3

ربما لم يفكر أبو خليل القباني، أنّ ما بدأه عاشقاً مجازفاً سيتحول في بلده إلى فنٕ له شروطه وأسسه واتجاهاته، أو أنّ غوايته تلك في ملاقاة عدد قليل من الجمهور، ستتحول إلى فُرجة شعبية على نطاق الوطن من خلال صندوق اسمه التلفزيون.

لدى الحديث عن المحطات الهامة في تطور وتراجع الدراما السورية، لا بد من أن يعرج المرء قليلاً على المسرح في سورية، أمّا لماذا؟ فلأن للدراما خصوصيتها من حيث تأثرها بمراحلها الحديثة بنشاط المسرح ولتشاركها مع المسرح بالعديد من الناشطين الذين وزعوا اهتمامهم على الجانبين.

جذور الدراما السورية

فلنلق نظرةً خاطفةً على المسرح في سوريا. في نهاية القرن التاسع عشر، كان الشيخ أحمد أبو خليل القباني يختبر نوعاً جديداً من الفنون غير معروفة قواعده، فهو مختلف عما يقوم به حكواتيو مقاهي دمشق، فن يعتمد على شخص يقال له المشخصاتي، أو أكتر من شخص يعرضون ما لديهم أمام مجموعة من الحاضرين، فيقدمون لهم قصة فيها من المتعة والفائدة ما فيها، وأحياناً يقدمون ما يقدمونه بالغناء والموسيقى، فن القباني الجديد لم يعحب السلطة الحاكمة وبعض القيادات الاجتماعية آنذاك، لتضمينه أحياناً بعض الانتقادات ولخرقه تقاليد المجتمع أحياناً أخرى، الأمر الذي نتج عنه رحيل القباني إلى مصر ليؤسس مسرحه الغنائي هناك.

تأثير المسرح على التلفزيون

كانت تجربة أبو خليل القباني البذرة التي أنتجت العديد من الفرق والتجارب المسرحية بعد ذلك وعلى مدار سنوات طويلة، وذلك حتى النصف الثاني من القرن العشرين الذي ذخر بالكثير من الأسماء المسرحية من أهمها الكاتب والمنظر المسرحي سعد الله ونوس، والمخرج المسرحي فواز الساجر، إضافة إلى تأسيس المسرح القومي وبعده ليس بكثير تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية، كل ذلك أسس لجيل جديد من المسرحيين عمل معظمهم فيما بعد ولأسباب كثيرة بالدراما التلفزيونية ما أثر بها في مرحلتها الحديثة إن صح التعبير وأعطاها خصوصيتها.

تأسيس التلفزيون السوري

ومن الضروري بمكان لوجود مادة تلفزيونية دراميّة أن توجد وسيلة لعرض هذه الدراما، لذلك فإنّ افتتاح التلفزيون السوري عام 1960م كان المحطة الأولى والمنطلق للدراما السورية، حيث تمت الاستعانة بخبرة بعض العاملين في الإذاعة وتدريبهم لإدارة أمور التلفزيون، كما أنّه تمت الاستعانة بالخبرات التمثيلية في الإذاعة والمسرح لتقديم تمثيليات تلفزيونية، لذلك كانت الأعمال الدرامية في بدايتها تُقدم بشكل فصول وتُبث على الهواء مباشرة، وكان أول عمل درامي تمثيلية الغريب التي مُثلت وقُدمت بشكل مباشر.
كانت هذه المرحلة الدرامية في بدايتها وبشكل خاص مرحلة الأبيض والأسود تعتمد بشكل كبير على ممثلي الفرق المسرحية التي كانت موجودة حينها، فهي لم تكن بعد في تلك الفترة قادرةً على تكوين هويتها الخاصة، فكان من أبرز وجوهها آنذاك نهاد قلعي، دريد لحام، ناجي جبر، رفيق سبيعي، ياسين بقوش وغيرهم، ومن أشهر أعمال تلك الفترة والذي لم يزل على قيد الحياة حتى أيامنا هذه، مسلسل صح النوم ومسلسل حمام الهنا، ومن أبرز مخرجي تلك الفترة سليم قطايا صاحب أول عمل يُعرض وهو تمثيلية الغريب، وخلدون المالح صاحب حمام الهنا وصح النوم.

دخول الألوان على التلفزيون

ومع بداية الثمانينات وبعد زيادة عدد ساعات البث، وتغطية مناطق أوسع وبدء البث بالألوان، دخل الإنتاج الدرامي مرحلة جديدة، فقد زاد عدد المشاهدين نتيجة زيادة الرقعة الجغرافية المغطاة، وتغيرت تجربة الإنتاج بدخول الألوان إليها.

