الوباء قد غيّر الطريقة التي نتفاعل بها مع التكنولوجيا بشكل دائم، فالتحول للعمل من المنزل وعقد مُقابلات واجتماعات العمل عبر تطبيقات مكالمات الڤيديو كانت ولازالت هي السمة السائدة مُنذ ظهور فيروس كورونا وأدت بشكل مُباشر إلى زيادة شعبية تطبيقات مثل Zoom و FaceTime. مع ذلك لم تستطع مكالمات الڤيديو من إشباع حاجة الناس لرؤية أحبائهم الذين حالت الظروف دون إمكانية مقابلتهم.

بالنظر للمستقبل القريب -وأعني بذلك أقرب مما نتخيل- يُفترض أن تكون "الصور المجسمة - 3D" هي الشكل التالي لأشكال الاتصال الافتراضي والتي ستُغير تمامًا من طريقة تواصلنا مع بعضنا البعض.

وجدت دراسة بريطانية أجريت على 2000 شخص أن نصفهم يشعرون بالملل من مكالمات الڤيديو، بينما يشعر 63% آخرون أنهم لا يحصلون على مستوى التفاعل أو التقارب الذي يريدونه. مما يعني أن هذا هو الوقت الذي نحتاج فيه تدخل التكنولوجيا الحديثة لتقدم حلولها السحرية لمساعدة البشرية.

تقنية الهولوغرام من أفلام الخيال العلمي إلى منازلنا

مفهوم المحادثات الافتراضية عن طريق «الهولوغرام» هو شيء رأيناه في أفلام الخيال العلمي لعقود، ولكنه لم يؤت ثماره أبدًا في حياتنا الواقعية، ولكن يبدو أن كل هذا على مشارف أن يتغير الآن مُنذ أن أعلنت شركة Proto التي تتخذ من لوس أنجلوس مقراً لها عن «Proto M»، وهو الجهاز الذي يهدف إلى جلب الصور المجسمة إلى منازلنا ودون الحاجة إلى استخدام الواقع المُعزز AR أو الافتراضي VR.

جهاز M لتقديم مكالمات هولوغرام

ستنتقل مكالمات الڤيديو من كونها طريقة "تقليدية مملّة" للتواصل إلى مستوى جديد عن طريق  تقنية «الهولوغرام» والتي ستُمكن المستخدمين من مقابلة أي شخص في أي مكان في العالم بحجمه الحقيقي وفي الوقت الفعلي، سيكون الناس قادرين على رؤية وسماع بعضهم البعض، والتفاعل سويًا كما لو كانوا جالسين معًا على نفس الطاولة أو في نفس الغرفة!

ومع ذلك، لن يسمح لك الجهاز بإرسال جسدك إلى مكان آخر بهذه السهولة التي تتخيلها؛ لكنه سوف يسمح لك ببث صورة ثلاثية الأبعاد لنفسك من جهازك إلى جهاز Proto M آخر، هذا يعني أن الشخص المُستقبل يجب أن يملك الجهاز أيضًا كي تتم عملية التواصل.

ووفقًا للبيانات الرسمية على موقع الشركة، فيمكن استخدام جهاز Proto M -الذي يأتي في حجم الثلاجة الصغيرة- في الوضعين الرأسي أو الأفقي، ويتميز بكاميرا مدعمة بالذكاء الاصطناعي تقوم بتصويرك وإنشاء فيديو بالعمق المحاكي لك، يتضمن Proto M أيضًا 16 غيغابايت من ذاكرة النظام (RAM) و1 تيرابايت للتخزين بالإضافة إلى شاشة لمس عالية الدقة.

لم يتم الإفصاح عن سعر الجهاز "النهائي" ولكنه متوفر للحجز عن طريق موقع الشركة بأسعار "تبدأ من" 2000$، وتأمل بورتو إطلاقه في الأسواق خلال العام الجاري، ولكن في ظل هذه التحديات يبدو أن 2022 موعد مُبكر قليلاً للحديث عن نقل تلك التجربة إلى الواقع -بالنسبة للمستخدمين العاديين- بشكلٍ فعلي.

