ما الذي يتبادر إلى ذهنك عند سماعك كلمة "كوميكس"؟ أو عندما تقرأ خبرًا عن وجود مهرجان للكوميكس يُقام سنويًا في القاهرة، هل ستتحمس للذهاب أم ستعتقد أن الكوميكس مرتبطة بالأطفال أو بالسخرية والترفيه فقط على مواقع التواصل الاجتماعي!

حسنًا حتى وإن كنت ممن يعتقدون ذلك، فبالتأكيد ستُغير رأيك بمجرد الانتهاء من قراءة السطور التالية التي سنصطحبك خلالها في جولة محددة الوجهة، نحو 2 من المشاريع الأكاديمية المشاركة في آخر مهرجان للكوميكس، وقد استخدم أحد تلك المشاريع الكوميكس في سرد قصة ورق البردي المعاصر، أما الآخر فاستخدمها للتوعية بقضية وطنية وهي قضية آثار مصر المسروقة، حيث سنتعرف أكثر فيما يلي على تلك المشاريع، وعلى أهدافها وكيفية استخدامها للكوميكس، وأسباب اختيارها لهذا الفن تحديدًا لمساعدتها في تحقيق أهدافها، وكيف مزجت بين العلم والفن.. المعلومات والترفيه؟  

كما سنتوجه أيضًا إلى جانب آخر من الكوميكس لنتعرف أكثر على هذا الفن الشائع الآن على السوشيال ميديا، والذي من خلاله يرى الناس أنفسهم، حيث يعبر عما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.

 لكن بدايةً وقبل كل شيء دعونا نعرف أولًا ما هي الكوميكس؟

ليست ميمز السوشيال ميديا

الكوميكس والميمز، يعتبرهم البعض شيئًا واحدًا، لذلك علينا أن نفرق بينهم، ليتضح لنا تعريف الكوميكس أكثر.

فالكوميكس هي فن القصص المصورة ويطلق عليها الفن التاسع، وتصنف كعمل فني أدبي، وتكون عبارة عن مشاهد أو رسومات متتالية في كادرات، تحكي قصة باستخدام النصوص البسيطة والتعليقات وبالونات الكلام، ولا يشترط أن تكون قصة الكوميكس كوميدية، بل ممكن أن يتم سرد قصة رعب أو تاريخ باستخدام هذا الفن، ومن أشهر أمثلة الكوميكس، مجلات ماجد وميكي وسوبرمان.  

أما الميمز "Memes" فمرتبطة بالإنترنت ويتم تداولها بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي للسخرية والتعليق على أحداث معينة، وتكون عبارة عن صورة من مسلسل أو فيلم أو برنامج مصحوبة بنص ساخر، وبالرغم من إطلاق كلمة كوميكس عليها من قِبل عدد كبير من مستخدمي السوشيال ميديا، إلا إنها ليست فن القصص المصورة الحقيقي "الكوميكس".

 والآن بعد أن أصبحنا نعرف ما هي الكوميكس تحديدًا، سنبدأ وجهتنا نحو مشاريع الكوميكس التي تتخطى أهدافها الترفيه:

البردي بين الماضي والحاضر.. قصة تحكيها الكوميكس

منذ عصور سحيقة مضت اخترع المصريون القدماء ورق البردي واستخدموه في الكتابة، وبسبب ارتفاع ثمنه، كان يتم تصديره للأغنياء في الإمبراطوريات الرومانية والأغريقية، حتى اخترعت الصين ورقًا جديدًا مصنوعًا من لحاء الشجر أو قش الأرز، وبسبب توفر تلك النباتات أصبح سعر هذا الورق أرخص، وأكثر تداولًا، ومن هنا انتشر الورق الصيني في العالم ومضى عصر ورق البردي، إلى أن تم إحياءه مرة أخرى فأصبح استخدامه قاصرًا على الهدايا التذكارية فقط.

