حقق مسلسل المداح عندما عرض ضمن مسلسلات موسم دراما رمضان 2021 نجاحاً جيداً، مما دفع صناعه إلى خوض المغامرة من خلال جزء ثانٍ، مع تغيير بعض الممثلين واستمرار آخرين وإضافة أحداث وشخصيات جديدة، ويستمر العمل في جذب الجمهور وفتح النقاشات عنه في مجموعات الفيسبوك وعبر صفحات منصات التواصل الاجتماعي، كما أن عرضه على شاشة تجذب كثيرًا من الجمهور مثل إم بي سي، وفر له فرصة أكبر ودليلًا على اهتمامهم بنجاح العمل، ولكن هذا المسلسل يثير كثيرًا من التساؤلات.

خلطة السحر التي تأثر الجمهور بها

ويعتمد هذا النوع الدرامي -الإثارة والرعب- على وجود عدة شخصيات وجزء من متعة النوع خلق حالة من الشك لدى المشاهد، وطرح تساؤلات حول النهاية وكشف الغموض وإن كان معروفًا الفاعل أو محرك الأحداث يكون الشك مبنيًا على كيفية كشف البطل لهذا الشخص والوصول إليه، وتكون الشخصيات الثانوية مثل خيوط تعمل على تعريف المحقق بالمجرم وتقوده إليه. 

يعرف العمل المعتمد على حبكة الإثارة أنه العمل الذي يخفي بعض الحقائق والمعلومات عن الجمهور ويكشفها بالتدريج، وتُعرف الحبكة بـ"أنها الإطار العام للحدث، وتتضمن الشخصيات الأساسية في مواقف معينة، وتشير الأحداث باتجاه التعقيد حيث تضطر الشخصيات للقيام بأفعال درامية معينة، ما يؤدي إلى خلق سلسلة من الأزمات والمصاعب التي تزيد الأمور تعقيدًا حتى تصل إلى الذروة الدرامية، ثم تبدأ خطوط الحبكة في الاتجاه نحو الحل، ونقاط الحبكة هي المواضع التي تسهم في دفع القصة إلى الأمام وتشمل كل التعقيدات أو الأزمات والعقبات التي تواجه البطل، وتدفعه لأخذ مواقف درامية معينة" وذلك وفق كتاب "فن كتابة السيناريو".

اعتمد الجزء الأول على بناء منطقي للحبكة من خلال قصة البحث عن الآثار، وهو أمر معروف وشائع استعانة من يبحثون في مقابر ملوك مصر القديمة ببعض المشعوذين أو من لديهم القدرة على التسخير واستغلال كتب السحر لمحاولة سرقة ونهب هذه الكنوز، ومن ثم ارتباط صابر المداح -حمادة هلال- بهذه البنية من خلال والده -أحمد بدير- الذي كان يعمل في نفس الشيء مع  غالب -جمال عبدالناصر- في مرحلة ما من حياته،  وانتهى العمل بسيطرة صابر على هذه الأعمال وحرقه لكتب السحر، وكان الجزء الأول من تأليف أمين جمال وشريف يسري وإخراج أحمد سمير فرج، وبنفس فريق العمل مع تغير البطلة من نسرين طافش إلى هبة مجدي وزيادة بعض الشخصيات مثل كمال أبو رية وسهر الصايغ وأحمد عبدالعزيز وولاء الشريف، استكمل حمادة هلال الجزء الثاني من العمل.

وبالرجوع لهذا الجزء نلاحظ وجود شخصيات فرعية لخدمة الحبكة والدفع بالأحداث، فسوف نجد أن العمل حشد له الكثير من الشخصيات لكي تظهر في إطار "الكماشة" أو الطوق الذي يقيد صابر من كل اتجاه لكي يستسلم ويتنازل عن الأرض، حيث يحمل الجزء الثاني اسم أسطورة الوادي، وفي ظل محاولة سيطرة (الجن) على هذه الأرض وتنازل صابر عنها يحاولون التضييق عليه بشتى الطرق، ولكن هل كان هذا مقنعاً؟ ولكنه في الحقيقة لم يكن وجود هذه الشخصيات إلا لسبب واحد هو زيادة الزخم على الشاشة وتفرع الأحداث بالإضافة إلى خلق قصص جذابة للجمهور، تجعله يستمع في متابعة الحلقات التي تتعمد في كل مرة أن تنتهي بمشهد مخيف ومثير، ليس بدافع احتياج دراما العمل لذلك، ولكن لخلق الخلطة المحببة للجمهور في التشويق والإثارة والجذب على حساب فنيات العمل نفسه. 

