فيلم «Thelma»: الحرب بين الغاية البشرية الفطرية والعقيدة الفِكرية المتعسفة

فيلم Thelma - ثيلما في المشفى
1
تقييم الفيلم

قليلة هي الأفلام التي عندما تُنهيها تجلس مُتأملًا في الغاية والهدف الخفي منها. تحاول أن تقتنص التورية التي يُحاول المُخرج والمؤلف إظهارها، لكن أشد ندرة هي تلك الأفلام التي لا تعجلك تفكر فقط، بل وتنبهر بطريقة مُعالجة الفكرة وأسلوب طرحها في قالب مثير ومُميّز. اليوم معنا فيلم درامي نرويجي من الدرجة الأولى صدر في عام 2017، وترشّح لواحد وعشرين جائزةً، وفاز بسبعٍ منها. اليوم معنا فيلم Thelma. الآن هيا بنا نتحدث قليلًا عن ذلك الفيلم المخملي، المريح للأعصاب، والمؤجج لبواطن النفوس إلى أقصى حد.

القصة

فيلم Thelma - ثيلما

ثيلما هي فتاة جامعية تطمح لعيش حياة هادئة وبعيدة عن المنغصات. لكن طبعها هادئ بشكلٍ زائد عن الحد ولا تحاول الاختلاط بالناس كثيرًا، فبالتالي لا تملك أي أصدقاء. وأثناء عزلتها الاختيارية تلك، تظهر أمامها بغتةً فتاة رقيقة وباسمة لتنزعها مما هي فيه بالتدريج. فهي لم تكن أول صديقة لها فحسب، بل أيضًا كنَّت لها ثيلما مشاعرًا من الحب والعاطفة المُتأججة. لكن من الناحية الأخرى فهدوء وبراءة ثيلما المفرطة لم يكونا فطريين على الإطلاق، فكل مشاعرها مكبوتة ومضغوطة بداخلها حتى شارفت على الانفجار، فهي ابنة لعائلة مسيحية حتى النخاع، فمشاعر ثيلما العاطفية تجاه صديقتها الآن أدت بها إلى أن تنخرط أكثر فأكثر في حياتها، حتى جربت أشياء لم تكن لتجربها طيلة حياتها إذا لم تصادفها.

ارتشفت الخمر لأول مرة، وكذلك دخنت السجائر كمن يخطو على أرض جديدة غير مُكتشفة بعد. كل تلك التناقضات التي تعتمل بداخلها مكنتها من إيقاظ قوى خفية وخارقة قادرة على فعل أشياء عجيبة، ولا تأتيها إلّا في حالات النوبات العصبية العنيفة. لكن نتائجها على الصعيد الشخصي والمجتمعي لصادمة بحق!

انطباع عن القصة

فيلم Thelma - ثيلما وآنجا

أبرز ما يميز القصة هو أنّها ركزت على علاقة ثيلما بصديقتها كعلاقة حب نقية تتخللها مراحل عديدة من الخجل، المُعاندة، والنحيب. لم يتم تقديم الصورة النمطية عن الأقلية الجنسية أبدًا، فالمُعتاد هو أنّ ولدًا يحب ولدًا، أو فتاةً تحب فتاةً ويحاولان سويًّا قهر ظلم المجتمع والسعي نحو نصرة الحب على كل شيء. في قصة هذا الفيلم الحب نفسه مدفون، فصاحبته ذاتها لا يعرف كيف تصرّح عنه، وتتملكها العديد من الهواجس والنوازع النفسية التي تجعلها تارةً تترك الأمور تجري في أعنتها، وتارةً تتضرع إلى الإله كي يغفر لها خطاياها وآثامها في أنّها أحبت!

اللفتة المُميزة الأخرى هي أسلوب عرض وتقديم القصة، ففي البداية يجعلنا الكاتب نعتقد أنّ الأب متزمت وصارم ومجنون جدًا، لدرجة أنّه حاول قتل ابنته الوحيدة الصغيرة. وهذا ما رسّخه خلال الفيلم، خصوصًا في أواخره. حيث تشرع ثنيات الماضي في الظهور وفرض السيطرة على الحاضر بحضور مزج بين الحزن والشك، وفي النهاية جعلنا نرى كل شخصية بمنظور مختلف تمامًا عن البداية، ففي النهاية كل البشر لديهم جوانب عديدة بداخلهم، فالبشر شخصيات رمادية. ليس هناك أسود بالكامل أو أبيض بالكامل، الرماديّ يحتل مساحات واسعة في حياة كل فرد منا.

الأشد تميّزًا من وجهة نظري هو طريقة تجسيد الكاتب للرهبة والأفعال التي تنتج عنها، وكيف للرهبة بأن تتمثل في مجموعة أفكار يتم غرسها في الطفل منذ الصغر، لتجعله مشوهًّا نفسيًّا عندما يكبر. فطريقة مُعالجة الكاتب للأسباب الدفينة لتلك الرهبة لعبقرية بحق، فالعبرة والرسالة التي يريد إيصالها هي أنّك لن تستطيع فعل أي شيء تبغاه في حياتك إلّا عندما تنفض عن كاهلك كل ما يؤرقك، ويجعلك متحسرًا على وجودك من الأساس. فعند مواجهة تلك المُسببات، ومن ثم إزالتها من الحياة تمامًا، ستتعلم كيف توازن رغباتك وتسعى لتحقيقها، حتى بعد فوات الأوان، وهذا ما برز بشدة في نهاية الفيلم.

الشخصيات

فيلم Thelma - ثيلما مستلفية على العشب

الشخصيات قليلة جدًا، مما أعطى فرصةً للكاتب بأن ينسجها جيدًا بالشكل الذي يجب أن تكون عليه، فشخصية ثيلما جعل لها أبعادًا مُكتملة. فقد طرح الحاضر في صورة اعتلالاتها النفسية، والماضي في صورة خيوط متشابكة تظهر بالتدريج خيطًا خلف الآخر على مدار الخط الزمني للأحداث، والمستقبل متمثلًا في رغبتها العميقة لتحقيق الشيء الذي تريده، وهذا لم يجعله يغفل شخصية والدها ووالدتها وصديقتها، فلكل شخصية دور هام لدعمها؛ لأنّ القصة تتمحور حول ثيلما ولم يعمد الكاتب لتسليط الضوء بشكلٍ متساوي على شخوص عمله كما يفعل البعض. خلق شخصية الوالد والوالدة ليجعلنا نتعاطف معهم تارةً، ونمقتهم أخرى. وخلق شخصية حبيبة ثيلما كي تكون الظهور المثالي لمفهوم الحب الفضولي، فهي حبّت ثيلما لأنّها بالنسبة لها شخصية مثيرة للاهتمام، لكن تبقى سائر دوافعها مجهولةً تمامًا.

التمثيل

فيلم Thelma - ثيلما في نوبة عصبية - مسبح

التمثيل، ويا ويلي من التمثيل …

الأداء التمثيلي المتقن يجب أن أختزله في شخصية ثيلما التي قامت بها الفنانة النرويجية الشابة إيلي هاربوي – Eili Harboe، ففي بداية الفيلم تعتقد أنّ قوة التمثيل ضعيفة؛ لأنّه يمكن القول أنّ دور تلك الشخصية في البداية كان عفويًّا ويمكن لأي فتاة مرحة وخجولة وظريفة أن تقوم به، لكن براعة الممثلة تظهر مع التقدم في الأحداث، فعندما وصلت لذروة الصراع النفسي اعتراها الاكتئاب والحزن نتيجة ما يمر بها أحداث ومواقف لا طاقة لها بها. خصوصًا أنّ بين تلك المواقف توجد شخصية لا تعلم كيف تبوح لها بحبها بعد بالرغم من كل المؤشرات التي طرحتها بشكل لا إراديّ تنفيذًا لنزعة البشر نحو الكمال. تعابير وجهها وتجسيدها لتلك الحالة البائسة حقًا يستحق كل إشادة وتقدير.

الإخراج

فيلم Thelma - مشهد الافتتاح

هذا الأسلوب الإخراجي لجوكهيم تراير – Joachim Trier يستحق أن أُطلق عليه وعن جدارة: أسلوب الإخراج المخملي والهادئ بشدة، فالمخرج يعمد إلى المشاهد واسعة الكادر ليجذب انتباه المُشاهد ويجعله في حالة نفسية هادئة ومترقبة. خصوصًا أنّ في تلك المشاهد تنعدم الموسيقى التصويرية تمامًا، وكل الأصوات الموجودة تكون الناتجة عن أفعال شخوص العمل أنفسهم.

وبالطبع في هذه النقطة يجب أن أتكلم عن افتتاحية الفيلم الأكثر من رائعة، فوضعك المخرج مباشرةً في قلب الحدث، حيث أظهر الأب مع ابنته وهما يقفان أعلى بحيرة ثلجية ويذهبان لصيد غزال ما. لكن فجأةً يصوب الأب بندقيته نحو فتاته الصغيرة المدهوشة من براعة جمال الغزال، ولا يقدر على ضغط الزناد في النهاية. لتبدأ بعدها أحداث الفيلم نفسه.

بجانب أنّ هناك العديد من اللمسات الإخراجية المُتقنة مثل: ظهور يد ثيلما في بداية الفيلم عندما كانت دليلًا على النوبة العصبية ذات القوى الخارقة، ونفس اليد بالنسبة للأب في نهايته دلالةً على احتراقه وموته. بجانب افتتاح المخرج لحياة ثيلما الجامعية بمسقط رأسي واسع للحرم الجامعي، مُقربًا الصورة عليها بالتدريج وهي تتحرك، وأيضًا ختم الفيلم بنفس مشهد الحرم الجامعي الواسع، لكن مع الفارق المهول في الحالة النفسية للبطلة بين كليهما.

الموسيقى

لن أقول الكثير في هذه النقطة؛ لأنّ من وجهة نظري الموسيقى ليس لها عامل كبير بالفيلم. بالطبع ظهرت مرات عديدة في خلفية المشاهد، لكن أرى أنّ تأثيرها لم يكن بارزًا؛ لأنّ التأثير الحقيقي كان للأصوات التي تحدثها أفعال الشخصيات نفسها لتجذب انتباه المُشاهد للفعل ذاته.

رأي شخصي

فيلم Thelma ذو نسبة تجريد عالية جدًا، وصاحب براعة منقطعة النظير في إظهار الاعتلالات والتناقضات النفسية الشديدة التي تعتري البشر نتيجة خبرات وعقد نفسية سابقة من آن لآخر. بالنسبة لي هو التجربة الأولى مع المخرج، ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد.

1

شاركنا رأيك حول "فيلم «Thelma»: الحرب بين الغاية البشرية الفطرية والعقيدة الفِكرية المتعسفة"

  1. Mohcine Barramou

    أعتقد أن الفيلم عالج أيضا فكرة موت الاب او السلطة الابوية من خلال مشهد احتراق اب Thelma وسط القارب، و أعتقد أن الاب في المشهظ الاول لم يكن يريد قتل ابنته لأنه متعصب بل كان يريد التخلص من القوى الخفية لابنته التي سببت وفات ابنه شقيق Thelma على العموم الفيلم يحمل ثورة نسوية بين طياته

أضف تعليقًا