0

“تعلم قواعد اللعبة ثم تعلم اللعب أفضل من الآخرين”، عبارة رائعة قيلت على لسان عالم الفيزياء العبقري ألبرت أينشتاين. تصف هذه العبارة بطلة قصتنا اليوم، غادة المطيري، التي استطاعت تسخير علمها لخدمة البشر، في البداية تعلّمته جيدًا، ثم تلاعبت به أفضل من الآخرين.

من طالبة كيمياء إلى عالمة كبيرة تساعد ابتكاراتها في إنقاذ حياة الناس حول العالم. استطاعت العالمة الكيميائية السعودية أن تصبح واحدة من أبزر العالمات العربيات، وأن تحظى بمنزلةٍ كبيرة في مجال الكيمياء. خلال موضوعنا هذا، سنتطرق للحديث عن الدكتورة غادة المطيري وكيف ساعدتها براعتها في تخصص الكيمياء على إنقاذ حياة المرضى، لتكسر الفكرة النمطية السائدة، بأنّ مستقبل متخصصي الكيمياء إما التدريس أو وظيفة روتينية في مخبرٍ أو مصنع.

البداية..

وُلدت الدكتورة غادة لأبوين سعوديين في ولاية أوريغون بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1976. نقلًا عن “Citrus College“، تقول المطيري إنها انتقلت بين مجموعة من الدورات في اللغات كالإنجليزية والفرنسية، كما تفوقت في الرياضيات، ما عزّز من ثقتها في نفسها.

من السعودية إلى الولايات المتحدة الأمريكية

كان والد الدكتورة غادة يدرّس العلوم الجنائية في الولايات المتحدة، وهناك وُلدت هي وعادت إلى السعودية مع انتهاء بعثة أبيها عندما وصلت إلى المرحلة الابتدائية. تلقّت المطيري تعليمها خلال المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية. وأرادت دراسة الطب، لكن لم يُقبل طلبها، بعد ذلك سافرت للرياض، وعملت بالتدريس لمدة سنتين ثم قررت اتباع شغفها والذهاب لاستكمال دراستها في الولايات المتحدة الأمريكية، فانتقلت إلى لوس أنجلوس عام 1997. وحصلت على درجة البكالوريوس في الكيمياء العضوية من كلية “اوكسيدنتال” عام 2000.

رب صدفةٍ نافعة

تمامًا كما حدث مع العالم المصري الراحل دكتور أحمد زويل، الذي صرّح في إحدى المرات أنّه اكتشف شغفه بالعلم عندما التحق بكلية العلوم. لم تلحظ المطيري شغفها بالكيمياء إلا بعدما التحقت بفصول الدراسة قسم الكيمياء.

طموح لم يتوقف

ازداد شغف المطيري بالكيمياء، ما شجعها على استكمال الدراسات العليا، فانتقلت إلى جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، وحصلت على درجة الدكتوراه في كيمياء المواد عام 2005.

أثناء دراستها، استطاعت غادة تطوير فهمها للكيمياء، وعملت على توظيف ما تتعلمه في خدمة المرضى. تميزت أبحاث المطيري بأنّها قابلةٌ للتطبيق المباشر على المرضى، كما حرصت على دراسة تخصصات العلوم المختلفة والطب. ساعدت كل هذه العوامل على جعل أبحاثها مميزة. بعد ذلك، سافرت لاستكمال أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا ببركلي.

أصبحت الدكتورة غادة أستاذةً في الكيمياء الصيدلانية بجامعة كاليفورنيا في سان ديغو منذ عام 2008، وسجّلت ما يزيد عن 10 براءات اختراع، كما صارت رئيسة لمركز التميّز في الطب النانوي، وهو مركز تابع لمعهد كاليفورنيا، يهتمّ بتطوير أجهزة وأدوات لعلمي الطب والأحياء.

ساهمت المطيري في تطوير الكثير من الأدوية الدقيقة. حيث اكتشفت معدناً يسمح للأشعة بالدخول إلى خلايا الجسم من خلال رقائق صغيرة تسمى الفوتونات، ما يساعد في علاج المرضى دون الحاجة لعمليات جراحية، كما اكتشفت جسيمات نانوية، تستجيب للالتهابات التي تصيب الجسم البشري، ما يعزّز علاجها. قادها هذا الابتكار للحصول على جائزة “NIH New Innovator Award” عام 2009. كما حصلت على زمالة كافلي من الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم في عام 2016.

صاحبة أحد أبزر الاختراعات

في أحد حواراتها مع صحيفة سكاي نيوز العالمية عام 2016، عندما سُئلت المطيري عن أبحاثها ومشاريعها التي تهتم بها، ردت المطيري بأنّها تعمل على مشاريع خاصة بالمواد التي تتفاعل مع الالتهابات، فهي ترى ضرورة تسليط الضوء على علاج هذه الالتهابات التي يبدأ بها أي مرض، فعندما بحثت في الدراسات والأبحاث السابقة عن مواد ذكية تتفاعل مع الالتهابات لم تجد، ما حفّزها للبحث في هذا الاتجاه، واستطاعت ابتكار هذه المواد التي تفتح الباب أمام علاج العديد من الأمراض.

عن حبّ الاطّلاع والعلم

ترى العديد من الفتيات العربيات قدوة في المطيري، وعندما سُئلت عن كيفية وصولها لهذا المستوى من العلم والمعرفة، أجابت المطيري إنّه حب الاطّلاع والعلم. وأضافت أنّ للأهل دورٌ مهمٌ في تدعيم الفتيات وتشجيعهم على كثرة الاطّلاع.

