دعاء يونس نموذجٌ مشرق من هؤلاء المصرّين على النجاح، فطريقها تنيره العزيمة وتعبّده الإرادة ويتوجّه الحب، حبّ الحياة وحبّ البشر وحب الوطن، هذا الحب الذي تنثره دعاء شعراً يدوّي على المنابر ويضيء الصفحات التي ستلملمها قريباً لتُصدر ديوانها الشعري الأول، وإليكم خلاصة لقائنا معها.

من البيت إلى المدرسة، للكفيف رؤيته

عن نشأتها تقول دعاء: “ولدتُ كفيفةَ البصر، ولم يستطع الأطباء تحديد سبب الإعاقة بالضبط، وبعد أن بذلت الأسرة كلّ محاولاتها في علاجي، وبعد أن أخبرهم الأطبّاء أن لا علاج متاح حتّى الآن، انصبّ اهتمامهم على تربيتي، فسعوا إلى تنشئتي مع إخوتي دون أن يميّزوني عنهم بسبب إعاقتي، ودون دلالٍ مفرطٍ أو إهمال، وهذا جعلني أشعر أنني لا أختلف عن بقية أفراد الأسرة في شيء، وفي الوقت ذاته حرصوا على تهيئة المكان بحيث يتناسب ولو جزئيّاً مع إعاقتي وذلك على قدر الحال، إذ أدخلني أهلي في الروضة النموذجية لتأهيل وتعليم المكفوفين لأتعلّم طريقة برايل، وبعدها إلى المدرسة الابتدائية رغم محاولة المحيط أن يقنعَ أهلي بعدم جدوى تعليمي وأنّه لا فائدة ترجى من طفلة كفيفة”.

اندماج مع المبصرين في المدرسة الابتدائية

تقول دعاء: “لم تكن مدرستي الابتدائية للمكفوفين فقط، ففي مدينتي حمص كانت المدارس دامجةً، فتعلّمنا مع أقراننا المبصرين في مقعدٍ واحد وصفٍّ واحد، فاندماجي بالمجتمع وتربية أهلي الصحيحة جعلاني أمتلك شخصيةً قوية، فكنت كلما يئست أو تعبت وجدتهم أكثر إصراراً منّي على نجاحي، وهذا ما جعلني أطرد فكرة اليأس والفشل من رأسي، وأوقن أنَّ كفّ البصر نعمة العاقلين ونقمة الجاهلين”.

من ذوي الهمم العالية، كفيفة البصر، مشرقة البصيرة، دعاء يونس شاعرة حقيقية، طفولة

فتيل الحرب عائق جديد أمام المكفوفين

حين اشتعلت الحرب في عام 2011 في سورية، كانت دعاء ما زالت في المرحلة الإعدادية، اشتعلت حمص المدينة بأتون الحرب، فاضطرّت العائلة للانتقال إلى ريف حمص، حيث لا يوجد مدارس تدمج المكفوفين بغيرهم من الطلاب، والمدارس الدامجة لديها وسائل تعليمية خاصة بالصعوبات التي يعانيها ذوي الاحتياجات الخاصة لتعينهم على الاندماج بالآخرين، وهذا لم يكن متوفراً في الريف، مما شكل صعوبة جديدة واجهتها دعاء بالتحدي والإصرار. تقول: “بدأت الصعوبات في الدراسة والحصول على المناهج الدراسية، واضطراري إلى كتابة المناهج يدوياً بطريقة برايل في الإعدادية وعلى الكمبيوتر في الثانوية، وهذا كان يأخذ مني وقتاً مضاعفاً، إضافةً إلى غياب الوسائل التعليمية المناسبة لي في الريف كون المدارس في الريف ليست دامجةً ولا مؤهّلةً لاستقبال المكفوفين أصلاً، ولكنّني لم أنقطع عن الكتابة، ولم أنقطع عن الدراسةِ أيضاً. الصعوبات وقتها كانت كثيرةّ، ونصفها أوقف عدداً من أصدقائي عن الدراسة، ولكنني لم أفكر في أن أتوقف، وبالطبع لم أكن وحدي، فكلّ فردٍ من أسرتي كان يدعمني ويعينني بما استطاع، ولهم الفضل في كلّ نجاحٍ حقّقته إلى الآن وفي كل نجاح سأحقّقه”.

الدراسة الجامعية

للحياة الجامعية صعوباتها أيضاً على المكفوفين، وقد عانت دعاء كغيرها من المكفوفين، لكن الكثير لم يستطيعوا الاستمرار، إنّما نجحت دعاء في الاستمرار لتكون اليوم على أبواب التخرج من كلية الآداب قسم اللغة العربية. تقول: “حينما دخلت الجامعة كنت أعلم أنّني سأواجه صعوباتٍ كثيرة، وكنت أسمع عن حياة الطالب الجامعي الكفيف من زملائي الأكبر سنّاً، ولكنني اعتدت على هذا منذ طفولتي، فلم تكن حياتي معبّدة بالورود، فكنت مستعدّةً نفسيّاً لمواجهة هذه الصعوبات وحاولت أن أسهم في حلّها ونجحت أحياناً، ولكن على أيّ حال ورغم صعوبات الدراسة في الجامعة فإنّها كانت أسهل من ظروفي في الثانوية والإعدادية”.

دعاء يونس، شاعرة ليس للمكفوفين فقط

من ذوي الهمم العالية، كفيفة البصر، مشرقة البصيرة، دعاء يونس شاعرة حقيقية، بريل

تعرفها الأوساط الأدبية كشاعرة لا يشقّ لها حرف، تدعى للمشاركة في الأنشطة الأدبية وتستجيب.

