ستيفان زفايغ في الرواية القصيرة الخوف يتحدث عن الحاجة السخيفة إلى الخطورة!

الخوف رواية للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ
محمود أيمن
محمود أيمن

8 د

صدفة غريبة أن أقرأ هذه الرواية وأنا أشاهد مسلسل “The affair” المشترك معها في الفكرة الرئيسية. “Fear – الخوف” هي رواية أخرى قصيرة من روايات الكاتب النمساوي خالد الذكر “Stefan Zweig – ستيفان زفايغ”، وفيها تقريبًا كل خصائص رواياته القصيرة التي نعمت بأن قرأتها. صدرت الرواية أول مرة سنة 1910، ثم ترجمها “أبو بكر العيادي” لدار “مسكيلياني” للنشر والتوزيع سنة 2018.

ستيفان زفايج

مؤلف وأديب نمساوي شهير لديه عدد كبير من الروايات والسير الذاتية المترجمة إلى لغات متعددة.
ستيفان زفايج

فيما يلي تحليل للرواية القصيرة “الخوف” للكاتب النمساوي “ستيفان زفايغ”، وفيه حديث عن تشريح الذنب والمذنبين في الأدب، بخاصة فعل الخيانة الزوجية.


الخوف: نظرة على المذنبين

غلاف رواية "الخوف" للكاتب "ستيفان زفايج".

غلاف رواية “الخوف” للكاتب “ستيفان زفايغ”.
ذو صلة

ثمة قصة لـ “يوسف إدريس” عن ناظر مدرسة يرى من نافذة مكتبه فتاة تدخن في حوش المدرسة. قرأت هذه القصة ونسيتها لكني أذكر تعليق “أحمد خالد توفيق” عليها، إذ قال إن كل من يرى فتاة صغيرة تدخن ستذهب أفكاره إلى فساد الأجيال الجديدة وانعدام الأخلاق والتربية إلى آخره، بينما نظر “يوسف إدريس” إلى المشهد عينه واستخرج منه قصة ممتازة.

يوسف إدريس

أديبٌ مسرحي وقصصي مصري، بدأ حياته كطبيب وأنهاها ككاتب. ناهض الاستعمار البريطاني لمصر وشارك الجزائريين معارك استقلالهم. عمل صحفيًا ونشر العديد من المقالات في صحيفتي المصري وروز اليوسف. حاز عدة جوائز خلال مسيرته المهنية كأديب، وكانت له مواقف سياسية صريحة تنتقد الوضع السياسي بشكلٍ كبير.
يوسف إدريس

أفكر أحيانًا في سبب هذا. هي الموهبة بطبيعة الحال، “يوسف إدريس” يبصر في المواقف والأفعال ما لا يبصره غيره، غير أني أحسب أن ما يحجزنا كثيرًا عن الإبداع هو وقوعنا تحت سطوة النظرة الأخلاقية الواسعة، والتي تشمل الجوانب كلها فلا تدع مجالًا لرؤية شيء آخر.

رواية “الخوف” للكاتب “ستيفان زفايغ” تحكي عن امرأة تخون زوجها. أول ما يتبادر إلى ذهنك (لأن الكاتب بنشره ما يكتب يجعل نفسه عرضة للمساءلة) هو الداعي إلى كتابة قصة مركزها هذا السوء. بالطبع قد يكون لك اعتراض على استهلاك هذه المواضيع ومنحها مع تكرارها طابعًا عاديًّا يجب أن تُحرم منه.

الحق أنها ملاحظة سليمة، ولِقراءة الأدب مع مشاهدة الأفلام أثر كبير على نظرة الإنسان للأمور، وقوة إنكاره للمنكرات على مستوى القلب والتصور، غير أن مراعاة ذلك مسألةٌ خاصة بالقارئ فكل امرئ أعلم بنفسه، والكاتب مسؤول عن روايته لا عن السياق الممتد الذي تنتمي إليه روايته.

نرشح لك قراءة: لاحقًا رواية جديدة لملك الرعب: ما نعرفه حتى الآن عن رواية ستيفن كينغ المرتقبة


تسلية على ورق

لكننا لم نجب عن السؤال بعد. نحن نعرف أن الشخصيات المختلة والأوضاع المعقدة أخصب أرض للأدب وأكثر المطروح إثارة للاهتمام، لكننا نضيف شيئًا آخر هو أن الكاتب معنيٌّ بالذهاب إلى حيث لا يذهب الناس عادة، وأي شيء أبعد عن التأمل والتحليل من أفعال المذنبين الشنيعة التي يقابلها الناس بالإجمال والاختزال ما استطاعوا؟

الأدب في كثير من صوره عملية نظرية، تسلية على ورق، لا أكثر ولا أقل، والغرض العام الذي هو فهم الغامض من السلوكيات وتقريب الناس لبعضهم غرضٌ هلامي لا يُرى له في الواقع أثر، فأشكُّ أن قارئ أي رواية عن مذنب يخرج بتعاطف معه له من الثقل ما يغير موقفه من أي جهة، هذا وإن كان التفهم العام المبني على تراكم التلقي قد يكون أوضح حضورًا عند قراء الأدب.

