0

الأمطار تنهمر، فنجان قهوة مسكوب أو زهور تسقط على الأرض، أبواب تحركها الرياح بعنف، هل صادفت مشهد من هذه المشاهد في أحد الأفلام المصرية قديماً، إذا كنت شاهدتها بالتأكيد ستعرف ما هي دلالتها، وماذا يحدث بعدها، صرخة مدوية أو انهيار وبكاء حاد من فتاة، البطلة التي استغل شاب موقف ما واعتدى عليها جنسياً، وينتهي العمل إما أن يعترف الشاب بخطأه في نهاية الفيلم أو تُنهي الفتاة حياتها.

الاستهتار والطمع والتهور .. البطلة مذنبة دائماً

يوجد كثير من الأعمال الفنية، السينمائية تحديداً، في البداية تناولت فكرة الفتاة التي تم الاعتداء عليها جنسياً، ولكن دون التطرق لهذا المفهوم، لأنه لم يكن شائع حينها من الأساس، بل كان ينظر لها أنها فتاة مذنبة، ارتكبت خطيئة كبرى يجب التكفير عنها، وجلبت العار إلى عائلتها، وتسببت في هدم الأسرة، وغالباً ما كانت تدفع الثمن بمفردها.

والأمثلة كثيرة على هذه القصص التي بنيت عليها العديد من الأعمال، ولكن سوف أركز في سطوري القادمة على أكثر ثلاث نماذج قوة في رأيي، نظراً لشهرة الفنانات اللاتي قدموا القصص وأيضاً نجاح هذه الأفلام واستمرار عرضها عبر شاشة التلفزيون حتى الآن.

العمل الأول هو “الثلاثة يحبونها”، من تأليف أمين يوسف غراب، وإخراج محمود ذوالفقار، يكرس الفيلم من البداية لحديث الناس على البطلة، إيمان، سيدات ورجال وشباب، يبدأون في الكلام عنها بمجرد دخولها إلى النادي، وعن صداقتها بالرجال، وحياتها المنفتحة، والسهر المستمر، وزيارتها لمديرها -عصام- في منزله، لأنه يعطيها دروس تتعلق بدراستها، ولكن ذلك لا يشفع لها أمام الناس، حيث يبرز المخرج نظرة الجيران لها وهي تغادر شقة عصام، من خلال حوار بين شابين ينظران لها باحتقار.

وهذا التأسيس الطويل للشخصية طوال الفيلم، يدفعنا إلى النهاية، حيث يحاول الشاب كمال -حسن يوسف- الاعتداء عليها في أحد الرحلات، ولكن نتيجة لتراكمات كثيرة رسختها صديقتها وحبيبها في علقها أنها هي المذنبة بالصورة التي خلقتها لنفسها أمام الجميع، وكأن ذلك مبرر لتصرف كمال.
ولا يقف عقاب المؤلف للشخصية عند المحاولة، بل يقوم عصام بالاعتداء عليها، أثناء تواجدها في منزله، بعد أن يضع لها مخدر في المشروب الذي يقدمه لها.

ومن خلال التعبير المرئي عن أزمة البطلة بعد فقدان عذريتها، يصور المخرج مشهد لعصام وهو يحمل إيمان ويدوس بقدمه على زهرة كانت في يدها، فيحولها إلى فُتات على الأرض، وكأن المرأة عبارة عن زهرة تفقد كيانها بمجرد فقدان هذا الغشاء.

الثلاثة يحبونها- سعاد حسني

إذا انتقلنا من “الثلاثة يحبونها”، إلى “أنا وبناتي”، سوف نجد أن المخرج ومؤلف الفيلم حسين حلمي المهندس، استخدم نفس التعبير المرئي، للتعبير عن اعتداء سمير -صلاح ذو الفقار- على ميساء -ناهد شريف-، وبعد أن مارس معها الجنس تحت تأثير المُخدر أعطاها بعض الأموال، ولكنها رفضت وطالبته بالزواج، ولكنها رفضت وتركت منزلها وإخوتها البنات وظلت هائمة في الشوارع على وجهها، جائعة ومشردة، كما أن الأب ترك منزله وأصبح مشرداً مثل ابنته.

حرص العمل منذ بداية الفيلم على إظهار ميساء في شخصية انتهازية وطماعة وتسعى للثروة السريعة، وأنها غير راضية بحالها مثل إخوتها البنات، لكي يخلق حالة من عدم التعاطف تجاهها من الجمهور.

أقرأ أيضًا: الاغتصاب الزوجي.. مم تعاني حقًا المرأة العربية؟ عن العنف الذي لن نسمع عنه أبدًا

فيلم أنا وبناتي-ناهد شريف

لم تلجأ أو تفكر أي من الفتاتين أن ما حدث خارج إرادتها، بل ألقت اللوم على نفسها، كما فعل من حولها، وظل الرجل في كلتا الحالتين يعيش حياته بصورة طبيعية، مع بعض تأنيب الضمير، فقرر عصام نقل نفسه من الشركة، أما سمير فذهب في اللحظات الأخيرة إلى ميساء وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة لكي يطلب الزواج منها.

والغريب أن عائلة الفتاة، الأب والإخوة الذين نبذوا ميساء عندما فقدت عذريتها، وحاول الأب قتلها بالفعل، تقبلوا وجود سمير بينهم في آخر مشهد في الفيلم، حيث جلس الجميع في المنزل ووضعت كلمة النهاية!
أما إيمان حرصت على أن تجعل خطيبها يكرهها ودفعت صديقتها للاقتراب منه، وبالفعل تزوجا، ووقفت إيمان في مشهد النهاية تشاهدهما عن بعد، وتسير في طريق مظلم، وكأن هذه النهاية التي تنتظرها.

فالصورة، التي لجأ لها المخرجين لإبراز معاني ضد البطلة، هي أساس تكوين اللقطة ثم المشهد، حيث يقول مارسيل مارتن في كتابه “اللغة السينمائية”: “الصورة أبرز المسائل المتعلقة بالعمل الفني فكل واحدة من صورة هي لوحة صغيرة، ومن هنا تبرز خاصية مهمة للصورة وهي دورها الدال فكل ما يظهر على الشاشة في الحقيقة له معنى”.

أما في فيلم الهاربة، قصة جان جينو وسيناريو نجيب محفوظ، وإخراج حسن رمزي، تأخذ زينب -شادية- حبوب منومة بدلاً من حبوب الصداع بالخطأ، وأثناء عودة ممدوح -شكري سرحان- من سهرة يستغل حالتها ويمارس معها علاقة جنسية دون رغبتها، ويسافر فيما بعد، وتكتشف الأمر وتتحمل مسؤولية الابن بمفردها، ورغم ذلك في النهاية عندما يعود تغفر له!

كما قدمت فاتن حمامة، قصة مشابهة، في فيلمها “موعد مع السعادة”، حيث يسافر البطل بعد مواقعتها جنسياً أثناء وجوده في حالة سُكر، وتضطر هي لمغادرة بلدتها هرباً من الفضائح، وتنجب ابنتها بعيداً، وينتهي الفيلم نفس النهاية السابقة، ضمير الرجل يتحرك ويجعله يعود وهي تغفر له!

والمشترك في الأربع قصص أنهن لم تلجأ أي منهن إلى التفكير فيما حدث من وجهة نظر أنه اعتداء، وحدث دون رغبتها، بل تتوجه الضحية ومن حولها بإلقاء اللوم عليها، وبالتالي فإن خطوة البحث عن الحق أو توجيه اتهام قانوني للرجل لم يتم عرضه من الأساس.

وكل هذه التفاصيل تؤول بنا إلى رؤية المبدع، مخرج / مؤلف، لهذه الواقعة في ذلك العصر، وأن مفهوم الاعتداء الجنسي لم يكن حاضراً من الأساس، حيث ترتبط السينما بالواقع ارتباطاً عضوياً والواقع هو أحد مرجعيات السينما، ويؤدي تجاهل هذه الحقيقة إلى فقدان بعض الأفلام إلى تماسكها المنطقي، ويقول مارسي مارتن: “كل صورة فيلمية هي إذن في الحاضر والماضي والمستقبل المحتمل ليست إلا نتاج حكم شخصي في مواجهة بعض وسائل التعبير الفيلمية التي تعلمنا قراءة مدلولها”.

أقرأ أيضًا: هل مللت طرق التواصل المألوفة: مع ياقوت يمكنك عيش تجربة تواصل غير عادية لك ولكل أفراد العائلة والأصدقاء

الاغتصاب.. مفهوم جديد يطفو على سطح المجتمع

فيلم المغتصبون- ليلى علوي

في فيلم “الرصاصة لا تزال في جيبي”، تم تقديم الاغتصاب بعيداً عن مفهوم الحب ولكن، من خلال استغلال عباس -يوسف شعبان- غياب حبيب فاطمة -نجوى ابراهيم- واغتصابه لها، ولكنها لم تحاول أن تأخذ حقها بأي صورة قانونية، والقصة تحمل دلالات رمزية سياسية أكثر منها اقتراباً لطرح مشكلة الاعتداء الجنسي.

أما في فيلم “حتى لا يطير الدخان”، غُرض عام 1984، على هامش القصة الأساسية لفهمي عبد الهادي -عادل إمام- تتعرض سنية -سهير رمزي- للإعتداء الجنسي على يد مجموعة من الشباب، ولكنها أيضاً لم تقم بأي رد فعل تجاههم.

لا أستطيع أن أجزم متى ظهرت أول حادثة اغتصاب على الرأي العام ولاقت صدى واسعاً، ولكن الكثير من المصادر الصحفية تشير إلى أن منتصف الثمانينيات كانت البداية، مع ظهور قضية “فتاة المعادي” التي تناوب على اغتصابها أربع رجال، وعام 1992، تكررت الحادثة والتي اشتهرت بـ”فتاة العتبة”.

ومع ظهور هذه الحالات القوية في المجتمع، بدأت السينما في تقديم هذه القضية، بشكل مختلف وظهرت نماذج مبكرة لهذه الأعمال، مثل المغتصبون للمخرج سعيد مرزوق، وبطولة ليلى علوي، وقدمت بعد ثلاث سنوات قصة مشابهة في فيلم “قبضة الهلالي” للمخرج ابراهيم عفيفي، وكانت نهاية العمل بإلقاء القبض على المجرمين، وكان العامل المشترك بين العملين، اللجوء للرجل سواء زوج/ أخ لمحاولة الانتقام من الفاعلين.

من الأفلام البارزة التي تناولت قصة الاغتصاب، فيلم “هي فوضى” 2007 للمخرج يوسف شاهين، وتتقدم المجني عليها نور -منة شلبي- على الحصول على حقها من المجرم، أمين الشرطة حاتم -خالد صالح- باللجوء للقانون وإصرارها على إلقاء القبض عليه والتحقيق معه، إلى جوار خطيبها وكيل النيابة الذي ساهم في قوة خطواتها.

قضية رأي عام.. نقطة مضيئة قوية

قضية رأي عام- يسرا لقاء الخميسي

في عام 2007 عُرض مسلسل “قضية رأي عام” للكاتب محسن الجلاد والمخرج محمد عزيزية، والذي قدم قضية الاغتصاب بشكل جريء وقوي، من خلال قصة وحبكة درامية متماسكة، في موسم دراما رمضان، مما جعله محل حديث الكثيرين، ونجح العمل في تحقيق نجاح كبير، وتدور قصته حول اعتداء ثلاث من الشباب على ثلاث نساء أثناء عودتهن من عملهن الطبي.

يكمن التغيير الكبير في المسلسل، أنه قدم شخصية جديدة للمرأة، لا تكتفي بالبكاء أو تتقبل إلقاء اللوم عليها، أو تتخفى عن أنظار الناس، بل قامت الدكتورة عبلة -يسرا- الضحية الأولى باتخاذ قرار سريع وصادم لزوجها بالتوجه إلى النيابة وتقديم بلاغ بتعرضها للاغتصاب، ورغم معارضة الزوج وطلاقه لها، إلا أنها لم تتراجع عن قرارها، وتصدم بوالد أحد المجرمين، الوزير شكري -رياض الخولي- وتحارب حتى تضم للقضية الضحية الثانية حنان -لقاء سليمان- ورغم أنها فتاة صعيدية إلا أنها ترفض وصمة العار التي لحقت بها وتواجه الأمر حتى يُحكم على المتهمين الثلاثة بالإعدام.

والمميز للعمل أن الشخصيات النسائية واجهت هذا الموقف بإرادة حرة وقوية نابعة من ذواتهن وليس بدافع من رجل في حياتهن، كما أنهن يرفضن أي شكل آخر من أشكال الانتقام ويتمسكن بانتظار الحكم القانوني على المغتصبين.

بعد سنوات من تقديم هذه القصة، طرح هذا العام مسلسل الطاووس، الذي عاد بشخصية الفتاة المعتدى عليها إلى الخلف، حيث رسم مؤلفا العمل كريم الدليل ومحمد ناير، صورة فتاة مهزوزة وضعيفة، لا تحاول مطلقاً البحث عن حقها، وعندما يتم الاعتداء عليها تلجأ مباشرة لمغادرة المكان وتكتفي بالبكاء المستمر ومحاولة التستر عن عيون الآخرين، ولا تفكر أو يمنح المخرج أي إشارة دلالية على نية تكنها للتوجه إلى النيابة، ولا تتحرك إلا عندما يأتي أحد المحامين ويطلب منها توكيل لرفع قضية، بعدما يٌنشر لها فيديو على الإنترنت مع المغتصبين.

0

شاركنا رأيك حول "بين الماضي والحاضر.. ماذا تغير في شخصية الفتاة المُعتدى عليها على الشاشة؟"