”لم يعلم حتى العاملين فيه بقرار فصله“.. لماذا فشل مشروع جوجل ستاديا للألعاب السحابية؟

جوجل ستاديا
أحمد صفوت صلاح الدين
أحمد صفوت صلاح الدين

7 د

عندما أعلنت شركة جوجل عن خدمة Google Stadia -جوجل ستاديا- للألعاب السحابية في مؤتمر مطوري الألعاب GDC لعام 2019، كانت التطلعات في السماء، وكان المنافسون يرتجفون خوفًا من سيطرة هذه الخدمة الجديدة على سوق الألعاب السحابية الواعد؛ فشركة جوجل هي واحدة من أضخم وأكبر الشركات التقنية في العالم، ولديها من الحملات التسويقية ما يمكن أن يجعل هذه الخدمة أشهر من النار على العلم.

إعلان جوجل عن خدمة ستاديا كان حالمًا؛ أخيرًا ستتمكن من بث ألعابك من كل أجهزتك، وستستطيع أن تلعب باستخدام اتصال الإنترنت فقط دون الحاجة إلى إمكانيات كبيرة على مستوى الهاردوير. كل ما تحتاجه هو الوقت الكافي لتجربة كل هذه الألعاب، واتصال سريع بالإنترنت، ومباركٌ عليك! بدا الأمر جنونيًا لم نكن لنتخيله حتى في الأحلام، وجوجل كانت تبدو واثقة ومهتمة للغاية لدرجة أنها أنشأت استديو خاصاً بها للعناوين الحصرية.

وبالفعل، أُطلقت الخدمة رسميًا في نوفمبر من ذلك العام، عام 2019، وكانت تعمل! نعم، كان بإمكانك أن تلعب عددًا لا بأس به من الألعاب باستخدام اتصال الإنترنت فقط. بالطبع كانت هناك بعض المشاكل التقنية وكان الأمر فوضويًا نوعًا ما، ولكن كل هذه أمور طبيعية لمشروع لم يلبث أن وُجد.

كان يمكنك حرفيًا فتح أي لعبة ترغب بها عبر متصفح جوجل كروم، أو شاشة التلفزيون إذا كانت تعمل بنظام تشغيل Android TV أو عبر جهاز Chromecast Ultra. كذلك طرحت جوجل تطبيق ستاديا لهواتف أندرويد، بالإضافة لنسخة ويب لهواتف iOS.


كانت جوجل تقدم كذلك ذراع تحكم خاصة بها، والتي سيتمكن المستخدمون من الاحتفاظ بها واسترجاع أموالهم أيضًا بعد إيقاف المشروع.

ذو صلة

أما بالنسبة للاستوديو الذي أنشأته جوجل، فلم تلق ألعابه إعجاب الكثيرين، ولهذا لم تكن لها قاعدة جماهيرية واسعة، ومن هنا بدأت الأمور في أخذ منحى مختلف، وبدأت جوجل تستوعب أن النجاح المطلق لمشروعها ليس مضمونًا كما كانت تعتقد.

إثر هذا الإخفاق، أعلنت شركة جوجل في فبراير 2021 عن إغلاق استديوهات تطوير الألعاب الخاصة بها، وقالت إنها ستدع الطرف الثالث يبرم شراكاته ويطور ألعابه خصيصًا للمنصة، وكان هذا بمثابة الإعلان عن بداية النهاية بالنسبة لمشروع ستاديا؛ وهذا ببساطة لأن المطورين لم يجدوا مبررًا يجعلهم يطورون ألعابهم على منصة ليس لها جمهور كبير.


توجه جوجل للألعاب السحابية استفز عمالقة التقنية

اهتمام شركة بحجم جوجل بالألعاب السحابية وإطلاقها منصة ستاديا المخصصة لهذا الأمر لم يمر على الشركات الأخرى مرور الكرام. أمازون على سبيل المثال، أطلقت خدمتها للألعاب السحابية "Luna" بعد عام واحدٍ فقط من الكشف عن مشروع ستاديا، ومايكروسوفت كذلك بدأت تهتم بالألعاب السحابية عن طريق خدمتها Xbox Cloud Gaming في أبريل 2021، وبهذا يمكننا القول إن جوجل "استفزّت" الشركات الأخرى، وجعلتهم يشرعون في التركيز والتحرك بسرعة نحو الألعاب السحابية بشكل غير مقصود.