لكن حكاية ورق البردي لم تكن بتلك البساطة، فبين اختراعه، واختفائه، وعودته مرة أخرى كمنتج تذكاري في عصرنا الحالي، حكايات قررت أن تحكيها عبلة البحراوي، المعمارية والباحثة في مجال التنقيب على الآثار، في كتابها القائم على الكوميكس "احنا بتوع البردي".

بدأ العمل على مشروع "احنا بتوع البردي" عام 2017، حين تساءلت الباحثة عن سبب استمرارية صناعة هذا الورق رغم حصر استخدامه في المنتجات السياحية فقط؟ وعن طريقة صناعة البردي الموجود الآن، فهل يتم تصنيعه آليًا لذلك سعره رخيص؟ أم يُصنع يدويًا مثل البردي الفرعوني؟ وللإجابة عن تلك التساؤلات؛ خاضت الكاتبة رحلة بحث بدأتها من القرية الفرعونية بافتراض أنها منبع البردي الحالي في مصر، وخلال تلك الرحلة ساعدها 5 شخصيات هم الشخصيات الأساسية في الكتاب، وهم المسؤولين عن صناعة ورق البردي في مصر.

وعن محتوى الكتاب تقول عبلة البحراوي: يتكون الكتاب من 5 فصول، حيث يصطحب القارئ في رحلة لاستكشاف أسرار البردي المصري اليوم، ومعرفة المسؤولين عن إعادة تصنيعه في عصرنا الحالي، وذلك من خلال الكوميكس، بالتعاون مع 6 فنانين.

لم يعتمد الكتاب على القصص المصورة وحدها في سرد القصة بل هناك جزء كُتبت فيه القصة نصًا باللغة الإنجليزية وبالعامية المصرية، وتوضح الكاتبة سبب ذلك قائلة: "فكرة الكتاب في البداية كانت معتمدة على الكوميكس فقط، لكن اتضح بعد ذلك أن الكوميكس لن تكون كافية وحدها وأن الكتاب بحاجة إلى نص ليكون أكثر وضوحًا".

أما عن سبب اختيار الباحثة للقصص المصورة لتكون هي أساس الحكاية فتقول: "قصة البردي كانت رحلة لا أريدها أن تكون مجرد سرد، ولا أن تكون في شكل كتاب أكاديمي، فتوصلت في النهاية إلى أنها بحاجة للحكي في شكل رسم. واخترت الكوميكس تحديدًا لأن القصة بها جوانب طريفة ولها شكل التحقيق، ولأن المعلومات لا نستطيع قبولها كحقائق مطلقة، فكان تسلسل الأحداث والوصول للمعلومات بحاجة لتوثيق تلك الرحلة بهذا الشكل".

لم تكن رسومات الكوميكس المستخدمة لسرد قصة البردي سهلة، فأحد الفنانين المشاركين في الكتاب وهو المهندس مصطفى يوسف، يوضح الأسلوب الذي استخدمه في رسم الجزء الخاص به قائلًا: "فكرت في حكاية القصة بالشكل المتعارف عليه للمصريين القدماء، بحيث يعطي الانطباع الأول للرسم أنها فعلًا شيء خاص بالمصريين القدماء، وفي نفس الوقت نحكي القصة بشكل جديد، فبدأت استخدم المعالجة البصرية الخاصة بالمصريين القدماء، واستعنت في ذلك ببعض البرديات القديمة، التي اقتبست منها البناء العام، وبكتاب الموتى؛ لأنه يحكي قصصًا بترتيب معين للمشاهد وبطريقة أفقية ورأسية، استخدمتها لحكاية قصتنا، واستخدمت الأسهم لمساعدة القارئ في معرفة ترتيب الحكاية المرسومة".

كتاب إحنا بتوع البردي دعمته منظمة هولندية وهي "creative industries fund"، لأنهم يرون أن البردي حرفة مهمة للبلد والبحث فيه والعمل عليه قد يسبب تقدمًا داخل مصر أو مصادر دخل أو الحفاظ على نبتة مصرية، فالكتاب لدى الداعمين ليس مجرد عمل فني، بل مشروع له أثر على أرض الواقع.

