اسم “آلان سوركين” يكفيك لتقرر الذهاب وشراء تذكرة سينما لحضور فيلم، أو تصفح أي منصة رقمية تعرض فيلمًا له، ومتابعته، وذلك بفضل السمعة الحسنة والأثر الطيب الذي تركته أعماله السابقة، في الأوساط الفنية السينمائية، وفي قلوب الجماهير، كسيناريست وكاتب يتقن حرفته.

فيلم Being The Ricardos يعد تجربته الإخراجية الثالثة في عالم الفن السابع، والذي بدأ عرضه من 10 ديسمبر/كانون الأول 2021 في الصالات السينمائية وفي 21 ديسمبر على شبكة أمازون برايم فيديو.

الفيلم ينتمي لنوع السير الذاتية، يجمع نخبة من الممثلين الجيدين، على رأسهم “نيكول كيدمان” في شخصية “لوسيل بول”، و“خافيير بارديم” في شخصية “ديزي أرناز”، ضمن عملٍ درامي يتناول الحقبة الزمنية الأفضل، والمفصلية كذلك الآمر في حياة الزوجين.

“أنا أحب لوسي”

يلقي بنا الكاتب والمخرج آرون سوركين في حياة أشهر ثنائي عرفته آمريكا في تاريخ التلفزيون من خمسينيات القرن العشرين، وعلى مدار 125 دقيقة من الوقت، يصور لنا كواليس حياة الزوجين الذهبيين لوسيل وديزي المهنية، وتحديدًا من خلال أسبوع واحد نقضيه معهم في أروقة التلفزيون، في التحضير لإحدى حلقات برنامجهم التمثيلي الكوميدي الهزلي “أنا أحب لوسي”، وهم يقضون أربعة أيام من الأسبوع في التحضير لما سيتم عرضه في ليلة الجمعة.

لكن هذا الأسبوع مزدحم بالعمل، والمشاكل التي سرعان ما ستعكر صفو الأجواء، يواجهون أزمات مختلفة، الأزمة الأولى تهدد في نسف تاريخ لوسيل المهني، حيث ألقى الإذاعي “والتر وينشل” خبرًا جاء كالصاعقة على مسمع لوسيل وزوجها وفريق عمل مسلسلها والإنتاج، مفاده أنها كانت شيوعية.

الغريب انتشار الخبر رغم تبرئتها بأشهر من قبل لجنة الأنشطة غير الأمريكية في مجلس النواب، في جلسة استماع سابقة، هي اعترفت بانتسابها إلى الحزب ولكن لم تتواجد في أي اجتماع، فعلت ذلك لإرضاء جدها الاشتراكي.. هذا ما أرادت التصريح به لحماية مهنتها.

والثانية كانت انتشار خبر خيانة زوجها الموسيقى الكوبي ديزي أرناز لها في واحدة من الصحف الشعبية، أما الأزمة الثالثة إعلامهم لشبكة “سي بي إس” خبر انتظارهم مولود جديد، الأمر الذي يعد كارثة للشبكة التي تذيع برنامجهم الساخر، كونها لا تفضل مشاركة جمهورها تلك المواضيع، وكيفية إنجاب الأطفال، هذه الأمور لم تناسب تلك الفترة الزمنية.

الحبكة أضلت طريقها

تم بث السيت الكوم على شبكة سي بي إس في 15 أكتوبر /تشرين الأول، وامتدت إلى 180 حلقة توزعت على ستة مواسم، كان يشاهدها 60 مليون شخص أسبوعيًا.

والجدير بالذكر أن التحديات والصعاب التي واجهة الزوجين امتدت لسنوات عديدة، لكن سوركين ارتأى تقديمها في أسبوع، يفضل التكثيف الدرامي في أفلامه، هو كاتب شمولي في سيناريوهاته، ورائد في مجاله، يجيد التطرق في شؤون السياسة، ملعبه -ولو لم يركز عليها كثيرًا كما في Being The Ricardos- والحديث عن التاريخ والثقافة والإعلام والصراعات الاجتماعية، هي مواضيع دائمة الحضور في أعماله.