نحو عالم "افتراضي" بنمط مُغاير تسيطر فيه تقنية الهولوغرام

يمكن أن يؤدي الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا إلى إحداث ثورة في مكان العمل، وحياتنا الاجتماعية وفعالياتنا، وتجارب السفر والترفيه، ومع وجود هذا النوع من الأجهزة بالإضافة إلى بدء التحول تدريجيًا نحو العالم الرقمي "الميتافيرس"، من الممكن أن يكون هناك تأثير ملحوظ على أنماط حياتنا في السنوات القليلة القادمة.

الصور المجسمة يُمكن أن يكون لها مفعول السحر في تعزيز حياتنا من خلال إزالة الحواجز التي تحول دون الاتصال البشري، سواء كانت الشاشات أو المسافة أو حتى الوباء والحرب. إن البقاء على اتصال عبر صورة ثلاثية الأبعاد عن طريق بث صورة أحبائهم في منازلهم سيجعل الناس يشعرون بأنهم أقرب وأكثر اتصالاً.

بجانب التواصل مع الأقارب والأحباء وعقد اجتماعات العمل، يمكن استخدام "الهولوغرام" أو "الصور المجسمة" في عدة مجالات أخرى، ما قد يجعلها تقلب موازين التقنية في السنين القادمة، ومن هذه المجالات نستعرض لكم ما يلي:

التسوق

يمكن استخدام الصور المجسمة في التسوق مما يفتح المجال لطرق جديدة تمامًا لتصفح وشراء المنتجات، تخيل أنه يمكنك ارتداء الملابس وتغيير ألوانها دون الحاجة للخروج من منزلك أو القيام بأي مجهود، حتى أنه يمكنك التسوق من مئات المتاجر في لمح البصر وفي أي وقتٍ تريد.

اللياقة البدنية

إذا كنت شخصًا كسولًا بما فيه الكفاية أو لا تملك الوقت للذهاب لصالات الجيم، ما رأيك بالاستعانة بمدرب شخصي من منزلك؟ حان الوقت لتتخلص من الدهون المتراكمة وترك كل الأعذار جانبًا.

الطب الإلكتروني (خدمات الرعاية الصحية عن بُعد)

عبر البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية، سوف يسمح التطبيب عن بعد لمقدمي الرعاية الصحية بتقييم وتشخيص وعلاج المرضى دون الحاجة إلى زيارة شخصية، بما في ذلك الاختبارات والاستشارات الطبية.

عرض الرموز غير القابلة للاسبتدال NFT's

لا يمكن الحديث عن تقنيات العالم الافتراضي دون الحديث عن الرموز غير القابلة للاسبتدال NFT's، والتي يمكن فيها استخدام جهاز مثل PROTO M في عرض المجموعة الخاصة بك كما ينبغي أن تكون وكأنها أمامك بالفعل، ما سيكون فكرة عملية لإظهار مقتنياتك الفنية الرقمية!

عرض مقتنيات NFT على جهاز PROTO M

وسائل الترفيه

تجنب التغيب عن الأحداث الحية مثل الحفلات والمهرجانات ومباريات كرة القدم، خلال العقد المُقبل وباستخدام تقنية الهولوغرام، ستتمكن من الحضور "رقميًا"دون الحاجة للانتقال من مكانك، تخيل أن تقوم بحضور نهائي دوري أبطال أوربا في ملعب "ويمبلي" في إنجلترا، ثم بسرعة البرق تنتقل إلى حفل لفريقك الغنائي المُفضل، والذي يُقام في الولايات المتحدة الأمريكية!

لقد بدأ عصر تقنية الهولوغرام بالفعل

في شهر أبريل الماضي، وبسبب قيود Covid-19 لم يتمكن رئيس واحدة من أكبر شركات الساعات السويسرية من السفر إلى معرض تجاري عالمي في الصين حيث كان من المقرر أن يسافر  السيد كريستوف غرينجر هير، الرئيس التنفيذي لشركة "آي دبليو سي-IWC " للعلامة التجارية الفاخرة لحضور حدث Watches and Wonders في شنغهاي.

عندما أصبح ذلك مستحيلًا، قرر بدلاً من ذلك الانضمام إلى العرض باعتباره صورة ثلاثية الأبعاد بالحجم الطبيعي. ظهر بدقة 4K، وكان قادرًا على التحدث إلى الأشخاص الذين كانوا يحضرون الحدث جسديًا ورؤيتهم وسماعهم.

"لقد أرسلناه من مكتبه في شافهاوزن بسويسرا إلى الحدث في شنغهاي، لقد فعل ما كان سيفعله لو كان تمكن من السفر، تحدث مع المديرين التنفيذيين الآخرين، وحتى كشف النقاب عن ساعة جديدة، كل ذلك في الوقت الفعلي"

 ديفيد نوسباوم ، رئيس شركة بورتو

لا يمكن لأحد أن يُنكر حقيقة أن الحجر الصحي الذي فُرض على العالم قد غير من القواعد المتعارف عليها، خلال عام 2020 شاهدنا العديد من الحفلات الافتراضية لنجوم الغناء في مختلف بقاع الأرض، وبدلًا من تحمّل عناء الذهاب للحفلات والتقيد بسعة المكان وعدد تذاكر مُُعين، تمكن الملايين من المعجبين من متابعة مطربيهم المُفضلين عبر الحفلات الافتراضية من منازلهم.

مع تقنية الهولوغرام، تجاوز الأمر حدود التوقعات والمنطق أيضًا، باستخدام التقنية  شاهدنا إقامة حفلات لنجوم رحلوا عن عالمنا بالفعل، حيث ظهروا على المسرح بحجمهم الطبيعي وقاموا بأداء أغانيهم أمام المعجبين، كما رأينا في دار الأوبرا في دبي عام 2019، عندما تم إحياء حفل باستخدام تقنية الهولوجرام لكوكب الشرق "أم كلثوم" .

دار الأوبرا في دبي -2019، أثناء إحياء حفل باستخدام تقنية الهولوجرام لكوكب الشرق "أم كلثوم" .

تحديات مُنتظرة تلوح في الأفق

بينما يبدو الكلام بالأعلى سلسًا ومثل "السكينة في الحلاوة" ولكن الأمور ليست وردية في عمومها، هناك تحديات منتظرة قد تقف عائقًا حيال ذلك التحول.

يتطلب إجراء مكالمة هولوغرام دولية معدلات بيانات عالية وعلى هذا لا يمكن إكمالها بنجاح إلا بسرعات شبكة 5G، الهواتف الذكية التي تعمل على شبكة 5G قادرة على دفق البيانات وتنزيلها بمعدلات أسرع، ولكنها ما زالت في مرحلة النمو. بمجرد دعم شبكات 5G على نطاقٍ أوسع خلال السنوات القليلة المقبلة يمكن القول أن التحدي الأكبر الذي يحول دون أن تغزو التقنية عالمنا يكون قد هُزم.

يتنبأ عالم المستقبل "جيمس بيليني" أنه بحلول عام 2030، يمكننا جميعًا استخدام الصور المجسمة للبقاء على اتصال بأقرب الناس لنا، ومع تقدم التكنولوجيا بالسرعة التي هي عليها الآن، لن يكون من الغريب أن تكون الصور المجسمة شائعة في المنازل والمؤسسات الحكومية وغيرها، ولكنها ستحتاج وقتًا أكبر للوصول للدول النامية بطبيعة الحال.

مع هذا، فإن التطورات في التكنولوجيا بسرعة البرق تعني أن الصور المجسمة، أصبحت الآن خِيارًا قابلًا للتطبيق، ومع ظهور PROTO M على أرض الواقع يبدو أن هذا النوع من الاتصالات الافتراضية أصبح أقرب من أي وقتٍ مضى إلى أن يكون هو الشكل الطبيعي للاتصالات، ما يعني أن تقنية الهولوغرام ستكون الطريقة التقليدية لبدء مكالمة فيديو في السنين القادمة.