هل تعلم؟

احتفلت أمازون بخبر إيقاف خدمة جوجل ستاديا عن طريق الكشف عن خصومات كبيرة على منصتها الخاصة بالألعاب السحابية، حيث سيتمكن المستخدمين من الحصول على وحدة التحكم بجانب اشتراك الخدمة الشهري مقابل 39.99 دولاراً بدلاً من 69.

بالنسبة لجوجل وخدمة ستاديا، فالصورة كانت ناقصة بشكل واضح. أسئلة كثيرة كانت بحاجة إلى إجابات، مثل: هل يمكن لسرعة الإنترنت الخاصة بي أن تسعفني في تشغيل هذه الألعاب؟ هل يمكنني شراء لعبة ما بشكل منفرد أم هل يجب أن أحصل عليها ضمن اشتراك مدفوع؟ هل سأجد الألعاب التي أريدها؟ كل هذه أسئلة لم يكن لها إجابات مباشرة، وهذا بدوره أدى إلى تجاهلٍ جماهيري للخدمة.


إليك أسباب فشل مشروع ستاديا

منذ عدة أيام أعلنت جوجل أنه بحلول 18 يناير القادم، سيكون مشروع ستاديا في خبر كان وسينتهي إلى الأبد، وهذا مع إعادة أموال جميع المستخدمين الذين اشتروا أي شيء يخص المشروع من متجر جوجل، سواء كان لعبة أو ذراع التحكم نفسها.

تسبب الخبر في دهشة الكثيرين ممن توقعوا تمسك جوجل بالمشروع، بينما كان الخبر متوقعًا بالنسبة للفئة الأكبر من الجمهور. كل ما سبق كانت عواقبه متوقعة بالنسبة لجوجل، ولكن السؤال هنا: ما الأسباب الحقيقة التي أدت إلى انتهاء مشروع جوجل ستاديا؟ ساندر بيتشاي، وهو المدير التنفيذي لجوجل- قال إنه يريد أن يزيد أرباح الشركة بنسبة 20%، ولكن هذا السبب يحتاج إلى الكثير من التفاصيل، وهذا ما سنناقشه حاليًا.


محدودية الخدمة وعدم وصولها للكثيرين

دعونا نعد إلى لحظة الإعلان عن المشروع. وقتها قال ساندر بيتشاي إن جوجل تمتلك الكثير من الخوادم ويمكنها أن تجلب إمكانياتها الحوسبية للكثير من الأشخاص حول الكرة الأرضية، وأردف قائلًا إن خوادم الشركة موجودة في 19 منطقة، وفي أكثر من 200 دولة حول العالم. هذا ما كان يعني أن جوجل ستاديا ستصل إلى حوالي 200 دولة حول العالم، صحيح؟

ليس تمامًا؛ فالشركة العملاقة بخوادمها المتوفرة رفعت سقف التوقعات فقط، والخدمة لم تتوفر سوى في 22 دولة (بحلول فبراير 2022) أي حوالي 10% من النسبة التي أقرها بيتشاي، وإذا قارنت بين ستاديا وبين المنافسين وقتها، ستجد أن خدمة كـ Nvidia GeForce مثلًا موجودة في 82 دولة حول العالم، وحتى خدمة مايكروسوفت Xbox Cloud Gaming، والتي كانت لا تزال في مرحلة البيتا، وُجدت في 26 دولة، بينما جاءت شركة جوجل في المركز الثالث رغم إمكانياتها العملاقة، وأسبقيتها في تقديم الخدمة.


عدم وجود الخبرة الكافية من جوجل في مجال الألعاب

إذا كانت جوجل لم تستطع الصمود بضع سنوات في مجال الألعاب السحابية، فكيف لها أن تصمد أمام عمالقة ألعاب الفيديو؟ يبدو أن الشركة قللت من إمكانيات المنافسين ولم تدرس الأمر جيدًا، وهذا كان واضحًا في تصريحات بيتشاي عندما قال إنه ليس لاعبًا كبيرًا، وذكر بعدها لعبة الديناصور التي نلعبها عندما ينقطع الإنترنت على متصفح كروم. وعلى الرغم من أن هذا الأمر كان من المفترض أن يكون مزحة، إلا أنه عكس حقيقة مفادها: جوجل ليست خبيرة بألعاب الفيديو.