في بداية العمل عندما ظهرت ملك لصابر ادعت أنه خانهم ولذلك هي تحاول الانتقام منه ومما فعله عندما حرق كتب السحر، ولم يكن الحديث يتطرق لأي غرض آخر، وهو ما تؤكده ملك في كل مرة تظهر فيها، ويؤكده الشيخ عبدالرحمن وجميلة، ثم تتغير الأحداث إلى قضية الأرض فيما بعد، لخلق نوع من الإثارة المستمرة لدى المشاهد، والتي تضج بظهور الشخصيات التي حلم بها صابر أثناء سفره، وهي شخصيات من المفترض قد صابها مس شيطاني، ولكن ما علاقتها بالحدث الرئيسي؟ ولماذا حاولت مليكة إيذائهم؟ وما الهدف الدرامي لذلك؟ وما تأثيرهم؟ كل هذه الأسئلة إجابتها أنهم لم يكن هدفهم إلا إثارة الأحداث لجذب المشاهدين المحبين لأجواء السحر والشعوذة بطبيعتهم الثقافية والفكرية التي تترسخ داخلها هذه الأفكار ويدعمها العمل بقوة.

اقرأ أيضاً: واجهت الجن في المداح 2 والجزء الثالث طموح.. حمادة هلال يتحدث لأراجيك فن

في مسلسل المداح.. سوف تشعر بالخوف بالقوة!

حالة من الظلام سادت مشاهد مسلسل المداح بصورة مبالغ فيها حتى في المشاهد التي لا تتضمن أي أحداث مخيفة أو مرعبة، أو توجد بها مليكة، حتى في الحياة العادية للأشخاص، وحرص مدير التصوير على خلق حالة من الغموض من خلال اللجوء إلى الإضاءة المعتمة في كثير من المشاهد حتى التي لا تحتاج إلى ذلك، "مصادر الضوء أو وسائل الإضاءة هي العنصر الثالث في أدوات مدير التصوير مع آلة التصوير والعدسات، وكان يرى مدير التصوير عبدالعزيز فهمي أن الضوء هو الأساس الأول في بناء الصورة وأن المصادر الضوئية ليست مجرد أدوات أو أجهزة للإنارة وإنما هي أشبه بالحروف فيمكن استخدامها في تكوين جمل ضوئية أشبه بالجمل الكلامية أو الجمل الموسيقية وهي وسيلة مهمة في مدير التصوير" بحسب ما ورد في كتاب سحر السينما لـ علي أبوشادي. 

ولكن هنا في مسلسل المداح ربما كان صائباً توظيف الإضاءة المعتمة في مشاهد معينة، وفي مشاهد أخرى كان لا يتضح من ملامح الشخصيات إلا جزء منها وذلك لفهم غموض الشخصية وعدم اكتشاف حقيقتها كاملة، وإن كان ذلك صائباً في هذا الجانب فإنه لم يكن في مرماه الصحيح عندما تم تعميمه على أغلب مشاهد المسلسل. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن هدف صناع العمل هو خلق حالة من الخوف واهية وغير مبررة فقط لجذب المشاهد كما ذكرنا، وكأن كل همهم هو استمرار المشاهد في متابعة عملهم حتى النهاية، وهو هدف مشروع ومفهوم، ولكن غير مفهوم أن يكون ذلك هدفهم الوحيد وفي سبيله تخلق الدراما داخل العمل، من خلال تكرار مشاهد معينة مثل مواجهة صابر ومليكة التي تتكرر دون داعٍ فقط من أجل ترديد كلمتين "مش هتقدر يا صابر"، ومن أجل نفس الهدف نجد أن جميع من  لهم علاقة بصابر حتى من بعيد يحاول (الجن) إيقاع الضرر بهم. 

يخلط العمل بين الفكر غير المعقول وهو محاربة الجن للبشر للسيطرة على قطعة أرض، وبين الفانتازيا لخلق عمل يتنافى مع المنطق ولكن مبررهُ الفنتازي يجعلنا نتقبله بعض الشيء، لكنّ هذا لا يصل للمشاهد البسيط الذي يصدق ويؤمن في الأسعار والشعوذة وكتب السحر وقدرتها على إفساد حياة البشر لأسباب دينية وأسباب أخرى مرتبطة بالمعتقدات المتوارثة، وهذه الخلطة المدعومة بخلفية ثقافية تصدق السحر بالإضافة إلى حالة الغموض المطلق التي يخلقها المسلسل جعلت منه منتجًا رائجًا ومتابَعًا بين الجمهور، وإذا نجح العمل في المحافظة على جذب الجمهور ومتابعته، فهو لم ينجح في خلق عمل درامي متماسك.