فيلم إن شئت كما في السّماء
0

عادةً ما يحاول صانعوا الأفلام إخفاء وجهة نظرهم الشخصيّة عن الجمهور عاملين بالمقولة الشّهيرة “السينما تطرح الأسئلة، ولا تجيب” إلّا أن المخرج الفلسطينيّ “إيليّا سليمان” في فيلمه الأخير It must be heaven أو “إن شئت كما في السّماء” 2019 له رأيٌ آخر، حيث اختار أن يلعب بنفسه دور الراوي الصّامت الذي يبدو حضوره الجذاب والغامض الرابط الوحيد بين مشاهد الفيلم المتوالية التي أسماها إيليّا بـ”اللوحات”، وكأّنه يحاول من خلالها عرض انطباعات سبق وأن رصدها بحسّه الفنّي الذكي والفريد، انطباعات تتّسم بالعفويّة وخفّة الظل إلّا أنّها تُخبّئ في داخلها معانٍ أعمق وأكثر سوداويّة تعبّر عن رؤيته للعالم المعاصر وبحثه عن وطنه المفقود على خارطته.

سيث روغن يصرح: دولة إسرائيل سخيفة ورجعية ومبنية على الأكاذيب بشأن أرض الشعب الفلسطيني

من مدينة النّاصرة الفلسطينيّة نبدأ الفيلم، مع أهلها المتمرّدين كلّ بأسلوبه ضدّ السّلطة القمعيّة التي نراها متمثّلة برجال الشرطة والأمن، فتارةً نرى شباباً هاربين من الشرطة الاسرائيليّة يثيرون صخباً في الشوارع الهادئة، وتارةً نرى فلسطينيّاً يواجه رجال الشرطة بأسلوب مليء بالاحتقار، أو نرى أسيرة فلسطينيّة معصوبة العينين إلّا أنّها تبدو قادرة على رؤية إيليا؛ كإشارة  للفلسطينيين القادرين على الإحساس بوطنهم والتعرّف إليه رغم ابتعادهم القسريّ عنه.

إيليا سليمان في فيلم "إن شئت كما في السّماء" 2019
إيليا سليمان في فيلم “إن شئت كما في السّماء” 2019

ما يميّز أسلوب إيليّا هو قدرته على دمج المتناقضات في لون واحد ولغة واحدة، فنسمع مثلاً أغنية مستمرّة لصباح فخري؛ لا تنقطع منذ جلوس إيليّا مساءً على شرفته في جوّ شتويّ بارد حتى خروجه في النهار المشمس نحو كروم الزيتون، أو نسمع صوت البحر الصّاخب مترافقاً مع أغنية لنجاة الصّغيرة كلازمة موسيقيّة تجمع بين الصراخ والهمس/ الدفء والوحشة.

حتى عزلة إيليّا تبدو مزيجاً من الحب والسأم الذي يشعر به تجاه بلده، تدفعه للبقاء بعيداً عن الآخرين في حالة من التأمّل والانتظار، حيث نجده جالساً لوحده في المقاهي أو الحانات أو في منزله الممتلئ بصور الغائبين وممتلكاتهم.

إلّا أن انتظاره لا يدوم طويلاً، فإيليّا يريد إيجاد “الجنة” بعيداً عن النّاصرة وحالة التوتر الخفيّ التي تسودها، فنراه دون سابق إنذار على متن طائرة قاصداً وجهةً لم يرد التعريف عنها بطريقة اعتياديّة، حيث اختار إيليّا جميلات باريس للتعريف بهذه المدينة التي كشفت تدريجيّاً عن وجهٍ آخرَ لها، وجهٍ أكثر واقعيّة وفوضويّة وأقلّ سحراً وتنميقاً، فبين بائع الورد الهارب من الشرطة الفرنسيّة والمشرّدين الذين يفترشون الشوارع ومظاهر التهليل للكرنفالات العسكريّة بدت هويّة المدينة ضائعة ومُنقسمة، وبدا إيليا مهدداً على الدوام حتى أثناء احتساء قهوته في أحد مقاهي الرّصيف الشاعريّة.

إلّا أن صورة باريس بشوارعها الكئيبة بدت أقلّ حدّة من صورة المدينة التالية التي قصدها إيليّا، وهي مدينة “نيويورك” الأمريكيّة التي استقبلته بشتائها الموحش وشوارعها القذرة ومواطنيها الذي يبدو كأنهم قد أُصيبوا بحالة من هستريا العنف، حيث يحمل الجميع كباراً وصغاراً أسلحة ناريّة ثقيلة من رشّاشات وقاذفات صواريخ يتجولون بها كأمر اعتيادي!

ولم يتورّع إيليّا عن توجيه أصابع الاتهام إلى الممارسات الأمريكية العنصريّة بحقّ الفلسطينيين حيث نرى الشرطة الأمريكيّة تلاحق شابّة رسمت العلم الفلسطينيّ على جسدها على وقع أغنية لليونارد كوهين، وبمجرّد أن تُلقي الشرطة القبض عليها تختفي الشابّة بطريقة سرياليّة لنعود ونراها في مشهد آخر تقود درّاجتها الهوائيّة في الشارع، وكأن إيليا يُعلن أنّ القضيّة الفلسطينيّة باقية مهما حاولت السياسات الأمريكيّة إخفاء الحقائق والتعتيم عليها.

فَنّ الكاريكاتير في فلسطين.. عندما تفعل فرشاة الرسم فعل البندقية

وهو ما قاله بصريح العبارة في مشهد آخر تحدث فيه لأوّل مرة في أفلامه، حيث سبق لإيليا أن لعب أدواراً صامتة في أفلامه السّابقة: “سجلّ اختفاء” 1996″، “يد إلهية” 2002، “الزمن الباقي” 2009؛ إلّا أنّنا نجده كسر هذا التقليد في فيلمه الأخير حين ردّ على سؤال سائق تاكسي أمريكي له عن بلده بقوله: “الناصرة، أنا فلسطينيّ”، وكأنّه لم يجد مفرّاً من هذه الإجابة التي جاءت تعبيراً صريحاً عن تمسّكه بهويّته ورفضه التخلّي عنها، وهو ما أكّد عليه عند سؤاله عن هذا المشهد بعد عرض الفيلم في العاصمة الألمانيّة برلين بقوله: “أنا فلسطينيّ، هو اختيار أخلاقي قبل أن يكون قومي، يرفض ربطي بإسرائيل، يرفض ربطي بالاحتلال وبدولة فاشيّة”.

أخيراً، يعود إيليا إلى منزله في النّاصرة بعد اكتشافه أن العالم كلّه يشبه فلسطين بصراعاتها وعدم استقرارها، إلّا أنّه لا يبدو مُحبطاً وكأنّه طوال هذه المدّة أراد إخبارنا أنّ الخلاصة تكمن في الضحك والموسيقا وزرع المزيد من أشجار الليمون.

يتميّز فيلم “إن شئت كما في السماء” بلغته الشعريّة وحسّه الفكاهي المختلف فهو لا يرمي الكوميديا جزافاً لإضحاك الجمهور إنّما يبدو كلّ مشهد كوميديّ فيه ناتجاً عن حرقة قلب ممزوجة بسخرية لاذعة من مفهوم السّلطة والشكل الذي ينجرّ عالمنا إليه، وقد نافس الفيلم على جائزة السعفة الذهبيّة في مهرجان كان السينمائي لعام 2019، وحاز على تنويه خاص من لجنة التحكيم كما حاز على جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين في المهرجان.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم إن شئت كما في السّماء : وجه آخر لفلسطين بعيداً عن النمطيّة وصور الحرب والدمار"