انعدام الشغف وتجاهل المشروع

استكمالًا للنقطة السابقة، وهو دليلٌ واضح على أن جوجل ليست لديها خبرة بألعاب الفيديو، لم تهتم عملاقة محرك البحث بمشروع ستاديا على الإطلاق؛ فعندما تبدأ مشروعًا كهذا عليك أن تستمر لسنوات، وتعلم أن الفشل في البداية متوقع، بل وطبيعي؛ فمعظم ألعاب الفيديو تحتاج لسنوات من التطوير والعمل الدؤوب، وخطوة أن تغلق الاستديو الخاص بك بعد أقل من سنتين فقط لهو جهل محض، أو دعنا نقول إنه انعدام للشغف حتى لا نتحامل على الشركة.

كذلك تجاهلت جوجل المشروع ولم تموّله، لدرجة مخيفة وصلت إلى أن المطورين أنفسهم لم يعلموا بهذا الأمر حتى إن استديو Bungie -المطور للعبة Destiny 2- قال إن المطورين علموا للتو بأمر إغلاق الاستديو، وقالوا فيما معناه إن جوجل وضعتهم في موقف حرج سيضطرهم إلى إيجاد خطة محكمة ليبرروا الأمر لجماهيرهم على منصة ستاديا.


تقلبات ردود أفعال المطورين واللاعبين بشأن إغلاق منصة ستاديا

بسبب إمكانيات شركة جوجل الجبارة، وما كان يمكن أن تُحدثه في صناعة الألعاب، وبالأخص الألعاب السحابية، حزن الكثير من المطورين واللاعبين على المصير الذي آلت إليه خدمة ستاديا، وأظهروا دعمًا يؤازرون به الشركة على حسن صنيعها.

المدير التنفيذي لشركة Epic Games على سبيل المثال، نشر تغريدة يشيد فيها بمجهودات جوجل وذكر أنها بنت أُسسًا صلبة للمنصة.

ولكن على الجانب الآخر، رأينا بعض المطورين واللاعبين -خاصةً من لديهم مصالح مشتركة مع ستاديا- غاضبين بشدة ويتساءلون عن مصير مجهوداتهم. على سبيل المثال، نشر مدير استديو No More Robots تغريدة يتساءل فيها عمّا إذا كانت جوجل سترفض أن تدفع له أمواله، قائلًا "من يظن أن جوجل سترفض أن تدفع لنا الأموال التي يدينون بها؟"

أما عن اللاعبين، فعبّر الكثيرون عن غضبهم الشديد نتيجة لعشرات الساعات التي قضوها على منصة ستاديا ورفضوا فكرة أنَّ تَقدمهم في ألعابهم سيختفي بعد كل هذا الوقت المُهدَر. ولعل أبرز هؤلاء اللاعبين كان يوتيوبر غرد إنه قضى حوالي 6000 ساعة وهو يلعب Red Dead Redemption 2 على منصة ستاديا، ويرفض فكرة ضياع تقدمه المُقدر بآلاف الساعات، وبالفعل تعاطف معه الآلاف على تويتر وحاولوا أن يتواصلوا مع روكستار (الاستديو المطور للعبة RDR 2) ليجدوا حلًا لهذا الأمر.

في النهاية، فشلُ منصة ستاديا لا يعني أن جوجل ستمحو فكرة المنافسة على الألعاب السحابية من ذاكرتها، ولكنه يعني أن هذا المجال صعب للغاية ولا يمكن لأي شركة أن تلجه بسهولة؛ وهذا لكثرة التحديات، وإن كانت جوجل فشلت فيه بشكل مبدئي، فإن كل الشركات الأخرى معرضة لنفس الفشل. الجانب المشرق أن التقنية تتطور يومًا تلو الآخر، وبفضل شركات أخرى مثل مايكروسوفت وسوني، قد نصل إلى مستويات لا تُصدق في السنوات القادمة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة