دريد لحام ونهاد قلعي
0

لكل نجاح دوماً خلطة سحرية، أو كيمياء خاصة وتعاون متكامل تحمل العمل للنور وتقدمه للجمهور بالصورة الأجمل، عندما نتكلم عن الفريق لا بد أن يتبادر لأذهاننا الثلاثي السوري الأشهر محمد الماغوط ودريد لحام ونهاد قلعي، كان عملهم سوياً استثنائياً، حيث قدمهم للشهرة من أوسع أبوابها، ونقلهم جميعاً إلى الساحة العربية الأوسع، لكن لم يدم ذلك طويلاً، تدخلت الأقدار ودبت الخلافات وتغيرت مساراتهم، فماذا حدث؟ وكيف بدأ الطريق؟ وأين وصلت بهم دروبهم؟

من هم؟

محمد الماغوط

 

أديب وشاعر سوري، ولد في مدينة سلمية في محافظة حماة، كان فقره الشديد سبباً في تركه التعليم في صغره، تنقل بين سلمية ودمشق وبيروت، وكان أحد مؤسسي جريدة تشرين، احترف كتابة الأدب السياسي، وكانت مسرحياته ذات سيط ذائع عبر العالم العربي، توفي في دمشق في 3 إبريل عام 2006.

نهاد قلعي

كاتب وممثل سوري، اسمه الأساسي هو نهاد قلعي خربوطلي، بدأ ظهوره مع بدايات التلفزيون السوري، عمل في التلفزيون والسينما والمسرح، أشهر أعماله كانت مع دريد لحام، ابتعد عن الساحة الفنية والشراكة معه بسبب مرضه، توفي إثر جلطة قلبية في تشرين الأول عام 1993 وحيداً بعيداً عن الضجة الفنية.

دريد لحام

ممثل سوري كوميدي ودرامي، من مواليد مدينة دمشق، أشهر أدواره غوار الطوشة التي كانت الشخصية الأبرز في أعماله، حائز على إجازة في العلوم الكيميائية، ودبلوم في التربية، يؤخذ عليه تخليه عن أصدقائه وإبداء مصلحته ومسيرته الفنية فوق كل اعتبار، ما يزال يعمل في الفن حتى اليوم، وله أدوار كثيرة كان آخرها شارع شيكاغو وناس من ورق.

بداية التعارف والتعاون

بدأت علاقة دريد ونهاد عام 1960، إبان افتتاح النلفزيون السوري، حيث تشاركا بحلقات تُعرض على التلفزيون، ليتطور التعاون وينتقل للسينما وتتكرر الأعمال التي من أشهرها كان فندق الأحلام، واستمر التعاون حتى تأسيس مسرح تشرين، فتشاركا أيضاً برفقة بانتاج وتمثيل المسرحيات السورية المعروفة كأيقوناتةالعمل المسرحي السوري.

ومن هذه النقطة تحديداً يظهر محمد الماغوط في القصة، الذي ذاعت شهرته من أول مسرحية من تأليفه، ليكمل بعدها الكتابة ويؤلف سلسلة من الأعمال المسرحية ذات العمق الاجتماعي والوطني والسياسي، بمشاركة دريد ونهاد، وفي عام 1974 كان أولها وهي ضيعة تشرين.

ضيعة تشرين

مسرحية كوميدية سياسية، تصور الواقع، في المجتمع العربي قبل وبعد حرب أكتوبر أو حرب تشرين، وانعكاساتها على رؤية المواطن، أخرجها المخرج السوري خلدون المالح، وانتقلت الفرقة بين أغلب الدول العربية لعرض هذه المسرحية التي نالت استحسان الجمهور والنقاد على حدٍ سواء. أبرز الممثلين هم بالتأكيد نهاد قلعي، وملك سكر، وصباح الجزائري، وياسر العظمة، وغيرهم من أعضاء الفرقة.

غربة 1976

مسرحية اجتماعية سياسية هادفة، تعكس واقع الدول العربية فترة السبعينات، بشكل ساخر ونص محبوك بذكاء شديد، حيث قام محمد الماغوط بمساعدة نهاد ودريد بإسقاط أحداث تلك الفترة الاستثنائية على ضيعة منسية يحكمها أحد البكوات المفرطين باستبدادهم، فتتغير أحوال الضيعة وأهلها مع تطور آرائهم والتغييرات الجذرية السياسية والاجتماعية بالإضافة للانقلابات والثورات في كل المنطقة العربية،

حققت هذه المسرحية كسابقتها رواجاً كبيراً وعُرضت على مسارح عدد كبير من الدول العربية، أخرجها خلدون المالح أيضاً، وشارك دريد ونهاد التمثيل كل من ياسر العظمة، وصباح الجزائري، وعمر حجو، وسامية الجزائري، وباقي أعضاء فرقة تشرين المسرحية.

كاسك يا وطن 1979

مسرحية كوميدية اجتماعية سورية، تعد واحدة من أشهر المسرحيات العربية الناقدة، تصور حال المواطن العربي بعد سنوات من التغيرات السياسية وازدياد الوعي السياسي لدى المواطن، لكن في ظل سلطة بيروقراطية فاسدة، ومعاناة المواطن اليومية بمواجهة الفقر والفساد والمحسوبيات والإهمال،

لم يشارك نهاد قلعي في هذا العمل، حيث أدى البطولة دريد لحام، وعمر حجو، وهالة شوكت، وآخرون، تعد هذه المسرحية ملحمة كوميدية، ومرآة لحال المواطن الذي ما يزال عبر العقود يعاني من تداعيات الواقع الفاسد والإمكانيات المتواضعة.

أما عن التعاونات الثنائية؛ فقد تشارك محمد الماغوط ودريد لحام في مسرحية شقائق النعمان، كما ألف الماغوط فيلمين أدى بطولتها دريد لحام أيضاً، وفي مقلب آخر تشارك نهاد ودريد بطولة أكثر من 20 فيلماً سينمائياً شارك قلعي في كتابة سيناريو معظمها، بالإضافة للمسلسلات الشهيرة مع عدد من مؤسسي التلفزيون السوري.

كان دريد لحام هو العنصر الثابت في كل الأعمال الثنائية والثلاثية، فقد رسم خط نجاحه واستمراره بمنتهى الدقة والذكاء، خاصةً بالسينما فقد اعتبرت فترة تعاونه مع نهاد فترة رخاء السينما في سورية، والأفلام التي أدوها هي الأعمال ذات الانتشار الأوسع سورياً على الأقل، نذكر من تلك الأعمال عقد اللولو والمليونيرة، التي شاركتهم بطولتهما المطربة اللبنانية صباح، والشريدان، وصعاليك، أما أشهرها:

النصابين الثلاثة 1968

أخرجه نيازي مصطفى، وشارك في البطولة كل من فريد شوقي، ونبيلة عبيد، ورفيق سبيعي، وطروب، عُرض في سوريا ومصر وعدد من الدول الغربية.

خياط النساء 1968

أخرجه المخرج المصري عاطف سالم، وشارك بالبطولة إلى جانب الثنائي شادية، ومحمود جبر.

وأفلام أخرة مثل 1+1، والثعلب، ومسك وعنبر، والمزينون، لكن لم تحقق جميع هذه الأفلام النجاح المراد، حيث افتقد أغلبها للحرفية بالإنتاج، وجودة النص، وخبرة التسويق، فكانت شركات الإنتاج تقتني السيناريوهات ذات المنحى التجاري، دون وجود مغزى من أغلب حبكاتها.

أما عن الفيلمين اللذين ألفهما الماغوط، وأداهما دريد لحام فقد كانا علامة فارقة في مسيرته، مبتعداً عن الأعمال التجارية، ملامساً لحياة المواطن بلا مبالغة أو تزلف كعهد مسرحيتهما سوياً.

أقرأ أيضًا: عشر نصائح كنت أتمنى لو أخبروني بها قبل اختيار التخصص الجامعي وأسوقها اليوم إليك

الحدود 1984

من كتابة وتأليف محمد الماغوط، شارك اللحام في البطولة رغدة، ورشيد عساف، وهاني السعدي، وهاني الروماني، وعمر حجو، وأحمد حداد، أخرجه لحام بنفسه، يسرد الفيلم قصة مواطن عربي يتنقل بين البلدان العربية، يفقد جواز سفره ولا تنفع شتى محاولاته بالعبور للدولة الأخرى لينتهي به الأمر مقيماً على الحدود بين الدولتين، حتى تظهر في حياته فتاة بدوية تقلب كل حساباته.

التقرير 1986

شارك اللحام البطولة كل من رغدة ومنى واصف، وكريستين شويري، وعباس النوري، أخرجه لحام أيضاً وزهير ديوب، يصور العمل مأزق المستشار القانوني، الذي يكتشف بؤرة فساد بسبب مشروع لإقامة صنبور ماء، فيفصل عن عمله لبحثه في القضية، ويقرر كتابة تقرير مفصل ومطول عن واقع الفساد الإداري والبيروقراطية المتجذرة بين مكاتب الدولة.

الانفصال ومفترق الطرق

لم يكن تحول التعاون لتعاون ثنائي بين الماغوط ولحام دون نهاد قلعي نتيجة خلاف، بل بسبب الشلل النصفي الذي تعرض له قلعي إثر شجار في مقهى دمشقي أواخر السبعينات، والذي أقعده عن التمثيل نهائياً حتى وفاته، قد تكون تفاصيل معاناته مع الشلل لـ 15 عاماً من أقسى ما يمكن أن يحدث لشخصية مشهورة، فقد كافح وحده دون دعم من رفيق أو صديق، وواجه الوحدة والفقر والألم، واضطر أن يكتب قصصاً للأطفال في مجلة أسامة كنوع من الإعالة المادية، دون أي دور يذكر من شريكه دريد، أو اهتمام أي جهة رسمية سورية تقديراً للأرث الفني والقيمة الإنسانية للفنان وتوفي في النهاية عام 1993 إثر نوبة قلبية حادة.

أما عن الماغوط فقد دب خلاف بينه وبين دريد لحام بسبب الكتابة المسرحية، وعندما سُئل الماغوط عن ذلك، صرح أن غرور لحام كان السبب، وأنهم لطالما شكلوا فريقاً رائعاً وكانت تلك الفترة أفضل محطات حياته، يذكر أن الماغوط غادر البلاد لسنوات طويلة، ثم عاد واستقر بها، واكتُشف مرضه بالسرطان لاحقاً، فعانى من تداعيات المرض حتى وفاته في 2006.

كلمة بحق الثلاثي الذهبي

محمد الماغوط كاتب مسرحي وشاعر سوري

وهكذا وبمرض نهاد قلعي، أحد أعمدة المسرح السوري ومؤسسي التلفزيون، وراسم البهجة وصاحب الرأي السليم والعقل الرزين في أدواره، ثم بخلاف الماغوط مع لحام كاتب أجمل الأعمال المسرحية في تاريخ المسرح السوري، والتي ما تزال تعرض لقربها من حياة كل عربي في كل مكان، ليكون شاعر الألم والحرية، والانفصال الفني الذي لم يقطع حبل الود بينهما، مع تأكيد الماغوط الدائم أن الود موجود، وأن دريد صديق عزيز، وأن الأخير حالة فنية استثنائية، كما صرح في أحد مقابلاته، أن دريد خزان للفرح، وخزان للألم والأمل معاً، وأن شاعرية كلماته ستجعلك تشعر بأنك شريكه دوماً.

وسواء اختلفنا أو اتفقنا مع طريقة عمل دريد لحام وعلاقته مع شركاء نجاحه وخلافاتهم، وإهماله لمعاناتهم، لن نختلف أبداً على موهبته وسطوة حضوره، ومسيرته الطويلة على الساحة الفنية، والجوائز والتكريمات التي حاز عليها تشهد له بذلك.

أقرأ أيضًا: شخصيات كوميدية سورية ذاعت شهرتها بالعالم العربي من بداية الإنتاج السوري وحتى الآن

0

شاركنا رأيك حول "الثلاثي الذهبي: محمد الماغوظ ودريد لحام ونهاد قلعي، النجاح والشهرة ثم السقوط من القمة"