على خلاف العام الماضي؛ يعود أحمد مكي هذا العام متألقًا بمسلسل الكبير أوي الكوميدي الشهير للعام السادس، ليكتسح موسم الدراما الرمضانية الحالي ويحقق أعلى المشاهدات متفوقًا حتى على برنامج رامز جلال الشهير للمقالب.
تبدو عناصر النجاح كثيرة في هذا العمل، كما نشر في مقالٍ سابق على أراجيك فنّ، ولكنني هنا عزيزي القارئ أريد أن ألفِت نظرَك إلى وجهة نظر مختلفة تمامًا وأتساءَل معكَ هل يعتمد المسلسل على الكوميديا فقط؟

يطرح مسلسل" الكبير أوي" في هذا العام عدة قضايا إنسانية، ومهمة جدًا، بطريقة ذكية كأنه يريد أن يمررها إلى العقل الباطن للمشاهد، ويترك لعقله الواعي الكوميديا الخام لتضحكه وتبعث في نفسه السرور، تمده هذه القضايا بثقل إنساني عجيب ومتوارٍ خلف الضحكات التي يرسمها على الشفاه، فماذا يقول لنا مسلسل " الكبير أوي " هذا العام؟

اكتئاب الأكل القهري.. ماذا حدث لجوني؟

شخصية جوني هي الشخصية المختلفة أو المعاكسة لشخصية الكبير، فهو الأخ الأصغر الوسيم ذو الشعر الأشقر، الذي يجيد غناء الراب ويجيد الرقص باحترافية عالية، ولد وعاش عمره في أمريكا، فهو "خواجة" كما يصفه الكبير دومًا!

أطلّ علينا جوني هذا العام في مفاجأة من مفاجآت المسلسل، بحال مزرية وتعيسة، وبدت عليه معالم الاكتئاب الشديدة والحزن، منغلقًا على نفسه، محاطًا بكل أنواع الأطعمة والمشروبات الضارة مثل المشروبات الغازية والشوكولاتة والشيبسي وقد زاد وزنه بشكل كبير ولم يعد يستطيع التحكّم في شهيته والسيطرة عليها، ويخشى أن يظهر وسط أهل المزاريطة بعدما فقد إطلالته الأنيقة المعهودة فماذا حدث له؟

يعد اضطراب الأكل القهري أو ما يسمى متلازمة الشره القهري أحد الاضطرابات النفسية في تناول الأكل، والذي يدفع المصاب بها إلى تبني عادات أكل ضارة، مثل: الأكل الزائد بالرغم من الشبع وعدم الحاجة إليه، يسببه الضغط أو التوتر و القلق، كما يسببه الاكتئاب أيضًا، وقد تؤدي الاضطرابات النفسية إلى ما هو أسوأ من الاحتباس القهري داخل أروقة المطاعم و المطبخ و الحلويات الضارة و عادات الأكل المريرة..

وقد يستعمل معظم الأشخاص المصابون باضطراب الأكل القهري الطعام كوسيلة للتغلب على المشاعر السيئة؛ وذلك لأنهم لا يجدون مخرجًا آخر، ولا يدركون كيفية التصرف الصحيح في حالات الضغط والاكتئاب والعطب النفسي، مما يزيد حالاتهم سوءًا، كما أن كثيرًا من هؤلاء المرضى يعانون من شعور حاد بالذنب، بسبب عدم قدرتهم على التحكم بعاداتهم في تناول الطعام، ما يزيد الطين بلة ويؤدي إلى تفاقم الضغط النفسي. ولا يزال المسبب الرئيسي لاضطراب الأكل القهري غير معروف، وكما في اضطرابات الأكل الأخرى؛ يبدو أنه ناتج عن مجموعة من العوامل النفسية، والبيولوجية، والبيئية.

علاقة الأب المفترس بأولاده

تحتلّ شخصية الكبير هذا العام مساحة كبيرة من العمل، فكما رأينا في الأسبوعين الماضيين، تم اختزال شخصية جوني في أول الحلقات في فوهة الاكتئاب، ثم اختفاؤه المريب أثناء اللعبة التي دبرتها الكبيرة، ودارت الأحداث وتمحورت لفترة حول الكبير عمدة المزاريطة، وكانت علاقته بأولاده (العترة وجوني) قوية وواضحة، من الحلقة الأولى فالكبير رغم جبروته المعروف عنه أب حانٍ، وقلبه خفيف كما يقولون، يخضع أمام أطفاله، ويجالسهم ويمازحهم، ويتلاعب به الخوف عليهم، يحضّر لهم طعام المدرسة صباحًا بنفسه، وكأي إنسان سوي ذي قلبٍ، يتقبل أولاده بأسوأ ما يحدث لهم كما حدث لابنه (العترة) الصغير الذي أصبح كبيرًا فجأة بعد شربه لترياق الدكتور ربيع!