وأشارت المطيري إلى الصعوبات الواردة التي قد يواجهها أي شخصٍ يقرّر الدخول إلى عالم البحث العلمي، فهناك العديد من الأبحاث التي تستغرق وقتًا طويلًا، حتى يستطيع الباحثون الوصول إلى نتائج فعّالة. وهنا تأتي المعضلة، حيث لا يتفهّم كثيرٌ من العامّة خارج الوسط العلمي أهمية هذه الأبحاث وأنّ هذا الوقت طبيعي في مجال البحث العلمي.

وهنا يجب لفت الانتباه إلى دعم والديها لها في مسيرتها العلمية، ما ساعدها على الانتباه إلى شغفها والعمل والبحث الجاد، حتى استطاعت تحصيل قدرٍ كبيرٍ من العلم جعلها واحدةً من أبرز عالمات الكيمياء في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى صيتها في وطننا العربي، فهي أوّل عالمةٍ عربية في تكنولوجيا النانو.

من المعمل إلى المشفى

في أغلب الأوقات، ركّزت أبحاثها على المجال الطبي أكثر من غيره، ووظّفت الكيمياء في خدمة المرضى، ولها العديد من الإسهامات الفارقة في الطّب، حيث اهتمّت بدراسة التغيّرات الكيميائيّة التي تحدث للجسم البشري قبل الإصابة بالأمراض، ما يعزّز قدرتها على ابتكار وسائل فعّالة تقلّل من حدة المرض.

سعت المطيري خلال مسيرتها إلى العمل على أبحاث قابلة للتطبيق، بحيث تستطيع نقل نتائج الأبحاث من حقل المعمل إلى الشركات المصنعة، التي بدورها تنقلها إلى المشافي، ما يحقّق غاية العلم الأساسية، وهي تحقيق أقصى استفادة من العلوم البحتة على أرض الواقع.

المطيري.. بين العلم وعالم الأعمال

بعدما رُزقت دكتورة غادة بابنها “راين”، اكتسبت وزنًا إضافيًا، وهذا حفّزها على ابتكار جهاز ليزر يساعد في شفط الدهون بسرعة، وهذا يجعل مرضى السمنة يستغنون عن عمليات شفط الدهون والاستعاضة عنها بابتكار المطيري. وهنا قررت افتتاح شركتها الخاصة eLux الطبية، ودخلت عالم الأعمال.

كبسولات النانو الواعدة واسهاماتها في عمليات زراعة الأعضاء

ابتكرت دكتورة غادة ما يسمى بـ”كبسولات النانو”، وتتميّز هذه الكبسولات بحجمها الصغير جدًا، كما أنها تستهدف فقط الالتهابات داخل الجسم، دون المساس بالخلايا الأخرى السليمة، إضافةً إلى أنّها لا تتفاعل مع الماء، ما يجعلها واحدةً من أهم الابتكارات المفيدة في مجال الطب والصحة. بالإضافة إلى ذلك، استطاعت دكتورة غادة عزل الخلايا الجذعية ومعالجتها جيدًا بمواد وكميات محددة، هذا بدوره يشكل نقطة فارقة في عمليات زراعة الأعضاء.

عالمة ترسم بالكيمياء

أثبتت المطيري أنّ للكيمياء فوائد لا تقتصر فقط على التفاعلات الكيميائية أو صناعة السيارات والأدوات الأخرى. لا، بل يمكن تسخيرها للمجالات المختلفة، وقد يكون هذا المجال يشكّل طوق نجاةٍ لأحدهم، يعاني من مرض ليس له علاج أو مريض على طاولة العمليات، يُجري له الأطباء جراحةً خطيرة، فتأتي العالمة الكيميائية بأداةٍ أو وسيلة أو علاجٍ ينقذ حياته.

أثناء بحثي واطّلاعي على أعمال وإنجازات الدكتورة غادة، لاحظت قدرتها على تسخير الكيمياء في مجالاتٍ عدة، وهنا يستحضرني عبارة أينشتاين الشهيرة: “تعلّم قواعد اللعبة ثم تعلم اللعب أفضل من الآخرين”، وهذا ما فعلته المطيري مع الكيمياء، بعدما تعلّمت قواعدها جيدًا، وكأنها رسامة ترسم بالكيمياء ابتكاراتٍ واختراعاتٍ مدهشة، تُجبر العالم على رفع القبعة لهذه العقلية العلمية الرائعة.

من ذلك كله، نلاحظ اهتمام الدكتورة غادة المطيري بتوظيف الكيمياء في مجال الطب والصحة، وقد شكّلت أبحاثها وإنجازاتها علامةً فارقةً لا يُستهان بها. ربّما هذا يثير العديد من التساؤلات، هل توظّف الكيمياء للطّب خاصةً لأنّها أحبّت المجال وأرادت دراسته في وقتٍ ما؟ حسنًا، ربما نعم وربما لا، الإجابة متروكة لها. لكن الأكيد أنّها أرادت تقديم أبحاثها ودراساتها وعقليتها المبتكرة للمرضى، من أجل مساعدتهم. وما زالت غادة المطيري تبدع وتبتكر..

اقرأ أيضاً: ستكسب عشرات آلاف الدولارات.. ما هي مجالات عمل تخصصات الكيمياء بعد التخرج؟

0

شاركنا رأيك حول "غادة المطيري: كيف ساعد تخصص الكيمياء العالمة السعودية على إنقاذ حياة المرضى؟"