لكن مراعاة القارئ للكاتب مهمة. المرء يكتب عما يثير اهتمامه، والخطايا الخفية الذي يدفنها المجتمع -وإن يكن مصيبًا- بالتجاهل والنقد السلبي والتسطيح جديرة بإثارة انتباه مَن وظيفتُه الاستنباط والتطفل والتشريح.

إنني عندما أقابل هذا الرفض المتعالي لتمثيل الخاطئين وتشريح شخصياتهم وتقديمهم في الأدب والفن، أعرف أنه نابع من الاحتقار المترسخ تجاه من أذنب، والشوق الحيواني إلى وصمه والشماتة به والسيطرة على أفعاله وأفكاره وخططه، والفوز بنقطة تفوق عليه، وتحيُّن غلطة جديدة تبرر الانقضاض عليه بوحشية أكبر. إننا نرفض رؤية خطايا المذنبين على الورق لأننا نرغب في إخفائهم، وإنكار وجودهم، والاستقلال عنهم بنسيان أننا لا نخلو من عيب، واستغلال كل لحظة تفوق وانتشاء يتيحها النظر إليهم من فوقهم، وتجاهل خيار الأوبة المطروح للمذنبين بلا استثناء واحد.

لكن هذا التبرير كله لا يعني أيضًا إلزام الأديب -“ستيفان زفايغ” في “الخوف” أو غيره- باستخدام العرض للإصلاح أو الوعظ المكشوف الذي يضاد الغرض من الأدب، ولا يعني مع ذلك تبرئة نوع كامل من الكتابة تبرئةً تفصيلية شاملة، إنما هو تأسيس أولي. والدليل طبعًا أن التمثيل المذكور يمكن -بالبداهة- أن يؤدي إلى عكس الغرض المذكور فيحمل المستقبح على مزيد من الاستقباح والمُقر للخطأ على مزيد من الإقرار.


الأسوأ والأعظم ضررًا

الكاتب النمساوي "ستيفان زفايغ" صاحب رواية "الخوف".

الكاتب النمساوي “ستيفان زفايغ” صاحب رواية “الخوف”.
الكاتب النمساوي “ستيفان زفايغ” صاحب رواية “الخوف”.

من مزايا نوعية الروايات هذه أن ترى حكمك الأخلاقي -وثمة حكم دومًا- صامدًا أمام التعقيدات (فبخلاف الكاتب، بوسع المحلل عَيب الشخصيات الروائية بكل الصراحة والحرية): “إيرين” بطلة رواية “الخوف” امرأة آثمة، وهي لا تملك حتى أدنى تبرير يمكن أن يمهد للتخفيف من إدانتها: إنها تملك كل شيء وتختار بإرادة تامة تدمير كل شيء، ومن بين كل الأساليب المتاحة لمعالجة مشكلتها وشعورها بفقد المغامرة تنتقي الأسوأ والأعظم ضررًا على نفسها وزوجها وابنيها.

لكن من أجل نظرة أحسن، ولتجاوز المتبادر لذهن المتأمل للشخصية، يضعها “ستيفان زفايغ” في مواجهة شر أكبر: امرأة سوقية مقابل برجوازية “إيرين”، فقيرة مقابل غناها، وآثمة بذنب مقيت آخر هو الاقتيات على خطأ امرأة غيرها واستغلال خوفها من الفضيحة. لا يغير هذا من حكمك الأول على “إيرين”، لكنه بالطبع سيثير تفكيرك بخصوص الاستحقاق، ومقارنة أنواع الشر ببعضها، على نحو حائز لشيء من الحرية أصلُه أننا نحلل شخصيات روائية متخيَّلة.

بالإضافة إلى الخوف من الفضيحة التي هي شبح البرجوازية الأعظم، والقلق حيال حياتها الزوجية المعرضة للدمار؛ والتي يتضح الآن أنها جديرة بحماية أكبر، وبعد نزيف المال المستمر واحتمال استمرار الوضع للأبد، وبعد التعرض لامرأة ناقدة مقززة تبصق في وجهها كل الإدانات الصريحة لا لذاتها فحسب بل لطبقتها الاجتماعية وكل عيوب العالم؛ بعد هذا وقبله تواجه “إيرين” مشكلة أكبر هي الحرمان من إغلاق الماضي.

