حققَ مسلسل Moon Knight فارس القمر الأخير لمارفل المكوّن من ست حلقات للموسم الأول، والذي عُرض على منصة ديزني نجاحًا مبهرًا في الساعات الأولى من عرض الحلقة الأولى، وصار رواد ومحبو عالم مارفل وحتى من لم يكونوا من قبل كذلك في انتظار حلقات المسلسل في الأربعاء من كل أسبوع!

بدأت الضجّة تحديدًا من الحلقة الثانية حينما فوجئ جمهور مارفل من العرب والمصريين بأغنية (بحلم معاك) للفنانة العظيمة نجاه الصغيرة وألحان الموسيقار المصري هاني شنودة تعرض في منتصف الحلقة -كخلفية موسيقية- لموعد ستيفين جرانت الغرامي وهو في انتظار حبيبته التي لم تأت في المطعم، ثم المهرجان المصري الشعبي (الملوك) بصوت أحمد سعد وعنبة ودبل زوكش كنهاية للحلقة، ما أحدث ضجّة قوية وبدأ الجمهور العادي –الذي لا يتابع عوالم مارفل حتى– في البحث عن حلقات المسلسل حتى يتحقق من الأمر أو يتمتع بأغانيه المصرية المفضلة على المنصة العالمية!

الوجود المصري في المسلسل

حينما قررت مارفل أن تعطي "العيش" لخبّازه، وأن تشرك وجوهًا مصريّة داخل عمل يعتمد في أصله على تداخل الحضارة المصرية الفرعونية مع عالم مارفل كان للعمل نكهة مختلفة وحقيقية.

لقد أضفى وجود المخرج المصري والمشارك في الإنتاج التنفيذي أيضًا (محمد دياب) بعدًا جديدًا لمصر التي لم تعرفها هوليوود، فقد كان الأمر مقتصرًا على منظر الأهرامات الثلاثة من بعيد، وبعض الكومبارسات الذين لا يجيدوا فعل شيء إلا الظهور الهامشي فقط، لقد حرص دياب على إظهار مصر بشكل متكامل وواضح، فثمة أهرامات، وثمة معمار حديث الطراز، ونيل من أروع وأعرق أدلة الحضارة المصرية القديمة، وحياه كاملة داخل مصر يعيشها المصريون كل يوم.

كما حرص دياب على اختيار وجوه مصرية شابة سواءً في التمثيل مثل الفنانة المصرية الشابة مي قلماوي، وأحمد داش وحازم إيهاب وغيرهم، في محاولة منه لإضفاء روح مصرية للعمل قدر الإمكان، كما شاهدنا الأداء الصوتي الرائع للفنانة الأردنية صبا مبارك في دور آمت، ورأينا أداءً ربما جديدًا على الممثل الشهير أوسكار أيزيك الذي صرّح في حواره لـ نيويورك تايم أنه كان قابعًا في الأدوار الصغيرة كي يحاول الوقوع في حب التمثيل مرة أخرى، ولكن حين تكلم معه المخرج محمد دياب عن العمل لم يستطع مقاومة الإغراء!

ثلاث هويّات ورجل واحد.. مَن البطل داخل العمل؟

يبدأ العمل باستيقاظ ستيفين جرانت من فراشه الذي يتعرقل فيه على وجهه لنكتشف أنّ البطل يحاول أن يحمي نفسه من المشي نومًا (أو هكذا يتخيّل)، ثم يطمئن إلى وجود اللاصقة على بابه، مشهد معتاد موهِم بأنّ فارس القمر شأنه كأي سوبر هيرو آخر تتحد شخصيته ليلاً مع البطل ولكنه يستيقظ بدون أن يتذكر شيئًا في الصباح، ولكنّ العمل يأخذنا هنا إلى حيث لا نتوقع، يفاجئنا من اللحظة الأولى بتحولات عديدة لشخصية ستيفين جرانت الودودة واللطيفة مع الجميع، طيبة زائدة ورهافة حسّ ومحاولة للاستعلاء على الوحدة والحرمان من الحبّ بمنتهى الخفّة الطفولية البريئة.

يفاجأ ستيفين أنه في صراع مع "هارو" الصورة الرمزية للإلهة الفرعونية (آمت) يحاول تنفيذ العدالة في الأرض عن طريق اجتثاث الشرّ والقدرة على الاختيار، ولا نزال هكذا حتى يأخذنا المسلسل إلى مارك سبيكتور بطل الكوميكيس الأصلي، شخص آخر داخل ستيفين جرانت، شيء ما يربطهما ببعضهما البعض ولكنه مبهم، يظلّ ستيفين هكذا على حافّة الجنون، يفقد عمله، وحياته الهادئة، يتبادل الضربات والحيوات مع مارك سبيكتور، ولكنْ ثمة شخص آخر خفيّ ثالث، لا يظهر ولكنهم يحسون بوجوده، ستيفين ومارك ومعهم المشاهد، لا نفهم إذا ما كان الأمر حقيقة أم أنه عقل ستيفين جرانت المضطرب داخل المصحة العقلية حتى نفهم أخيرًا!

العالم الآخر

نكتشف في الاقتراب من نهاية الحلقات أنّ ستيفن جرانت ما هو إلا شخصية خيالية كامنة داخل عقل قلِق ومتعَب كعقل مارك سبيكتور، أو هو مارك ذاته في رواية أخرى وقصة مختلفة تمامًا مبنية على أنقاض قصة مارك المأساوية والحزينة على نفسه المجروحة.

فمارك سبيكتور مصاب بمرض نفسي يجعله يختلق هويّات جديدة لشخصيته الأصلية، ولو تكلمنا بلغة الموسيقى فيمكننا القول إنّها تنويعات على الشخصية الأصلية لمارك، ستيفين جرانت الودود، وجيك لوكلي القاتل وبينهما مارك التعيس!

يستطيع الإنسان تجاوز الرهق اليومي للحياة بعين الدراما، المتعالية عن الألم والفرح الطفولي -(المنتظَر دوما)- بخفّة ومرونة لا مثيل لها، وكيف لا والحياة هي وليدة حدث درامي قديم.

لا يستطيع المشاهد أن يلتقط العلاقة الحقيقية بين ستيفين ومارك إلا بعد ذهابهما للدار الآخرة (كما يصورها المعتقد الفرعوني)، وكأننا هنا أمام الحقيقة الأبدية المؤلمة، لا شيء هنا مكتمل حتى فهمنا لذواتنا!

في تصميم مبهر حقًا، يُحبس مارك داخل مصحة بيضاء اللون، بين أبواب بيضاء تطلّ على حياته وعمره المنقضي، يتجوّل بين ذكرياته كمن يشاهد حلقات تلفزيونية منفصلة من نوافذ تطلّ عليه ليكتشف أنه ليس إلا ظلًا من صنع مارك سبيكتور التعيس.

كونشوا في مواجهة آمت ورسائل مطوية!

الصراع الأصلي في العمل هو بين الآلهة المصرية القديمة (كونشو) إله القمر الذي يحمي مسافري الليل، وآمت إلهة العدل عند المصريين القدماء، يسعى كل إله منهم إلى التحقق في صورة رمزية بشرية كي تحرره من أسره فيختار كونشو مارك سبيكتور، وتختار آمت هارو ثمّ يبدأ الصراع.

ورأينا كم كانت (آمت) متطرفة التفكير؛ إذ تريد اجتثاث الشرّ قبل وقوعه وقتل أبرياء ومعاقبتهم قبل حتى أن يفعلوا ما يستحقّ العقاب، وهو ما رفضه كونشو وسعى لمحاربتها، فكيف تريد أن تسلب الإنسان حقه في القدرة على الاختيار!

وهكا تمثل آمت فلسفة التطرف في كل عصر ومِصر، والذي يكمن في افتراض صورة ذهنية كاملة ووضع تصور مغلق عن العالم وعن الخير والشرّ ثم يتم محاسبة الناس وفقًا لهذا النموذج المفترَض!

أول سوبر هيرو مصرية

تعد شخصية (ليلى الفولي) التي تؤدي دورها الممثلة (مي قلماوي) أول سوبر هيرو مصرية تدخل عوالم مارفِل، الفتاة المصرية ابنة عالم المصريات القديم عبد الله الفولي الذي قتل غدرًا في إحدى مهماته، امرأة جميلة وقوية، ليست مثالية، ولكنها تسعى لإنقاذ حبيبها دومًا، تقبله كيفما يكون، تتخلى عن حريتها لوقت قصير حتى تعيده إلى الحياة، تستحقّ شخصية ليلى الفولي هذا الاحتفاء الذي لاقته كما تستحق الممثلة مي الإشادة بأدائها المتميّز.

ماذا حدث حينما قررت مارفل أن تعطي العيش لخبّازه؟

رأينا عملًا كاملاً متكاملًا وفرصًا كثيرة أعطيت لوجوه مصرية وعربية كي تثبت بأنها قادرة على الإبداع والتحليق عاليًا، وأنها لا ينقصها سوى الإمكانيات والمكان السليم.

اقرأ أيضاً: كيف تتابع أفلام عالم مارفل السينمائي من البداية وحتى الآن؟