مسلسل ما وراء الطبيعة
0

للأربعة أيام السابقة احتل مسلسل  ما وراء الطبيعية “paranormal” الحديث على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، كما احتلت المراجعات عنه اليوتيوب العربي والأجنبي، وأصبح مسلسل ما وراء الطبيعة هو التريند الأول على فيس بوك ويوتيوب.

ما وراء الطبيعة مسلسل غرائيبي مصري، يعد نقلة نوعية في الدراما العربية التي محل ارتكازها الدراما الاجتماعية والرومانسية، مستوحاة من سلسلة بنفس الاسم للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق، إخراج عمرو سلامة ومن إنتاج نتفلكيس.

كالعادة تباينت الآراء بشدة بين أشخاص يشيدون بالمسلسل حد عدم تقبل فكرة وجود آراء أخرى حوله، وبين كارهين له واعتبره أقل من المتوسط، وأيضا- كالعادة- اتخذ المعجبين به على عاتقهم الرد على النوعية الثانية بمراجعات أجنبية عن المسلسل تشيد به وتضعه في مرتبات عالية، مُدعيين كل من لم يعجبه المسلسل حتى مع توضيحه لأسباب منطقية لذلك بأنه يعاني من “عقدة الخواجة” وهذا مُصطلح مشهور بين المهتمين بالسينما والمسلسلات للرد على من لا يفضل الدراما العربية ويجيدها ضعيفة.

إذا هل فعلًا ما وراء الطبيعة جيد لهذا الحد؟ أم أن هناك أسباب أخرى لإعجاب اليوتيوبر الأجانب به وكره النقاد العرب له ؟

أجل؛ وفي هذه سوف نستعرض تلك الأسباب.

ثقافة جديدة في صورة طبيعية

السبب الأول والأهم هو تعرفهم على الثقافة المصرية في صورة طبيعية بعيدًا عن الصورة النمطية المتشددة.

في السينما والدراما الأجنبية المصريين وبصفة عامة العرب يظهرون في نوعين نمطيين من الشخصيات، الأولى إرهابيين يمتزون بالحماقة والعنف ومستعدين لقتل أي شخص لا يتفق معهم، والنوع الثاني أناس يبدون مساكين للغاية ولديهم هَالة من المذلة الغير مبررة، ترتدي النساء الحجاب و الرجال الجلباب ويأكلون التمر ويتحدثون بصوت منخفض ووادعة مصطنعة مبالغة ولا يريدون أي شيء سوى الجلوس مكانهم والسلام، وكلا النوعين بالغين الاصطناع لحد ما ولا يبرز الثقافة المصرية.

لكن ما وراء الطبيعة قدم المجتمع المصري حتى في الستينيات بصورة طبيعية، أناس لديهم مشاكل عائلية، وحياة عاطفية، يذهبون للسينما ويرتدون الفساتين ويهتمون بتسريحات الشعر، يستمعون للراديو ويشاهدون التليفزيون، يخطئون ويؤمنون بالخرافات التي يمتلكون الكثير منها كأي ثقافة في العالم.

وهذا قدم للعالم الغربي صورة طبيعية للثقافة المصرية، عادية ومهتمة بما يهتم به العالم، وليس صورة متشددة مسيئة مشوهة ومبالغة في تقديمها، وهو الشيء الذي لم يقدمه أي عمل من قبل.

نوع جديد من الرعب يهتم بالقصة وليس الخوف

مسلسل ما وراء الطبيعية

هناك عيب كبير في صناعة سينما ودراما الرعب، وهو عدم الاهتمام بالقصة الذي قدمها بل يصب تركيزه في رعب المشاهد.

في الدراما الأمريكية تنقسم مسلسلات الرعب المجردة إلى ثلاثة أنواع؛ رعب المسوخ والوحوش والذي يعتمد على وحش يحاول بطل القصة العثور على طريقه لقتله مع قصة جانبية ضعيفة تفقد المشاهد حماسه من متابعتها لأنه بعد فترة لا يتسأل عما سيحدث تليًا.. رعب السحرة والمذؤوبين ومصاصي الدماء الجذابين والتي تقع داخل قصص رومانسية للمراهقين.. الرعب القوطي الذي يدور في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر عن قصص مظلمة للوحوش الكلاسيكية مثل دراكولا أو فرانكنشتاين أو قاتل متسلسل عنيف.. وفي كل نوع يتم التركيز على الرعب لا القصة، عن طريق موسيقي تشعرك بالقلق والتوتر، بطء الكاميرا عند عرضها مشهد ما، صراخ ثم قطع وكل تلك التقنيات التي يستخدمها مخرجي الرعب لإخافة المشاهد على حساب إهمال القصة.