لكن هذا النص ليس الأكثر نضجًا في تاريخه مع التأليف، الحبكة هنا تبدو أنها أضلت طريقها (وهو من صرح في زمانه أن الحبكة ليست إحدى نقاط قوته)، ما أنقذ الموقف الحوارات الجميلة، وإن كان من اللازم الاستغناء عن بعضها، لكثرة الجدالات بين الشخصيات، والتي لا نفع لها، أيضًا الأداء التمثيلي للأبطال كان لافتًا، يحسب له حسن اختياره للممثلين كل واحدٍ في مكانه.

كما أن فكرة التحضيرات التي تسبق العرض، من قراءات الطاولة بين الممثلين ومناقشة الحوارات مع المخرج والمؤلفين، برمتها جميلة.

أما بالنسبة للإخراج دائمًا ما يكون أقل من نصوصه الفنية، لا شيء يبهر هنا، عدا مشاهد الأبيض والأسود، ممتعة، تخيلات لوسيل لمشاهد لوسي تلعب في رأسها، ومشهد طاولة الطعام الذي يأخذ حيزًا واسعًا من العرض.

لا أفهم سبب إصراره على تقديمه كفيلم وثائقي في جزئية منه، من خلال تضمينه مقابلات مع أشخاص مزيفين، على أنهم المؤلفين الذين عايشوا تلك الفترة، هذه نقطة سلبية للفيلم. هل كان يريد من خلال تلك اللقاءات إضفاء صفة شرعية ما؟!

الغولدن غلوب تقول كلمتها

في حفل جوائز الغولدن غلوب وبدورته الـ 79، تحصلت النجمة “نيكول كيدمان“ على جائزة أفضل ممثلة فيلم دراما، من تابع أداءها لا يستهجن النتيجة، حقًا إنها قدمت دورها بحرفية وتميز، تمكنت من نقل الصراع النفسي الذي تعيشه الشخصية إلى الشاشة، وأن تتقمص الدور بشتى حالاته، وانفعالاته، تحقيق التوازن بين الحركة الجسمانية والحدث الآني الدرامي، قامت بعمل رائع في تصوير حياة شخصيتين مختلفتين، في الدراما والكوميديا، المشهد الذي تظهر فيه لوسي وهي تدوس على وعاء من العنب وتفقد قرطًا فيه مثير للإعجاب، تمثيلًا وإخراجًا.

كذلك، صراع لوسي المشترك وزوجها أرناز الممثل “خافيير باراديم” -الذي شكلت معه ثنائية متناغمة ناجحة- وما تفرضه حالة النجومية والشهرة، والمزاجية التي تحيط تلك العلاقة، والشغف الذي يحركها في حبها لزوجها ورغبتها الجامحة في الحفاظ عليه، وحب مهنتها وتعطشها الدائم لحالتها الإبداعية. بصريح العبارة كانت وخافيير الورقة الرابحة في يد “آرون سوركين”.

آرون سوركين وغروره ككاتب

على موقع IMDb نال العمل 6.6/10 من تقييم النقاد، وفي موقع Rotten Tomatoes جمع 68% من أصواتهم.

يقول الناقد “ريتشارد برودي” من موقع “ذا نيويورك”: قد يتطلب الأمر كاتبًا يتمتع بإحساس أكثر حرية بالدراما، ومخرجًا بمخزون تحليلي موسع لرفع فيلم “كونك الريكاردوس” إلى مستوى جيد من الوعي التاريخي والاضطراب الذاتي، ومع ذلك فإن فيلم سوركين فعل ذلك بالنهاية.

اعتبر الناقد “ستيف كاتز” أن انتقال سوركين إلى كرسي المخرج كان جيدًا ولائقًا قبل هذا الفيلم، لكن كونه الريكاردوس هو أول خطأ حقيقي له، وهي حالة لا تستطيع فيها مهارته ككاتب التغلب على غروره ككاتب.

اقرأ أيضا: فيلم El páramo.. الجحيم ليس الآخرين بل أوهامنا