آثارنا المتغربة.. عندما يمتزج العلم بالكوميكس للدفاع عن قضية وطنية

"آثارنا مش بس فرعونية، لكن للأسف بعض ممارسات الاستعمار ساهمت في ترسيخ فكرة إن الآثار عبارة عن فراعنة بس. مثال على كده اللي حصل للدير البحري القبطي، لما اتهد على ايد البعثة الإنجليزية علشان يوصلوا لمعبد حتشبسوت الفرعوني اللي تحته. ومش باقي من الدير دلوقتي غير اسمه".. تلك هي إحدى المعلومات التي يقدمها مشروع آثارنا المتغربة، الذي يهدف إلى توعية المصريين بآثارهم الموجودة خارج مصر، وتعريف المتاحف في الخارج بأهمية الصوت المصري وبما عليهم من التزام أخلاقي تجاه المصريين أصحاب الآثار الموجودة لديهم، ويُقدم كل ذلك بالاعتماد على الكوميكس، لتبسيط المعلومات وتوصيلها لكل الفئات.

بدأ هذا المشروع عام 2013، حين قامت هبة عبد الجواد الباحثة في علم المصريات والمتاحف والتراث، بجمع المعلومات الأثرية، التي انتهت من جمعها عام 2017، وفي 2018 بدأت التعاون مع 3 من فناني الكوميكس، وذلك بدعم من معهد الآثار في كلية لندن الجامعية في إنجلترا، ومن 5 متاحف، وجمعية استكشاف مصر البريطانية.

وتحدثنا الباحثة عن أسباب اختيارها للآثار المصرية المتواجدة في متاحف العالم لتكون محور المشروع، قائلة: "بدأت مشروع آثارنا المتغربة بعد أن لاحظت نقصًا في المعلومات حول كيفية خروج بعض الآثار من مصر، كما أن حاليًا في الغرب أصبح هناك حركة تقوم بها المتاحف يتحدثون خلالها عن تاريخهم الاستعماري، لكنهم يتحدثون بفكر غربي وعنصري قائلين إنهم أنقذوا هذه الآثار وأنها أصبحت جزءًا من تاريخهم وتاريخ الإنسانية ولا علاقة لها بمصر، لذلك قررت من خلال هذا المشروع أن نتحدث عن تاريخنا الحقيقي بأنفسنا".

وتوضح هبة عبد الجواد التفاصيل التي يتكون منها المشروع قائلة: "المشروع يعد عملًا جماعيًا بالشراكة مع الفنانين والجهة الأكاديمية، وعلى مدار سنتين ونحن نتناقش للوصول لأفضل النتائج، حيث تم استخدام كل فنون الكوميكس للوصول للناس وتوصيل المعلومات التاريخية بصورة جيدة، فمن خلال كوميكس الأبطال الخارقين قام فنانو العصبة بحكي أسباب وطرق خروج الآثار من مصر، كما تعاونت الفنانة دينا محمد مع مشروع آثارنا المتغربة في الجانب الأثري من قصتها شبيك لوبيك، أما محمد ناصر فقد ساهم في المشروع من خلال رسم سلسلة ناصر وهبة وآثارنا المتغربة، والكوتشينة المرسومة بطريقة الكوميكس وكل رقم فيها يحتوي على معلومة تاريخية يمكنها إدخالها كل بيت".