حتى التوبة التي هي فعل فاضل يمارسها الناس باعتبارها وسيلة سهلة لإزالة الشعور بالندم والخزي؛ لإحاطة فترة زمنية معينة بقوسين محكمين وإيداعها لحدًا عميقًا. من جهة أخرى، ممارسة الخيانة بالذات ممارسة موقوتة عمادها الخروج عن الأصل لمغامرة تعرف أنها عابرة، ما يعني أن هذا الاستمرار في التعامل مع ماضيها القريب وما يتصل به لا يفسد حاضرها ويهدد مستقبلها فحسب، بل يتلف الغرض من فعلتها أيضًا، فعلتها التي استنفذت منها أعظم الجهد.


مرحلة معينة

في رواية “الخوف” يحكي لنا “ستيفان زفايغ” مرحلة معينة من حياة “إيرين” هي المتصلة بزناها وتعرضها التالي للابتزاز. هذا التركيز يضخم هذه المرحلة ويضعها قيد التدقيق، لكنه أيضًا يحرمنا من النظر للحياة الأصلية الطويلة التي سبقتها.

على سبيل المثال، في مقطعٍ من الرواية تنزعج “إيرين” من غربتها عن ابنها وابنتها، وكونهما أقرب إلى الأب سيما عند الاحتكام حال التشاجر. عند قراءتنا هذا فإننا نربطه تلقائيًّا بالحدث المحوري للرواية، باعتباره سببًا أو ذا صلة على أقل تقدير. لكننا لا نرجع بهذا إلى ما قبل الحدث المحوري، لا نراه إيحاء بحياة كاملة سبقت موضع اهتمام النص.

من منظور أوسع، فالحدث المحوري وسيلة لتحليل الحياة التي سبقته، ليس فقط من جهة انتخابها الخيانة سبيلًا للتعاطي مع حالها، أو الأسوأ: استسلامها لمسارها دون فكر، بل كذلك تماشيها مع فكرة الابتزاز، مفضلة الخضوع لدافع بهذا السفل على الخضوع لحق زوجها في الإنكار والمعاقبة والاحتقار.

إن خياراتنا بأيدينا وهي تحدد مصائرنا، وكما قررت “إيرين” فعلتها الأولى فقد ثنَّت بقرار التكتم ومواصلة الاختباء رغم تعقد الموقف وحتمية الكشف، لاجئة بدلًا من المطلوب إلى تحليل حياتها بعينيها الجديدتين في محاولة إيجاد وجه مضيء لذنبها؛ فأنعمت النظر في زوجها وسنوات زواجها وعلاقتها بطفليها ومجتمعها وهدفها من الحياة، كأن هذا ما كان ليحدث لولا الخروج عنه بأقل الصور شرعية؛ كأن هذا أثر الخيانة لا أثر الخوف الذي لازم بطلة رواية “الخوف” من غير إرادة منها ولا طلب.

نرشح لك قراءة: موت فوق النيل: عن رواية سيدة الأدب البوليسي أجاثا كريستي


افتعال القصص

أحد أغلفة الطبعة الألمانية من رواية "الخوف" للكاتب "ستيفان زفايغ".

أحد أغلفة الطبعة الألمانية من رواية “الخوف” للكاتب “ستيفان زفايغ”.

ثمة ملمح أجهل إن كان “ستيفان زفايغ” قصد إليه بما كتب. بالطبع من الواضح أن حقد المبتزَّة على “إيرين” طبقي، هي امرأة فقيرة خبيثة الأصل وآخر شيء قد تفعله هو الإشفاق على غنية ذات وجهين، أو الزهد في ربح سهل، لكنه قد يكون تعمد كونها امرأة بدلًا من رجل ليتهكم من هذا الإيذاء الذي توقعه المرأة على المرأة؛ من هذا الحقد الذي يراه الأعمى، والذي كان واضحًا من ضمن عدة ظواهر كارثية أظهرها تريند التحرش الأخير.

لا أشك في أن جزءًا من دافع المرأة إلى استغلال بطلة رواية “الخوف” كان الاحتقار لكونها امرأة مخطئة؛ إذ الخطأ أحسن هيئة إذا صدر من الرجل؛ أقرب لأن يُقبل سيما من المرأة التي أصل عيشها التعرض للاضطهاد. بالتالي لم يكن مكسبها من “إيرين” أكثره المال، بل الاستعلاء الأخلاقي والشعور بالأفضلية (ولا أخال النهاية تغير من هذا شيئًا).

أما “إيرين”، التي لم تُظهر أي ندم خلال هذه الرحلة المكثفة، وصبت دفقة غضبها الوحيدة على عشيقها لا على نفسها، فإن بي شهوة شخصية إلى تصديق أن رضاها بوضع الابتزاز السخيف والمخيف باستمرار كان للدافع الأول ذاته الذي ابتدأ رواية “الخوف” كلها: حاجتها الطفولية السخيفة إلى الخطورة، نقمتها على السعادة الرائقة ورغبتها المريضة -المميزة لكثيرين من البشر غيرها- في التعكير والتدمير وافتعال القصص المفتقرة إلى مبرر وجودي.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us
ساندي ليلى
ساندي ليلى

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.