لماذا تحولت السلاسل السينمائية إلى ظاهرة فنية بالسنوات الأخيرة؟

السلاسل السينمائية
0

يرجع تاريخ تقديم أول جزء ثاني لفيلم إلى عام 1916 حيث صدر الفيلم الصامت The Fall of a Nation الذي يعد استكمالاً لأحداث فيلم Birth of Nation الذي سبقه بعام واحد، منذ ذلك الحين صارت تقديم الأفلام متعددة الأجزاء أمراً معتاداً بالسينما العالمية لكنها لم تكن يوماً الأصل وظلت على الدوام مجرد استثناءً للقاعدة، لكن في الآونة الأخيرة -وتحديداً السنوات العشرة الأخيرة- اختلفت الأوضاع وتحولت سلاسل الأفلام إلى ظاهرة فنية تستحوذ على نسبة كبيرة من حجم الإنتاج السينمائي السنوي.

توجه إلى دور العرض السينمائي بأي وقت وسوف يصعب عليك إيجاد فيلماً منفرداً ليس استكمالاً لفيلم آخر أو مشتق عنه أو ينتمي لعالم سينمائي أوسع!.. بغض النظر عن سلبيات وإيجابيات تلك الظاهرة فإن هناك عدة عوامل ساهمت في ظهورها وفرضها لنفسها على الساحة، فيما يلي سوف نحاول إيجاز أبرز تلك العوامل.

العائدات المادية

إذا أعدنا النظر إلى قوائم الأفلام العشرة الأكثر حصداً للإيرادات بالمواسم السينمائية السابقة سوف نلاحظ أن النسبة الغالبة من الأفلام المُدرجة ضمنها تنتمي إلى سلاسل سينمائية ممتدة، مثال ذلك العام الماضي “2018” تربع على عرش إيراداته Avengers: Infinity War تلاه فيلم Black Panther وكلاهما ينتميان لعالم مارفل السينمائي (MCU)، بينما احتل المركز الثالث Jurassic World: Fallen Kingdom والرابع Incredibles 2 ثم جاء عالم DC بالمركز الخامس بفيلم Aquaman، بينما احتل فيلم Mission: Impossible – Fallout المركز الثامن وDeadbool 2 المركز التاسع والمركز العاشر Fantastic Beasts: The Crimes of Grindelwald.

ينطبق الأمر نفسه على مواسم “2017، 2016، 2015.. وما قبل ذلك”، ويعد هذا هو السبب الأول والرئيسي في تفشي ظاهرة الأفلام متعددة الأجزاء أو السلاسل السينمائية، فالسينما أولاً وأخيراً صناعة والفيلم ما هو إلا منتج هادف للربح وفي ظل رواج هذا النمط السينمائي والإقبال المرتفع عليه وتعاظم شعبيته كان لابد أن تزداد معدلات إنتاجه بصورة غير مسبوقة.

اقرأ أيضاً: أفلام سلسلة Mission Impossible من الأفضل للأسوأ، ومراحل تطورها

العقود طويلة الأمد

ساهمت التعديلات المدخلة على اللوائح المنظمة لعملية صناعة الأفلام في هوليوود وخاصة تلك المتعلقة بالنقابات وقواعد التعاقدات في تزايد معدلات تقديم سلاسل الأفلام الممتدة، إذ صارت تتيح للشركات المنتجة إمكانية التعاقد مع الممثلين لتجسيد شخصية محددة ضمن عدة أفلام خلال فترة زمنية معينة، هذا الأمر أشبه بأسلوب تعاقدات ممثلي العروض التلفزيونية وهو ما يجعل المنتجين في مأمن حيث يقلص احتمالات تراجع أحد الممثلين عن أداء دوره بالفيلم التالي من السلسلة أو أحد الأفلام المشتقة منها، كما يضمن عدم مطالبته بتعديل بنود التعاقد -خاصة فيما يتعلق بالأجر- قبل انتهاء عقده الأساسي.

شهد عالم “مارفل” السينمائي -كمثال- مغادرة عدد من نجومه في الفترة الأخيرة بعد تقديم فيلمي Avengers: Infinity War وAvengers: Endgame أبرزهم “روبرت داوني جونيور” و”كريس إيفانز”، وقد كان ذلك متوقعاً قبل عرض الفيلمين ليس لأسباب تتعلق بمسار الأحداث إنما لأن عقود كلا الممثلين كانت قد أوشكت على الانتهاء، لكن ذلك حدث بعد عشر سنوات كاملة من انطلاق العالم السينمائي وكانت الشركة قد استغلت تواجدهما على الوجه الأكمل خلال تلك المدة ومهدت لخروجهما دون أن يحدث ذلك خللاً بالهيكل العام لعالمها المستديم.