وعن أسباب اختيار الكوميكس تحديدًا كفن لتوصيل رسالة المشروع قالت الباحثة: "الرسالة تستهدف كل الأعمار، لذلك اختارنا الكوميكس، لأنه قادر على تبسيط أعقد الأفكار وتوصيلها لكافة الأعمار والفئات الاجتماعية والثقافية بغض النظر عن مستوى التعليم، فحتى متابعة القصة من خلال الصورة فقط دون قراءة النص قد يوصل الرسالة أحيانًا، كما أن الهدف من العلوم هو إفادة الناس، فكلما كانت المعلومات العلمية متاحة للناس بشكل مبسط، كلما استفاد عدد أكبر وتحقق الهدف الأخلاقي من أي علوم، لذلك على الباحثين أن يفكروا بشكل أكثر تطورًا خارج القالب العلمي التقليدي لتناول الأبحاث والمعلومات، ومن هنا يتم فتح سوق جديد يجمع الفنانين والعلماء معًا".

ناصر جونيور وكوميكس المشاعر والعلوم

الاكتئاب، الانطواء، عدم القدرة على التعبير عن مشاعر الحب والامتنان، كل تلك الأشياء نمر بها وأكثر، وأحيانًا نعجز عن التعبير عنها، لكن بعض الأشخاص قادرين على التعبير عن تلك المشاعر بكل براعة، برسومات تبدو بسيطة "الكوميكس"، تجعلك تشعر أنك لست الوحيد الذي تمر بتلك الأشياء، بل ومشاركتك لتلك الكوميكس تجعل من حولك يفهموك أكثر.

أحد أشهر فناني الكوميكس في عالم السوشيال ميديا حاليًا، هو محمد ناصر المعروف بـ "ناصر جونيور"، مهندس الكمبيوتر ورسام الكوميكس، وأحد المشاركين في مشروع آثارنا المتغربة أيضًا، يوضح ناصر ما يميز هذا الفن عن غيره، وسبب حبه له قائلًا: "الكوميكس فن بسيط، أكون فيه الكاتب والمخرج والمصور، فمن خلاله أعبر عن مشاعري عن طريق تخيل المشهد ثم كتابته ورسمه ومشاركته مع الناس".

ويحدثنا أكثر عن طريقة عمله وعن كيفية اختياره للأفكار التي تجعله مميزًا لدى الشباب قائلًا: "كل فترة في حياتي لها كوميكس يعبر عنها، ومن ثم لها جمهورها الذي يمر هو أيضًا بنفس الأشياء، فمثلًا أيام المدرسة كنت أرسم كوميكس عن المدرسة، وأيام الجامعة أصبحت الكوميكس عن الجامعة، أما حاليًا فرسمي عن العمل والمشاعر التي يعجز الكلام عن التعبير عنها مثل الوحدة والتفكير الزائد، وشعور الناس بأن تلك القصص التي أرسمها تعبر عنهم، يساعد على انتشار الكوميكس، ويسعدني ويشجعني على الاستمرار وتطوير نفسي".

التعبير عن المشاعر ليست الكوميكس الوحيدة الهادفة التي يرسمها ناصر، فالمقالات العلمية أيضًا عبر عنها بالكوميكس؛ لتبسيطها وجذب أكبر عدد من الجمهور لقراءتها، حيث تم نشر تلك الكوميكس في النسخة العربية لمجلة "scientific American"، ثم بعد ذلك شارك في مشروع آثارنا المتغربة، ليقوم بتحويل المادة الأكاديمية التي لا تهتم بها كل الفئات، إلى أشكال بصرية قريبة من الناس.

تبسيط المادة الأكاديمية من خلال الكوميكس إضافة مفيدة للجمهور، لكنها مفيدة أيضًا للفنان المشارك في مشروع هادف، يوضح ناصر ذلك قائلًا: "من خلال مشروع آثارنا المتغربة أصبحت معروفًا لدى فئة أكاديمية داخل مصر وخارجها، وأصبحوا يتابعون أعمالي، ولأن المشروع ضخم وممول من جامعة لندن تمت متابعتي من قبل جمهور أجنبي أيضًا لم يكن سيعرفني سوى بمشروع علمي مثله".

 اقرأ أيضًا: المانجا والكوميكس والشرائط المرسومة .. لنتعرف هنا على أهم دور نشر القصص المصورة