كما رأينا كم ظلّ الكبير أعزبًا عازفًا عن الزواج لأسباب كثيرة منها خوفه على أولاد من امرأة غير أمهم، وحتى الآن يظل المسلسل متكئًا على هذه العلاقة الوطيدة للعمدة المهيب بصغاره.

زوجة أب طيبة بدلًا من تلك الشيطانة المعهودة!

"مربوحة" كلمة السرّ لهذا العمل، البطولة النسائية هي فاكهة الأعمال كلها، تمامًا مثلما أنّ المرأة هي فاكهة الحياة، مربوحة شخصية قوية وقيادية، عنيفة أحيانًا، تبدو كامرأة حديدية اختارتها العمة الكبيرة لأنها تعتقد أن شخصيتها مناسبة للكبير تمامًا، وما إن تمضي الحلقات حتى يتجلى لنا الجانب الرقيق الفاتن من مربوحة، الجانب الذي يعشق زوجه ويحاول إسعاده بكل الطرق، والجانب الذي تتحقق فيه" كأنثى" و تظهر شخصيتها بأوضح ما يكون حين تضحي بروحها حتى لا يموت ابن زوجها في لحظات امتزجت فيها الكوميديا مع الدراما!

الكبير أوي يستحضر مفهوم التنمر

يستدعي صنّاع العمل الأذكياء حقًا أكثر شخصية متنمرة بارزة في رمضان الفائت، فتاة المدرسة المتنمرة الكبيرة في مسسلسل خلي بالك من زيزي بكلماتها العالقة في ذهن المتلقّي (يا فلاحة) حيث تخلق حالة طويلة من المرح، فلا تتنمر هذه الفتاة فقط على الابن الكبير (العترة)، ولكنها تصل إلى حدّ التنمر على الكبير نفسه ورجاله الذين يرهبون البلد
(أشرف و فزّاعة)!

ماذا يريد منّا (مسلسل الكبير) إلا إثارة هذه المأساة بين الطلاب الصغار بل والكبار أيضًا، إلا التذكير بفزّاعة من فزّاعات المجتمع المسمّاة بالتنمر في قالبه الكوميدي المعتاد!

في الكبير أوي.. لا يزال لحب هدية مكان!

ثمّة حبيبة غائبة، ولكنّها حاضرة على الدوام، لم يختر صنّاع العمل تنحية (هديّة) زوجة الكبير السابقة من العمل تمامًا سواءً بالموت أو التجنب التام لذكرها، فعلى الرغم من اعتذار الفنانة دنيا سمير غانم عن العمل في الكبير منذ أكثر من موسم إلا أنّ شخصية الكبير مازالت تصرّح بحبها لهدية في أول الحلقات، كما يتجلّى حضورها في كلام أولادها عنها و لو لم يكن لذلك مشاهِد كثيرة، وأظنّ أنه مازال المشاهِد – كصنّاع العمل- لا يعرفون نهاية محددة وواضحة لشخصية هديّة التي ربما نراها مطلّة علينا في إحدى الحلقات يومًا أو في أجزاء أخرى!

وبلا شكّ يعد مسلسل الكبير هذا العام طفرة في رحلة المسلسل ذاته، وفي رحلة أبطاله سواءً القدامى أم الجدد، لا أحد يمكنه إنكار كون العمل عظيم وكون شخصيات المسلسل الثلاثة قد حفرت في وجدان المشاهدين وقلوبهم قبل أن تحفر في ذاكرتهم وعقولهم!

فالكبير مسلسل مستمرّ وأتوقع له كما يتوقع محبوه المزيد من الاستمرار والنجاح في الأعوام القادمة.

اقرأ أيضاً: أبرزها عدم مصادمة الجمهور في أخلاقه ودينه.. كيف حقق الكبير أوي هذا النجاح الساحق بأجزائه الستة؟