0

“دافعي لعمل الأفلام هي لمساعدة الناس على الحياة، حتى لو أصبحوا في منتهى البؤس والتعاسة في بعض الأوقات.”
أندريه تاركوفسكي

انتشر مؤخرا خبر عرض مسرحية “مدرسة المشاغبين” أكثر مسرحيات مصر والوطن العربي شهرة ملونة على منصة شاهد الإلكترونية في عيد الفطر المبارك. أثار الخبر سعادة الكثيرين وغضب البعض بسبب خوفهم على تخريب التراث، فهل بالفعل عملية التلوين والترميم مخربة؟ سنتجول معا في تاريخ السينما لنفهم أهمية دخول الألوان للسينما وكذلك أهمية عمليات الترميم

قلق من محبي مسرحية مدرسة المشاغبين والابيض والاسود من خبر الترميم

بعد انتشار الخبر أعرب البعض من محبي المسرحية والتي تعد بالنسبة لهم علامة مميزة في طفولتهم وشبابهم رفضهم لرؤيتها بنسخة مرممة ملونة، فهم لن يقبلوا بأي شكل غير هذا الذي تعودوا عليه. كما أوضحوا أنهم يخشون أن يضر الترميم جودة العمل الفني، الحقيقة أن قلقهم على التراث مفهوم، ولكن بغض النظر عن المسرحية هل الترميم قد يضر بالعمل الفني؟

تراث اليوم هو مخرب العقول في الماضي

مسرحية مدرسة المشاغبين من تأليف الكاتب المسرحي على سالم، ومن تمثيل المجموعة الأشهر في تاريخ المسرح العربي وهم عادل إمام، أحمد ذكي، سعيد صالح، هادي الجيار ويونس شلبي بالإضافة إلى سهير البابلي في دور المعلمة. عرضت المسرحية في 24 أكتوبر 1973 أي بعد حرب أكتوبر مباشرة، وتعد المسرحية من أكثر المسرحيات إثارة للجدل وأكثرهم تعرض للنقد بسبب ما قد تم رؤيته من تشجيع للشباب والأطفال على الإنحلال والتقليل من قيمة المدرس والقيم الأخلاقية، ليرد الفريق المدافع على رأسهم على سالم نفسه أن المسرحية تعكس الواقع في وقت قد انهارت به بالفعل القيم الحميدة واختلفت شكل الحياة في مصر ولا سيما في المدارس. وبعد مرور 48 عام أصبحت المسرحية وبالرغم من كل الانتقادات تراث فني مهم لمصر والعالم كله

السينما كاختراع جديد يغزو قلوب الملايين

تسجيل المشاهد والصور عادة قديمة جدا ظهرت لأول مرة في فنون الكهوف التي كانت تمتاز بتجسيد مشاهد حية مضاف اليها الحركة وامتدت لتظهر أيضاً في الفن المصري القديم على جدران المعابد. وبعدها بقرون عدة يُسجل ابن الهيثم ملاحظاته حول انتقال صورة الشجرة مقلوبة مع الضوء من خلال الثقب، تلك الملاحظات التي سيكون لها دوراً كبيراً في اختراع كاميرا الفوتوغرافية فيما بعد التي تلتقط الصور الثابتة. ذلك الاختراع الذي غير مجرى الكثير وأحدث ضجة هائلة ولم ينافسها إلا كاميرا الفيديو فيما بعد.

العرض الرسمي لأول فيلم سينمائي كان من خلال جهاز اخترعه توماس اديسون أسماه الكينتوجراف وهو أول كاميرا فيديو عرفتها السينما، استفاد الأخوان لوميير منه وطوروه وأضافوا إليه الكثير فاخترعوا المحرك الرئيسى أى آلة العرض التي ولدت من خلالها السينما.

في عام 1895 تحديداً في 12 ديسمبر في الجراند كافيه بباريس جاء العرض الرسمي الأول على أنغام البيانو وأمام جمهور محدود، استمر العرض لمدة عشرين دقيقة كانت كفيلة لإحداث ضجة في التصوير وبداية لعالم أخر من الفنون سيتربع على عرش المفضلات للمتلقي في القرن القادم. كانت المواد المقدمة بدائية جدا وليست ذات معنى واضح ومترابط ومع ذلك كانت تلاقي من المشاهدين الإعجاب والحماس الشديد بسبب حداثة وغرابة الاختراع.

لكن مع الوقت يفقد الاختراع بريقه ويمل منه الجمهور بسبب تكرار المحتوى الذي كان يدفع المشاهد لمغادرة القاعة. في أثر ذلك يحاول المنتجين للأفلام التجديد بشتى الطرق مثل استخدام الحيل السحرية أو الدراما المسرحية التى أيضاً سرعان ما فقدت بريقها هي الآخرى.

بسبب هذه الحاجة للتجديد يدرك البعض من منتجين الأفلام القوة السحرية الكامنة في الكاميرا من الامكانية في تنوع الكادرات وحركتها بدل سكونها التام الموجود في المسرح، بالإضافة إلى عناصر الاخفاء والظهور التي تعطي مميزات للعمل السينمائى غير متاح في الأعمال الدرامية المسرحية. ليتم بعدها ظهور أول فيلم وهو مولد أمة ،‏ هو فيلم سينما صامتة تم إنتاجه في الولايات المتحدة وصدر في 8 فبراير 1915. الفيلم من إخراج وإنتاج ديفيد غريفيث وكتابة ديفيد غريفيث و”فرانك وودز” و”توماس فريدريك ديكسون” عن رواية للأخير بعنوان “رجل الجماعة” نشرت عام 1905.

جاء التلوين كحركة إجبارية لتطوير السينما لتواكب عصرها

بعد الحرب العالمية الثانية بسبب وجود قاعدة صناعية كبيرة اتجهت الصناعات العالمية إلى تحقيق الرخاء ومزيد من السعادة للإنسان بعد ما عاناه بسبب الحروب العالمية الاولى والثانية. أول المشاريع الترفيهية التي طورت هي أجهزة التليفزيون التي تم اختراعها في وقت سابق للحرب العالمية الثانية وتحديداً عام 1924.

في الولايات المتحدة مثلا كان يعتبر التليفزيون سينما صغيرة بداخل كل منزل. “كان استقبال الجمهور في أمريكا وبريطانيا للعروض التلفزيونية الجديدة أثر سلبي وسيئ على صناعة الأفلام السينمائية، حيث تراجعت إيرادات الأفلام في عروضها الأولى بنسبة تصل إلى حوالي 60% من الإقبال السابق وحتى في أشد أوقات الحرب حرجاً لم ينخفض بهذا الشكل. ولمحاولة مواجهة تأثير التليفزيون، تتفق كبرى شركات الصناعة السينمائية على وسائل تنشط بها الإقبال منها تلوين الأفلام.

لقد كان دخول الألوان في السينما العالمية ضرورة قصوى وليست ترفيه أو ميزة إضافية. دخلت الألوان بشكل تدريجي في زمن طويل نسبياً. كما اختلفت طرق التلوين في البداية بين الولايات المتحدة وأوروبا. تلك المحاولات كان الهدف الاساسى منها كان اضافة الواقعية للعمل السينمائي ولكن في الحقيقة كانت بعيدة جدا عن الواقعية، لأنها كانت تبدو زائفة زيفا واضحا.

الترميم.. إعادة إحياء للتراث ليدوم أطول وقت ممكن

تعد الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أكبر إنتاج للأفلام منذ بداية ظهور الفن السابع، فـ عدد الأفلام التي أنتجتها الولايات المتحدة أكبر من عدد الأفلام التي أنتجها العالم معا، ومع ذلك فقدت السينما الأمريكية الكثير من تراثها السينمائي بسبب إما تلفها بسبب مرور السنين أو احتراقها بسبب تكوينها من عنصر النترات سريع الاشتعال الغير مستقر. مثلاً في عام 1937 حدث حريق هائل في نيو جيرسي بسببه تم خسارة تقريباً معظم الأفلام التي تم إنتاجها قبل عام 1935، ما يقارب الأربعين ألف شريط تم احتراقه بالكامل منههم فيلم “كليوباترا” ل “ثيدا بارا”

يعرف الترميم أو الإصلاح film restoration and preservation على أنه “مجموع الوسائل التي تستعمل لجعل الفيلم أكثر ما يمكن مطابقة لحالته الأولية. وهذا يتعلق أيضا بالأعمال الواجب القيام بها على فلم تالف كما يتعلق باعادة تشكيل وترتيب اللقطات والمتتاليات.” أما عن مصطلح الحفاظ على الفيلم preservation عمومًا يشير إلى الممارسات المستخدمة لمنع الخراب المادي للصور على السيليلويد. أما الترميم restoration يعني الممارسات التي تهدف إلى عكس أو اصلاح الخراب أو الانحلال المادي في الصور. فالترميم هو سلسلة من الجهود المستمرة بين مؤرخي الأفلام، ومسؤولي المحفوظات، والمتاحف، ودور السينما والمنظمات غير الربحية لإنقاذ مخزون الأفلام المتحللة والحفاظ على الصور التي تحتوي عليها. وبالمعنى الأوسع، يؤكد الحفاظ على الفيلم حالياً أن الفيلم سيبقى موجودا في أقرب ما يمكن الى شكله الاصلي.

على المستوى المحلي أيضاً بدأت عمليات الترميم تأخذ حيز من الاهتمام من قبل شركات الإنتاج، مثل حملة شركة روتانا لترميم التراث السينمائي في مصر. كذلك مشروع ترميم أفلام يوسف شاهين بالتعاون مع فرنسا، كما ذكرت المنتجة ماريان خوري في لقاء عن المشروع ” بسبب تحلل النسخ على مدار السنين تقوم التكنولوجيا باعادة ترميم الفيلم، أي محاولة ارجاع الصوت والصورة لما كانوا عليه في وقت إنتاجه.”

“فجر يوم جديد” ليوسف شاهين، مثال بسيط على أهمية الترميم

فيلم من إخراج يوسف شاهين قصة وسیناریو سمير نصري وحوار عبد الرحمن الشرقاوي تمثيل سناء جميل ، سيف الدين ، حمدى غيث ويوسف شاهين. فيلم فجر يوم جديد من الافلام التي ضمها مشروع ترميم افلام يوسف شاهين في عام 2018 بعد مرور 10 سنين على رحيله. متاح للفيلم حاليا على الانترنت نسختين المرممة والأصلية. وفي مشاهد معينة من الفيلم النسخة المرممة يمكنك فهم ما أضافه الترميم وكيف أثر دخول اللون و وضوحه في التعبير عن المضمون الدرامي في المشهد.

مشهد البداية

تتر البداية: بداية التتر هي بداية إستخدام شاهين للألوان، تتر المقدمة عبارة عن ما يشبه اللوح ذات التكوين الغامض بسبب تناثر الالوان التي تتعدد تفسيرتها على حسب المتلقي. في النسخة المرممة يظهر ألوان متداخلة مثل الأزرق بدرجاته، الأزرق والأسود معا، الأزرق والأسود والأصفر، دخول الأحمر بدرجاته من الأفتح إلى الأغمق وفي النهاية يدخل الاسود ويحتل الشاشة كلها. بالرغم من عبث الألوان وتداخلها إلا أنها مريحة وجذابة للنظر بل تجبرك على متابعتها ومحاولة إيجاد معنى لها.

أما النسخة غير المرممة درجة اللون ونوعه نفسها غير واضحة، في البداية و للوهلة الأولى لا تدرك وجود الألوان. تظهر عبارة عن مزيج من الأبيض والأسود مع درجة واحدة من الأزرق. شكل اللوح العام غير مريح للعين يجبر المتفرج على تخطيها لعدم القدرة على فهمها أصلا.

مشهد الوقوع في الحب

مشهد الوقوع في الحب: في الدقيقة 48:00 تقريباً، بعد يوم طويل تقضيه نيلة مع طارق في برج القاهرة والمنطقة الشعبية التي يسكنها طارق وتدخلها نيلة للمرة الاولى بسبب اعتقادها أن “الناس دول بيكرهونا”، تعود نيلة لحياتها الطبيعية وتستعد لإقامة حفل لتجميع أصدقائها.

تظهر الجميلة سناء جميل في المرآة وتضع خلف أذنها ورده حمراء مع لمعة عيونها وشرودها لتوضح حالة الحب التي تقع بها مع الشاب طارق في النسخة المرممة تظهر تفاصيل المرآة والغرفة لتعطي لمسة جمالية على المشهد ممتعة للعين، تظهر تعابير وجه نايلة وهي تضع الوردة بوضوح شديد.

الوردة الحمراء ليست من نوع التوليب أو النرجس مثلا، بل هي وردة بلدي مصرية التي تعبر عن بيئة والمجتمع الجديد الذي شهدته لأول مرة مع طارق. تضعها خلف أذنها في البداية مثل المراهقات ولكن تتراجع وتلصقها بصدر الفستان لتبدو -أمام أصدقائها- امرأة ارستقراطية أكثر من مراهقة عاشقة.

في النسخة غير المرممة تفاصيل الغرفة الجميلة غير واضحة حتى ملامح نايلة نفسها غير واضحة لا تستطيع أن تقرر ماذا يعبر وجهها وعينها؟ ماذا تريد أن تقول المملثة في هذا المشهد الصامت؟ أما عن الوردة في البداية لا يتبين المشاهد كهنها ولكنه يفهمه من سياق الأحداث.

مشهد الخيمة

مشهد الخيمة: لولا تقنية الترميم التي أمنتها لنا التكنولوجيا لما كنا قادرين على فهم هذا المشهد أبداً. يأتي المشهد بعد فشل نيلة في بدء حياة جديد تكون بها مستقلة وبعد إنفصالها عن طارق فتعود لحياة البرجوازية مرة أخرى. يظهر المشهد سهرة من سهرات حمادة وأصدقائه في خيمة. في النسخة المرمة تظهر عبقرية شاهين في إخراج وتصميم مشاهد تبدو وكأنها لوحات سريالية، تعددت الألوان في المشهد والكادرات المختلفة أوحت بشدة جنون وشذوذ أفكار وتصرفات هذه المجموعة. مثلاً تظهر نيلة ملتصقة بعبد الله رئيس التحرير بشكل غريب.

تظهر أيضا الصورة ضبابية نوعاً ما في بعض الأجزاء لتدل على حالة السكر وفقدان العقل التي يعيشونها. كما يغلب على الديكورات والخلفية اللون البنفسجي، يمنح هذا اللون انطباعاً غامضاً ويترافق غالباً مع الغموض والترف. أما في النسخة غير المرممة أغلب تلك التفاصيل لا تظهر. لا تظهر أي ألوان تقريبا ففقد المشهد دلالة تلك الألوان المهمة -مثل دلالة اللون البنفسجي- . تعابير الشر والمكر المرسومة على وجه حمادة الواضحة جداً في النسخة المرممة تقريبا مختفية كلها في النسخة غير المرممة مما يفقد أداء شاهين الكثير من روعته.

في النهاية وبالتأكيد لا يمكننا الحكم على جودة ترميم مسرحية مدرسة المشاغبين من دون مشاهدتها، مع العلم أن المقطع التشويقي التي بثته مجموعة قنوات ام بي سي ومنصة شاهد يبشر بالخير ولم يقلل من جودة العمل بأي شكل، لذا علينا الإنتظار حتى عرض المسرحية رؤية جودة العمل ككل لنقارن ونقيم هل أضاف الترميم والتلوين للعمل أم أضر بقيمته الفنية العظيمة.

أقرأ أيضًا: تلوين الأفلام القديمة هل هي الموضة القادمة على مواقع التواصل الاجتماعي؟

0

شاركنا رأيك حول "تلوين مسرحية مدرسة المشاغبين أثار قلق الكثيرين، هل التلوين مضر لهذ الحد؟"