أمّا فترة التسعينات فقد اتسمت بالاستقرار فالجميع أصبح يشاهد التلفزيون، وبدأت مرحلة جديدة تتسم بوضع القواعد والقوانين، حيث انتهت مرحلة التاسيس وبدأت مرحلة جديدة فدخلت الدراما السورية بداية مرحلتها الذهبية وبدأت ملامح التجديد مع رواد جدد.

ومن الرواد المؤسسين إضافة إلى المالح وقطايا نذكر شكيب غنّام، الذي تركزت أعماله قبل رحيله المبكر في فترة السبعينات والثمانينات، ومن أعماله الأجنحة ودليلة والزيبق، وأيضاً من المؤسسين الذين عاصروا التجديد غسان جبري ومحمد فردوس الأتاسي وله مسلسلا الطبيبة ومذكرات عائلة، وأيضاً علاء الدين كوكش الذي أخرج أسعد الوراق ورأس غليص وأبو كامل.

المرحلة الجديدة في الدراما السورية

الملامح الأولى لهذه المرحلة تعود إلى منتصف الثمانينات مع دخول عدد من الذين درسوا الدراما والإخراج في الخارج وعادوا ليعملوا في سوريا، إضافة لعلو صوت الفكر التنويري في الفن عموماً، ملامح هذه الفترة الجديدة ذات الخطاب التنويري بدأت تكتمل رويداً حتى وضوحها في التسعينات نتيجة عدة عوامل من بينها دخول تجربة الإنتاج الخاص وانتشار الفضائيات.
أحد أهم رواد هذه المرحلة هو هيثم حقي أستاذ الدراما السورية والمحوّل الأساسي في مسيرتها، وصاحب أول تجربة إنتاج خاصة، حيث يتوضح التجديد لديه على مستوى الشكل والمضمون، ورغم اعتنائه بزوايا التصوير والمشاهد الخارجية، إلّا أنّه يبقى مصراً على الاعتناء بالمضمون الذي سيُقدم حتى يكون مضمَناً برسالة وخطاب ذي طابع تنويري، فهو يقول: ليست الكاميرا هي المهمة، المهم ما ستلاحقه الكاميرا. يمكن ملاحظة ذلك في أعمال هجرة القلوب إلى القلوب 1990 والدغري 1992، وصولاً إلى خان الحرير والثريا وسيرة آل الجلالي، وربما يتفق الكثير من النقاد على إعطاء اسم الواقعية أو الواقعية الجديدة على هذه المرحلة، فهذه الواقعية الجديدة من حيث رصدها للحياة المعاشة والبعد عن تجميله والبحث عن حلول لمشاكله، مع رصد للواقع السياسي وربطه بالحياة اليومية، هذه الواقعية الجديدة كانت مرافقة للدراما السورية.

من الجدير ذكره أنّ من السمات المرافقة للدراما السورية، والتي تجلت أكثر في مرحلتها الجديدة والتي أعطتها طابعاً خاصاً، الأعمال التاريخية والكوميدية، الأعمال التاريخية التي نالت اهتماماً خاصاً من الدراما في سوريا والتي أعطاها صنّاعها نكهة خاصة، ووجود أعمال كوميدية ناجحة مثل مرايا، بقعة ضوء، ضيعة ضايعة، فقد فضلت الدراما السورية الكوميديا السوداء على كوميديا الڤارس.

أسماء جديدة في الإخراج

في هذه المرحلة ظهرت أسماء مثل غسان باخوس، مأمون البني، بسام الملا، باسل الخطيب، ونجدت أنزور، هذا الأخير الذي لا يمكن الحديث عن الدراما في سوريا دون ذكر اسمه، المخرج الإشكالي والذي اتفق الكثير أنّه يملك عيناً ساحرة، ففي عام 1994م عُرض لأول مرة مسلسل نهاية رجل شجاع عن رواية لحنا مينا، مسلسل بشروط انتاجية ضخمة وطبيعة مختلفة وجديدة، ثم تابع أنزور بعمل تاريخي ضخم هو أخوة التراب، وقدم بعدها فانتازيا الجوارح النمط الجديد والغير مألوف في الفضائيات العربية، ليعكر بذلك صفو صنّاع الدراما في سوريا ومصر، ولينقسم الجميع بأمره بين المؤيد بشدة والرافض بشدة والمحتار بأمره، ولتبق أعماله مدار أخذ ورد لسنوات.

