحديد الهوية الفردية والإعلان والتتبع من خلال قنوات متعددة كما نشاهدها في أنشطة الإنترنت العادية التي نقوم بها اليوم. ستجمع الشركات بالتأكيد معلومات من أشياء مثل الأجهزة القابلة للارتداء، والميكروفونات، وأجهزة مراقبة القلب والجهاز التنفسي، وتفاعلات المستخدمين إلى الحد الذي لم نشهده من قبل."

وغني عن القول إن المعلنين ينظرون إلى الميتافيرس على أنها منجم ذهب جديد، على أمل أن يكون بيئة خصبة لجمع البيانات ومشاركتها.


تعتقد كاميلا سيرانو أن ضمان الخصوصية في الميتافيرس سيتطلب ابتكار حلول غير تقليدية. تكمل كاميلا حديثها:  "كانت خصوصية البيانات وأمانها مصدر قلق كبير لأي بيئة عبر الإنترنت، ولكن الدخول إلى الميتافيرس من شأنه أن يطور بروتوكولات أمان البيانات إلى مستوى جديد تمامًا. نأمل ذلك"

بعيدًا عن التحديات، فما هو مؤكد هو أنه لتحقيق التجربة الموعودة للواقع الافتراضي الكامل، يجب البدء في الاستخدام الحقيقي والملموس وبسرعة لهذا العالم. لأنه إذا افترضنا أن ما جاء على لسان مارك زوكربيرج في أحد الأحاديث الصحفية من قبل من أن النتيجة المحققة والنهائية المرجوة للميتافيرس ستكون على بعد 10-15 عامًا من الآن، فيجب أن تكون هناك على الأقل علامات وبوادر وإشارات على التقدم في هذا المشروع بين الحين والآخر تجعلنا جميعًا متحمسين له. عدا ذلك، فعندما يصبح الشكل النهائي للميتافيرس واقعًا (افتراضيًّا)، لن يكون هناك أحد في الجوار ليهتم به.

لذا لإحياء مشروع الواقع المختلط (MR) مرة أخرى يجب على الشركات التقنية المشاركة بشكل فعال من خلال الاستثمار والتجربة مع عمليات تنشيط التسويق الخاصة بهم.


وجهة النظر الأخرى

ولكن من وجهة النظر الأخرى، لنكن منصفين قليلًا، الهدف من إنشاء الميتافيرس لم يكن لإنشاء واقع برسومات عالية الدقة فقط أو إضاعة الوقت في إنشاء بعض ألعاب الواقع الافتراضي للمراهقين، بل تم إنشاؤه ليكون عالمًا مليئًا بتجارب رقمية عالية الجودة من جميع الأشكال والأحجام.

في الواقع، يعرّف Jensen Huang، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا NVIDIA (أكبر الشركات إنتاجًا لبطاقات العرض المرئي و معالجات الرسومات)، الميتافيرس بأنه الإنترنت ثلاثي الأبعاد وينظر إلى أن تجربة المستخدم وحدها ستحدد إدراكه لهذا المشروع .

مثل أي تقنية متطورة في بدايتها -هل تتذكر العملات المشفرة Cryptography في بدايتها- فإن مستقبل الميتافيرس  مليء بالإمكانيات، ولكنه أيضًا مليء بالتحديات التي يجب حلها وتجاوزها لمحو صورة عدم اليقين بشأن ما ينتظره في المستقبل . 

فما رأيك عزيزي القارئ، هل تعتقد أن مشروع الميتافيرس بالكاد وُلد ولم ينته بعد؟ فقط تنتظره بعض التحديات التي يستطيع التغلب عليها لإكمال الحلم، أم أنه كتجارب تقنية عديدة سينتهي ويؤول إلى الزوال؟

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات