في حكاية الدراما السورية اللاجئة

0

مقال بواسطة: بهاء العوام – مانشستر

لم تميز الحرب في سوريا بين الأشخاص الطبيعين والاعتباريين في تداعياتها، فقد طالت الجميع ودفعت بالخبراء والفنانين والإعلاميين والسياسيين بين قوافل الشهداء والسجناء واللاجئين.

ويتشابه لجوء الشخصيات العامة مع الأفراد العاديين في أسبابه، ولكنه يختلف في نتائجه من حيث تأثيره المباشر على المجالات التي يمثلونها، فتخصصاتهم تصبح لاجئة مثلهم وإنتاجها يخضع لشروط المكان الذي يعيشون في ظله.

“وجوه وأماكن” مسلسل سوري صورت أحداثه خارج سورية عبر ممثلين معارضين

يجسد الممثلون السوريون المثال الأوضح للمسألة، فهم اليوم يتنقلون في غالبيتهم بين لبنان والإمارات ومصر، حيث تتمركز صناعة الدراما التي كانوا روادها يوماً، وباتوا اليوم يبحثون فيها عن شواغر أو فرص تضيق كثيراً على إمكاناتهم.

لقد أصبحت الدراما السورية تئن تحت وطأة خمسة محددات رئيسية في عملها، يأتي أولها طبعاً حالة اللايقين التي يعيشها السوريون تجاه ما حدث ويحدث في بلادهم، والثاني هو رفاهية العيش في الإمارات التي لم يعتد عليها أبطال المسلسلات السورية، أما الثالث فهو فانتازّية الدراما اللبنانية نصاً وإخراجاً وتمثيلاً، ثم استبداد شركات الإنتاج وبخاصة الخليجية منها، وأخيراً منافسة الدراما المصرية التي تلعب على أرضها وبين جمهورها.

مسلسل تشيللو إنتاج لبناني 2

أن ضبابية الوضع في سورية وازدياد تعقيده يوماً بعد يوم، يجعل من الصعب على صناع الدراما السورية تقديم أعمال حقيقية تستمد قصصها وشخصياتها من الواقع، خاصة وأن الممثلين منقسمون، كحال السوريين جميعهم، بين مؤيد ومعارض للثورة، لتكون النتيجة إما مزيداً من نسخ باب الحارة بشخصياته الكرتونية، أو أعمال الإسقاطات الواهية التي لاتسمن ولا تغني من جوع.

ولا يقل تأثير الاستقرار في الإمارات عن أي من العوامل الناظمة للدراما السورية اليوم، فعيش الكثير من الممثلين السوريين هناك دفع بعضهم إلى عالم التجارة والأعمال، وطبع بعضهم الآخر بمفردات حياة مختلفة كلياً عن بلادهم، فتبدلت المعايير وبات من الصعب مقاربة الواقع في المسلسلات، فشوارع أبوظبي لا تشبه نظيرتها في سورية، والحياة الثرية في دمشق تبدو متواضعة أمام رفاهية العيش في دبي.

كندا علوش في المسلسل المصري )نيران صديقة

ولعل المسافة الواضحة التي طالما رافقت الدراما اللبنانية بين الحقيقة والتمثيل على قاعدة المسرح الملحمي لدى بريخت، باتت علامة فارقة في تمثيل الكثير من الممثلين السوريين الذين شاركوا خلال السنوات الأربعة الماضية في أعمال لبنانية القصة أو الإخراج أو البيئة، فتشعر طوال الوقت بأن الممثل يقلد الشخصية ولا يجسدها، مما يحولك من مشاهد يبحث عن الفائدة والمتعة إلى باحث عن الأخطاء والعثرات في الأداء والتصوير والإضاءة والديكور.

وليس من قبيل المصادفة طبعاً أن تتورم سلطة شركات الإنتاج على الممثلين السوريين في مثل هذه الأوقات، فبعضها بات يوزع الأدوار على الممثلين وفق سلم الوطنية التي حددت درجاته من وجهة نظر رأس المال، وبعضها الآخر يستغل حاجة الممثلين للعمل في ظل انحسار سوقهم خارج حدود الوطن، وخاصة بالنسبة لممثلي الصف الثاني والثالث، فيما لا تزال شركات تعتمد مبدأ الشللية في اختيار الممثلين وفقاً لرغبة المنتج أو المخرج أو بطل العمل.

باب الحارة 7

أما المنافسة المصرية، أو المحدد الخامس، فقد باتت ولاشك، تشكل عامل ضغط كبير على الدراما السورية، فرغم أن الدراما المصرية ليست حديثة العهد، وإرثها يعود إلى “هارب من الأيام” عام 1962، إلا أن حقيقة تقدم المدرسة السورية منذ مطلع الألفية الجديدة استوقفت المصريين ودفعتهم للعمل على وقف تمدد الدراما السورية على حساب جماهيرية فنهم السابع عربيا.

كانت البداية عبر منح مخرجين ومنتجين مصريين أدوار البطولة المطلقة في أعمالهم لنجوم سوريين، وذلك بهدف صهر شهرتهم في بوتقة اللهجة المصرية التي لطالما كانت رسول فنون القاهرة إلى العالم العربي، وبعد أن تبدل الحال وفقدت الدراما السورية وطنها، وقف الممثلون السوريون ضعفاء في كوادر مسلسلات مصرية متميزة أعادت المحروسة إلى المنافسة الدرامية بقوة.

مسلسلات من الداخل تطرح الأزمة السورية من وجهة نظر الموالاة

في المحصلة، وبغض النظر عن النجاح الفردي الذي حققه بعض الممثلين السوريين أمام الكاميرات المصرية واللبنانية، تبدو الدراما السورية اليوم على بعد خطوات من ضياع ما حققته من نجاح في السنوات الماضية، حالها في ذلك حال الكثير من آثار سورية وحضارتها التي تهدمت خلال الحرب، وأمام هذه الحقيقة المؤلمة لا نملك إلا الأمل بشتاء غزير ينصف السوريين ويمحي مخلفات الربيع العربي المنقوص في موطن أقدم أبجدية.

0

شاركنا رأيك حول "في حكاية الدراما السورية اللاجئة"