إلّا أنّ جعبة أنزور الواسعة لم تكن غنية وراسخة بما يكفي لتؤسس اتجاهاً خاصاً ولتكسب استمراريتها، فقد أكثر من تكرار الفاننازيا إلى حد اللاجديد وربما يكون ذلك لأسباب إنتاجية، إضافة إلى أنّه عندما جرب في المعاصر كان بعيداً عن الواقعية، فيمكن القول إنّه ورغم النجاح الذي حققه على صعيد الشكل والصورة، إلّا أنّ سبراً لأعماله يُمكّن من التأكيد على خلوها من خطاب واضح أو مستمر.

الموجة الجديدة، تلاميذ هيثم حقي

طرأ على الدراما السورية حتى يومنا هذا تغيرات كثيرة شكلاً ومضموناً، تبعاً للتطور التقني وتبعاً للمواضيع المطروحة، وهناك أمور استمرت وبدت راسخة كأسلوب هيثم حقي في العمل، والذي استمر مع موجة جديدة من المخرجين مع تفرد كل منهم بأسلوبه وبصمته، أبرزهم حاتم علي والليث حجو.

حاتم علي الذي كان ممثلاً في دائرة النار وكاتباً في القلاع، وجد نفسه خلف الكاميرا بعد حين، فغامر بتجربة الإخراج وحقق رصيداً هاماً جداً قبل رحيله، حاتم الذي أخرج الكوميديا بطريقته مع كبارها، ياسر العظمة ودريد لحام، كان حضوره في التاريخي والاجتماعي دامغاً لا ينسى مثل الزير سالم، رباعية الأندلس، عمر، التغريية الفلسطينية، الغفران، عصي الدمع، العرّاب، وربما مسلسلي الفصول الأربعة وأحلام كبيرة أكثر الأعمال السورية قرباً من العائلة وقرباً من الحب وقرباً من الوجع، وأكثرها تشريحاً لمفهوم العائلة ضمن محيطها.

اختار حاتم علي الطبقة المتوسطة في المجتمع الدمشقي ليتناول مواضيعها برفقة مجموعة من الكتّاب، ريم حنا، أمل حنا، دلع الرحبي، حسن سامي يوسف، على عكس الليث حجو الذي ذهب إلى مجتمع العشوائيات بمسلسل الإنتظار تأليف حسن سامي يوسف ونجيب نصير، ليكون من أعظم ما قُدم بالدراما السورية من حيث ملامسته للمهمشين وطرحه للأسئلة الوجودية، وفي الشأن الاجتماعي قدم الليث حجو مسلسل الندم، إضافة إلى تجاربه الكوميديا الناجحة كبقعة ضوء، ضيعة ضايعة، الخربة.

إضافة إلى ما ذُكر من مخرجين برز في هذه المرحلة أسماء كرشا شربتجي، المثنى صبح، سيف سبيعي وغيرهم، وبعيداً عن الإخراج هناك أسماء أخرى من الممثلين الذين كان لهم دور كبير في إغناء هذه الدراما مثل خالد تاجا، أيمن زيدان، سلوم حداد، عباس النوري وغيرهم الكثير الكثير.

الدراما السورية تعيش أياماً عصيبة

ومما لا شك فيه وكما يعلم الجميع أنّ الدراما السورية اليوم ليست بخير والأسباب كثيرة، وربما تكون الحرب السورية الدائرة منذ عام 2011م السبب الأكبر في تراجعها، فهذه الحرب عطلت عجلة الإنتاج وأضعفت التسويق بسبب عزوف الكثير من المحطات عن شراء ما يُنتج، وكان السبب في هجرة الكثيرين، الأمر الذي دفع بالكثير للعمل بالأعمال المشتركة التي تفتقد إلى نكهة كانت تفوح من الدراما السورية فيما مضى، وعدا عن هذه الحرب كان للأزمة الاقتصادية العالمية دورها في إضعاف عجلة الإنتاح في سوريا بفترة من الفترات، نتيجة لعدم شراء الأعمال المنتجة من قبل المحطات الخليجية، وإذا ما تحدثنا عن الأسباب الذاتية داخل فضاء الدراما السورية سنرى أنّ تقليد الأعمال الناجحة وتكرار أجزاء منها وأعمال شبيهة بها، وأعمال البيئة الشامية خالية المضمون، والأعمال التي تعزف على وتر الإثارة، إرضاءً للجهة المنتجة، كل ذلك من الأسباب الذاتية أدى إلى إفقادها جديتها ومحتواها المعتاد عليه.

3

شاركنا رأيك حول "المحطات المهمة في تطور وتراجع الدراما السورية: أعمال، شخصيات، أحداث، أثرت في مسيرتها"