اقرأ أيضاً: اللعبة لم تنته بـ Endgame: أبرز الأفلام المنتظرة بالمرحلة الرابعة من عالم مارفل MCU

دعم الأفلام ببعضها البعض

طالما كانت هناك عوامل تدعم الأفلام السينمائية وتزيد من فرص نجاحها تجارياً مثل نوع الفيلم وجماهيرية صُنّاعه ومدى نجاح الإعلان التشويقي في جذب الانتباه وإثارة الاهتمام، وخلال السنوات الماضية يمكن إضافة العالم أو السلسلة المُنتمي إليها الفيلم إلى تلك العوامل الجاذبة للمشاهدين، فحين أعيد إحياء سلسلة حرب النجوم في 2015 -بعد عشر سنوات من التوقف- من خلال فيلم Star Wars VII- The Force Awakens كان من المتوقع نجاحه لأنه يأتي مدفوعاً بالشعبية الطاغية للسلسلة الأصلية التي انطلقت قبل أربع عقود تقريباً، وبالمصادفة شهد نفس العام تقديم فيلم Jurassic World الذي يعد استثمار لشعبية سلسلة Jurassic Park.

بناءً على ذلك يمكن القول بأن أفلام السلاسل السينمائية -حال نجاحها- تدعم بعضها البعض والأفلام السابقة تمهد الطريق للأفلام التالية، المثال الأقرب لذلك هو فيلم Captain Marvel الذي يرجع الفضل الأكبر في نجاحه هو توقيت عرضه الذي سبق الفيلم الأهم والأضخم ضمن عالم مارفل السينمائي (MCU) وهو فيلم Avengers: Endgame، وبالتالي حالة التلهف لمشاهدة الفيلم لم تكن نابعة من الفيلم ذاته بقدر ما كان مصدرها رغبة المشاهد في اكتمال الصورة أمامه قبل مشاهدة الفيلم الأكثر ترقباً بالنسبة له.

المراد من ذلك أن نجاح العالم السينمائي ككل وتزايد جماهيريته يزيد من فرص نجاح أفلام المنتمية إليه حتى لو لم تكن جميعها على ذات القدر من الروعة ونفس مستوى الجودة الفنية، هذا بكل تأكيد أمر مشجع للمنتجين للاستثمار في هذا النمط السينمائي الذي تعد أفلامه السابقة دعاية مجانية لأفلامه اللاحقة.

اقرأ أيضاً: فيلم Jurassic World: Fallen Kingdom .. الأكثر اختلافاً، لكن هل الأكثر تميزاً؟

امتيازات الأفلام وحقوق الملكية الفكرية

أياً كان رأيك في عالم مارفل السينمائي (MCU) فلا بد من الإقرار أنه ساهم في تغيير شكل صناعة سلاسل السينمائية وأسلوب استغلال امتيازات الأفلام، فقد أصبح السؤال الاستنكاري الأكثر ترديداً في أذهان المنتجون هو: “لماذا تستغل امتياز الفيلم مرة طالما بمقدورك استغلاله مائة مرة؟!”، والاستغلال المتكرر للامتياز هنا لا يعني تقديم جزءاً جديداً من ذات الفيلم نظراً لأن ذلك بطبيعة الحال يستغرق وقتاً طويلاً من الإعداد والتحضير، إنما المقصود به تقديم أعمال سينمائية مشتقة Spin-off تجتمع تحت مظلة واحدة لكن لكل منها طاقم عمل مختلف فهذا يُسرع وتيرة الإنتاج ويزيد عدد الأفلام وبالمقابل يرفع حجم العائدات المادية.

شركة “سوني” المالكة لحقوق شخصية “سبايدر-مان” حاولت على مدار عقود استغلالها من خلال تقديم فيلم خاص بشخصية العنكبوت مرة تلو المرة وكان الفاصل الزمني بين الفيلم والآخر لا يقل عن عامين، أما الآن هي بصدد تقديم عالم سينمائي كامل مُشتق من امتياز سينمائي واحد هو “Spider-Man” لكنه لن يقتصر على شخصية البطل وحده وإنما سوف يقدم العديد من الشخصيات المأخوذة عن عالمه من خلال أفلام متعددة، وقد انطلق هذا العالم المسمى Sony’s Marvel Universe فعلياً من خلال فيلم Venom.

اتخذت مظاهر استغلال الامتيازات أشكال عِدة بخلاف ما سبق ذكره مثل استثمار شعبية أفلام Harry Potter من خلال تقديم سلسلة أخرى مُشتقة عنه هي Fantastic Beasts، وتقديم بعض الأفلام المُفردة المنتمية لعالم Star Wars رغم انفصالها عن مسار السلسلة الرئيسية مثل Star Wars: Rogue one، ومؤخراً قُدم فيلم Hobs and Show الذي جمع اثنين من الشخصيات التي برزت بالأصل من خلال سلسلة افلام The Fast and the Furious.

اقرأ أيضاً: بعد اتفاقها مع “ديزني”.. خطة “سوني” لبناء عالم سبايدرمان السينمائي Sony’s Marvel Universe

منصات العرض الرقمية

ربما تأثير ذلك العالم غير ملموس بدرجة كبيرة حتى اليوم ولكنه بكل تأكيد كان سبباً في ارتفاع معدلات إنتاج السلاسل والعوالم السينمائية بالآونة الأخيرة وسوف يساهم في تزايد معدلات إنتاجها بصورة أكبر بالسنوات المقبلة، خاصة أن الأمر لم يعد يقتصر على طلبات الشبكات المقدمة للمحتوى الترفيهي عبر الإنترنت مثل Netflix وAmazon Prime، بل أن الجهات المنتجة لتلك الأعمال نفسها شرعت في تدشين المنصات الرقمية الخاصة بها مثل شبكة DC Universe وشبكة Disney Plus.

تسعى الشركات إلى تزويد شبكاتها الخاصة بأكبر قدر ممكن من الأعمال ودفعها ذلك لزيادة وتيرة إنتاجها بالسنوات الأخيرة، خاصة أن السلاسل السينمائية المالكة لحقوقها هي الأكثر جماهيرية بين إنتاجها الفني ولذلك تتخذها كنواة رئيسية لتلك المنصات الناشئة، كما تسعى إلى استغلالها بصورة أكبر وأكثر اختلافاً وذلك عن طريق تقديم حلقات تلفزيونية للعرض الحصري من خلال المنصات الرقمية على أن تكون تلك الحلقات متصلة بالعالم السينمائي ومشتقة عن أحداثه.

اقرأ أيضاً: شبكة نتفليكس وخدمة أمازون برايم فيديو… أيهما أحق بالاشتراك؟

انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي

قد يبدو الأمر غريباً ولعلك تتساءل عما يربط ظهور وانتشار الإنترنت وبين شيوع السلاسل السينمائية الممتدة كنمط سينمائي، لكن في واقع الأمر هناك علاقة قوية ووطيدة بين هذا وذاك، فسلاسل الأفلام قبل انتشار الإنترنت بهذا الحد كانت تقتصر غالباً على نمط الأفلام المتصلة المنفصلة مثل تلك التي تستعرض بكل فيلم مغامرة مختلفة لشخصية واحدة مثل سلسلة أفلام Indiana Jones، أو تقدم قصة واحدة يصعب استعراضها كاملة من خلال فيلم واحد -مدة عرضه لا تتجاوز 3 ساعات كحد أقصى- ومنها ثلاثية The Godfather.

ساهم ظهور الإنترنت وانتشار المواقع والصفحات المختصة بمجال الفن السينمائي في تغيير شكل السلاسل السينمائية الممتدة، بل يمكن اعتباره سبباً مباشراً في ظهور ما يُسمى بـ”العوالم السينمائية”، فلك أن تتخيل ماذا لو تم تقديم عالم مارفل السينمائي مثلاً بكل ما يتضمنه من تشعبات وتعقيدات ومسارات زمنية متداخلة خلال عقد السبعينات أو الثمانينات، بكل تأكيد كانت متابعته آنذاك ستكون أمراً مرهقاً وبالغ الصعوبة بالنسبة للمشاهد بدون وجود قوائم الأفلام والترتيب الزمني للأحداث والخطط الإنتاجية التي تُعلن دورياً ضمن فعاليات Comic Con وغير ذلك.

المثال الأكبر على ذلك هو أن عند صدور الثلاثية الثانية من سلسلة أفلام Star Wars في عام 1999 اختلط الأمر على المشاهدين -خاصة خارج الولايات المتحدة وكندا- اعتقاداً منهم بأن الأفلام الجديدة تستكمل أحداث الأفلام السابقة كما هو معتاد، لم يع البعض -إلا متأخراً- إن أحداثها تسبق أحداث الثلاثية الأولى، أما اليوم الأمر مختلف فنحن نعرف بصورة مسبقة أن أفلام The Matrix الجاري الإعداد لها حالياً سوف تقع أحداثها في زمن يسبق أحداث السلسلة الأصلية، يسهل علينا فهم الاشتقاقات Spin-Off بين الأفلام المختلفة رغم تعددها، الفضل في ذلك كله يعود لشيء واحد هو “الإنترنت”.

اقرأ أيضاً: لماذا وكيف يشكّل Rotten Tomatoes والمواقع الشبيهة تهديدًا لصناعة الأفلام؟!

0

شاركنا رأيك حول "لماذا تحولت السلاسل السينمائية إلى ظاهرة فنية بالسنوات الأخيرة؟"