ما وراء الطبيعة ركز في القصة، وابتعد عن كل تقنيات الرعب التقليدية، لَمَ يكن يهدف لرعب المشاهد عن طريق إفزاعه بل بتصوير أساطير شعبية مُمكنة الحدوث في إطار منطقي كلعنة الفراعنة والنداهة والأشباح، بغض عن النظر عن إحكام القصص من عدمه لكن كان هناك قصة.

والناس الذين يفضلون مشاهدة دراما الرعب لا يرغبون بمشاهدة عمل يفزعهم لكنهم يرحبون بمشاهدة عمل يتمكن من أن يسلل شعور بالخوف إليهم.

دراما جيدة تسحبك داخل القصة

عمرو سلامة يدرك جيدًا نقاط قوته وأنه مخرج دراما جيد وليس إثارة أو رعب، ولهذا اعتمد على تغير بيوجغرافية السلسلة الأدبية التي اعتمدت على 60% إثارة وتشويق و 40% أحداث درامية، بأن أبدل النسب وأعمد المسلسل على 60% من الدراما و40% من الإثارة، وهو القرار الجيد لأنه يدرك نقاط قوته ويريد إبرازها.

وتلك الدراما الجيدة التي تعتبر عنصر مفتقد في مسلسلات الرعب الأمريكية واحد من الأسباب التي جعلت اليوتيوبر الأجانب يعجبون بالمسلسل.

مسلسل ما وراء الطبيعة

لا يعرفون الكتب.. ولا يربطهم شيء بالدكتور رفعت إسماعيل

واحد من أهم أسباب إعجاب اليوتيوبر الأجانب بمسلسل ما وراء الطبيعة أنهم لا يملكون مرجع للعودة إليه والمقارنة منه.

لا يعرفون السلسلة الروائية، لا يعرفون القصص وكيف انتهَت، وما الروابط بين الشخصيات، ولم يقابلون دكتور رفعت إسماعيل إلا عندما قَدم إليهم في المسلسل.

لم يبنون شيئا في عقولهم وانتظروا رؤيته على الشاشة، ولا يملكون شيئا للمقارنة بينه وبين المسلسل.

بالنسبة إليهم مسلسل ما وراء الطبيعة عمل منفرد قائم بذاته، لا يعرفون بوجود قصص أفضل ونهايات أخرى، لا يعرفون أن ماجي لم تكن شريكته في الأساطير وكانت شقراء وليسَت صهباء، بل كل ما يعرفونه هو ما قُدم في المسلسل وهذا جعل الأعجاب به أسهل كثيرًا.

أقرأ أيضًا: رفعت إسماعيل بطل ما وراء الطبيعة: حديث عن أظرف شيوخ الأرض وأذكاهم

مسلسل ما وراء الطبيعة

التوقعات كانت لا شيء

التوقعات على أي عمل فني يمكنها حقًا أن تؤثر في تقيمك النهائي له، بالأخص حينما تضع الكثير من التوقعات المرتفعة الذي يصبح الجيد والمتوسط بالنسبة إليها سيء للغاية، وحينما تخفض من توقعاتك وترى مستوى متوسط سيصبح جيد بالنسبة إليك.

لكنهم لَم يملكون أي توقعات للعمل، بالنسبة إليهم هو مسلسل مصري أنتجته منصة نتفلكيس كما تنتج أعمال أخرى إسبانية وتركية وأردنية، ولذلك لم يملكون أي توقع لأي شيء وهذا ساعد بالتعامل مع العمل وليس مع توقعاتهم عن العمل.

اللغز وليس فقط ماورائيات

اليوتيوبر يُدعي “كريس” صاحب قناة  Movies And Munchies في بداية مراجعته شبه مسلسل ما وراء الطبيعة بمسلسل الخيال العلمي الشهير”x-files” وهذا لأن مسلسل ما وراء الطبيعة يملك ألغاز في كل حلقة.

بغض النظر عن جودة اللغز و حبكه إلا أنه في كل حلقة يوجد لغز، يوجد شيء يملك قصة داخلها لغز والبطل يحاول حل اللغز، في كل حلقة يمكنك أن تسأل ما الحل، وهذه الألغاز شيء جيد للغاية في مسلسلات الخيال والغرائبيات لأنها تجعل المشاهد أسأل ماذا سيحدث تاليًا وهذا يجعله يحب المسلسل.

بطل ليس بطل معتاد

هناك نمط معين من أبطال تلك النوعية من الدراما الغربية، عادةً تحدده صفات جسدية وأبعاد نفسية واحدة، جذاب ووسيم وقوى، من الصعب قهره، مظلم ولديه هذه الهالة التي تحمل لافتة ماضي مظلم سري وجميع النساء تقعن تحت سحره.

لكن رفعت إسماعيل مختلف، شخص طبيعي مع شكل عادي، ليس وسيم أو جذاب، غارق في السوداوية ولا يمكنه قول كل ما يفكر فيه بصوت عالي كمعظم البشر، لكن يملك عقل جذاب وسرعة بديهة وحس دعابة ساخر وساحر.

رفعت إسماعيل هو البطل الذي يجعلك تنفعل معه، يعجبك ويُضحكك، وتشعر بالحزن عليه وأحيانا لا تفهمه كشخص حقيقي.

وهذا النوع من الأبطال ليس معتاد في الدراما الغربية وأحد الأسباب التي جعلك المسلسل مختلف ومحبوب.

 

كسر نتفلكيس تابو

ما وراء الطبيعة لا يعد موديل نتفلكيس من المسلسلات، حيث لا يحتوى عنف أو دماء أو مشاهد جنسية فجة أو مثلية أو عنصرية.

واحد من الأعمال القليلة جدًا على منصة نتفلكيس لا يحتوى على ما تحرص نتفلكيس على الزج به داخل الأعمال، لا قصة حب مثلية تم دفعها في منتصف العمل حتى بدون فائدة درامية، لا مشاهد جنس غير مبرر ولا مشاهد عنيفة.

وعكس الفكرة المعتادة عن الغرب فلا يوجد أناس أسوياء يرغبون بمشاهدة تلك الأشياء في كل عمل فني يشاهدونه، وفي الواقع الكثير منهم ينفر من ذلك.

ولهذا مسلسل ما وراء الطبيعة حظى بالإعجاب منهم فهو من الأعمال القليلة التي عرضت قصة؛ قصة طبيعية دون الزج بأي شيء آخر.

أحمد أمين مسلسل ما وراء الطبيعة

العائلة وعلاقات أسرية وقيم الأسرة

في المسلسلات الغربية تكون الروابط العائلية عادةً سيئة، الجميع يكره بعضه ويعد المكائد للأخرين، وأحيانا لا يهتم المسلسل بعرض عائلة ويعطيهم أدوار سطحية فرعية لا قيم لها.

لكن ما وراء الطبيعة أعطى الكثير ليظهر العائلة والعلاقات بينهم، في الواقع خصص الحلقة الأولى كاملة لذلك، وقيم الأسرة التي تغرق الدراما العربية هي شيئا غير معتاد بل ومُبهر للغرب.

ولنفس الأسباب السابقة لم يعجب كثيرًا النقاد العرب بمسلسل ما وراء الطبيعة، لأنهم بالفعل على دراية بتلك الثقافة وشاهده أعمال عن هذه الحقبة، وكان لديهم توقعات عالية للغاية ويعرفون السلسلة والاختلافات بين القصص في الكتب والمسلسل ، ولديهم خياليهم الخاص عن رفعت إسماعيل والشخصيات الأخرى، وممتلئين للغاية من الدراما وشكل العلاقات في العائلة المصرية.

نفس الأسباب في عمل فني واحد قد تكون جالبة للإعجاب أو الكره.

أقرأ أيضًا: مسلسل ما وراء الطبيعة .. بين الدراما والإثارة لا يوجد رعب

0

شاركنا رأيك حول "لماذا أعجب اليوتيوبر الأجانب بما وراء الطبيعة ولم يعجب النقاد العرب؟.. عقدة الخواجة أم هناك أسباب حقيقية !"