الموهبة ظهرت مبكرة

ظهرت موهبة دعاء في الكتابة في سن مبكرة، فقد كتبت أول كلماتها عن الأم وهي في التاسعة من عمرها: “أمّي يا زهرةً تنبتُ في البستان، أراها في عينيَّ كشجرةِ الرمان تفتحُ عينيها وتقول، تعالي لأغمركِ بالحبِّ والحنان”. كانت هذه الكلمات فاتحة اهتمامٍ خاصٍ بها من قبل المعلمين والأسرة لتنمية الموهبة التي لا تخفيها كلماتها الثمانية عشرة التي جاءت بعد عدة محاولات بسيطة لتأليف القصص الطفولية التي لم يكن الأهل يتنبهون لها قبل ذلك، إضافةً إلى قدرتها على الإلقاء والتي جعلتها تشارك في الحفلات المدرسية ومسابقات رواد الطلائع للفصاحة والخطابة. تقول دعاء: “في هذه الأثناء كان أساتذتي يؤمّنون لي قدر الإمكان قصصاً وقصائد وأشياء ثقافية، بالتسجيل الصوتي أحياناً، وبكتابتها لي بطريقة برايل أحياناً أخرى”.

مجموعة شعرية للأطفال وهي في عمر 11 عاماً

أصبحت تكتب القصص الطفولية وقصائد الأطفال بدعم وتشجيع من الأسرة والمدرسة حتى امتلكت مجموعة كاملة لم تتمكن من نشرها بسبب ظروف الحرب في سورية.

تقول دعاء: “كان عمري 11 عاماً حينما أصبح لديّ عددٌ من القصص يمكن جمعها في مجموعةٍ شعريّةٍ للأطفال، وسعيت لنشرها ولكن حالت ظروف الأزمة في بلدي دون ذلك، وربما سأضع لها مقدمةً وأنشرها لاحقاً”.

الموهبة تتطور لتصنع شاعرة

كان لدراسة الأدب العربي أثرٌ كبيرٌ في تطوير موهبة دعاء في الكتابة، هذه الموهبة التي بدأت تتطوّر في المرحلة الثانوية حين تعلّمت بحور الشعر: “في الثانوية تعلمت بحور الشعر، ولكنني فضّلتُ شعر التفعيلة على القصيدة العموديّة”. أما في الجامعة فقد أتاح لها تخصّصها أن تكون على اتصالٍ بالنقّاد والأدباء الذين يشكّلون جزءاً من الكادر التدريسي في الجامعة، ما جعل موهبتها تجد سلّماً تصعد به نحو امتلاكها لقب شاعرةٍ حقيقية. هذا ما باحت به دعاء لنا: “الجامعة أتاحت لي فرصة إثبات نفسي أدبيّاً، فأنا أدرس في قسم اللغة العربيّة، وأساتذتي منهم الكتّاب ومنهم الشعراء والباحثون الذين أفادوني بتوجيهاتهم وعلمهم”.

رغم أنها كفيفة البصر، قامت بتدقيق وتشكيل الديوان السوري المفتوح

عن تجربتها في الديوان السوري المفتوح الذي يوثّق الحرب السورية من خلال نصوصٍ أدبية لكتّابٍ من جميع أنحاء الوطن العربي تقول دعاء: “بالنسبة للديوان السوريّ المفتوح: اعتمدت على الكمبيوتر في قراءة النصوص وضبطها، ولأنني أحبّ الشعر، وفكرة هذا الديوان كانت عن وطني، فكنت أشعر أنّني ربما سأقدم شيئاً ما لسوريا من خلال هذا الديوان، وكوني كنت معتادةً على استخدام الحاسوب، وقمت قبلها بكتابة مناهج الثانوية بنفسي على برنامج word لأدرسها، وبما أنني أتقن التعامل مع الكمبيوتر باستخدام قارئ الشاشة، وحصلت منذ ثلاثة أعوام على شهادة ICDL في استخدام الحاسوب، فلم أجد أي صعوبةٍ في قراءة النصوص وتدقيقها والتعامل معها، وأشعر بالفخر أنني من أسرة الديوان السوري المفتوح ولي مشاركة متواضعة فيه”.

هدية دعاء: مقطع من قصيدة

في نهاية لقائنا بدعاء أهدتنا هذا المقطع من قصيدة لها تنتمي لشعر التفعيلة بعنوان “درة الشرق”:

تقول:

“عاتبتُ في شعري جدائِلَها

أتسمحُ للقمر

أن يعتلي عرشَ السماء

طلعت على سفرِ الحقيقةِ

ترتدي ثوبَ البقاء

لا شيءَ ينبئُ باحتضارِ المجدِ

واستلقى الرخاء

وقرأتُ في تلمودِ قصّتها حواشي من مضَوا

كتبوا بماءِ سدورهم

اخفض جناحَ الذلِّ

هذي الشام

أمُّ الكبرياء”

وفي الختام

تمنينا لدعاء يونس أن يرى ديوانها النور بعد أشهرٍ قليلة، وأن تحقّق حلمها الذي همست لنا به: “وأتمنى بعد عشرة أعوام أن أكون قد بدأت بمشروعي البحثيّ الأدبيّ الخاص بي، وأن أترك بصمة في مجال الثقافة والأدب”.

اقرأ أيضاً: عظماء ومشاهير تحدّوا الإعاقة على مر التاريخ