أغاني نزار قباني المغناة
0

من منا لم يقرأ قصيدة من قصائد نزار قباني؟

من منا لم تأسره كلماته؟

ولم يدندن أغنية من شعره؟

هل تعلم عدد القصائد التي لُحنت ووُزعت وغُنيت من شعره؟ لكن هل كل القصائد المغناة؟

وهل حاز جميعها على ذات الشهرة والجماهيرية؟

البدايات

بدأت القصة في عام ١٩٥٣ حين قام الملحن والمطرب المصري أحمد عبد القادر بتلحين قصيدة كيف كان ليكون أول من لحن لنزار، بعد خمس سنوات خاض نجيب السراج التجربة عندما لحن قصيدة بيت الحبية ليسطع نجم الشاعر وتفتح هذه القصيدة باب الشهرة واسعاً، ويتهافت الملحنون على دواوينه فينتقوا منها الأجمل والأنسب لكل زمان ومناسبة، فكانت النتيجة أغنيات سُمي أكثرها بالخالدة، لكن لم تكن النتيجة دائماً كذلك ولم يحالف الحظ كل من غناها لتحول عقبات كثيرة دون الوصول إلى نفس النتيجة.

ذكاء الملحن واستغلال الفرص

نبدأ بسلسلة من أروع التجارب في هذا السياق، فعند الحديث عن الخلود ستكون تلك القصيدتين اللتين لحنهما الموسيقار محمد الموجي للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ هما أجمل ما تم إبداعه ليتوج كل من اللحن والتوزيع والصوت الآسر جمال كلمات الشاعر، الأغنيتان هما رسالة من تحت الماء وقارئة الفنجان أغنيتان عن الحب والقدر كرستا صوت العندليب خالداً لعقود.

نزار قباني وعبد الحليم حافظ

لننتقل إلى أم كلثوم التي غنت أصبح عندي الآن بندقية من قصيدة طريق واحد بعد حرب ١٩٦٧ والنكسة وانكسار الروح المعنوية للعرب، لحنها لها الموسيقار محمد عبد الوهاب وغنتها في محاولة لاستنهاض روح الكفاح ورفع معنويات المهزومين فصنفها النقاد من الفن الثوري وجعل منها الفلسطينيون نشيداً ثورياً يعينهم على الكفاح والمقاومة. كررت أم كلثوم تعاونها مع نزار قباني حين غنت قصيدة الرثاء للرئيس جمال عبد الناصر عام ١٩٧٠ بألحان رياض السنباطي حملت عنوان رسالة إلى زعيم لكن كان نجاحها منوطاً بمواقف سياسية وحساباتٍ دولية لتبقى حبيسة مصر فقط.

روح التجديد أهم عوامل النجاح

يبدأ عصر الرحابنة وفيروز الذين غيروا وجه الأغنية العربية وجعلوها أكثر عصرية تحاكي كل فئات الشعب وتصل إلى كل بيت، فلحن الأخوين رحباني لأول مرة قصيدة وشاية، ثم قصيدة لا تسألوني التي صدح بها صوت فيروز لعقود دون أن يمل منها سامعها، فكانت إحدى روائع نزار المغناة والأكثر ترداداً وتأدية بين الناس. أما نجاة الصغيرة فكان لها حصة لابأس بها من أشعاره، حيث لحن لها الموسيقار محمد عبد الوهاب أغنية أيظن و أغنية أسألك الرحيل اللتان تصنفان من أفضل ما غنت على الإطلاق بالإضافة إلى أغنيتين رائعتين هما ماذا أقول له ومتى ستعرف كم أهواك.

لا يمكننا أيضاً أن ننسى فايزة أحمد التي غنت قصيدة رسالة من سيدة حاقدة والرواج الذي لاقته تلك الأغنية آنذاك. أما ماجدة الرومي فقد اقترن اسمها بأغانٍ من أجمل قصائد الشاعر، لتبدع قطعاً فنية بصوتها و بألحان استثنائية فكانت أغنية طوق الياسمين ومع جريدة وست الدنيا التي غنتها لبيروت في أشد وأحلك أيام الحرب فيها لتعطي لشعبها فيضاً من أمل وتحدي أمام ويلات تلك الحرب.

مرحلة التحول الأهم

نزار قباني مع المطرب العراقي كاظم الساهر

في كل مرحلة ومع كل لحن كانت تتسخر القصيدة لتناسب الزمان والمكان فنحصل على الأغنية كعمل فني متكامل العناصر، لكن دوماً هناك من كان نجاحه في القيام بذلك مبهراً واستثنائياً كما فعل المطرب العراقي كاظم الساهر الذي شق بكلمات نزار طريقاً له بين النجوم جاعلاً من القصيدة أغنية كل لسان ودندنة كل عاشق فيرددها الناس على اختلاف لهجاتهم وأعمارهم وأفكارهم، كانت البداية مع مدرسة الحب وزيديني عشقاً اللتان خلقتا حالة قل نظيرها، ما جعل أسرة الشاعر تخص كاظم الساهر بتوكيل حصري تخوله انتقاء ما يشاء من قصائده ليصل عدد تلك القصائد المغناة بصوته إلى أربعين أغنية.

الرتابة والتكرار تضعف العمل الفني

يبقى السؤال الأهم: هل لاقت كل هذه القصائد ذات الشهرة التي لاقتها أولى تجاربه مع أشعار نزار؟ هل يذكر الناس آخر ما غنى الساهر من القصائد كما يذكرون الأولى؟ لا شك أن صوته وألحانه الفريدة كانت نوعاً من الفن افتقدته مسامع العرب لسنين، كمٌ من الجمال والأناقة عاد ليمتع الناس ويطربهم، لكن لنعترف أن الرتابة أحياناً وعدم القدرة على الخروج من قالبٍ معين وضع الساهر نفسه به جعل من آخر تلك القصائد التي غناها أقل تميزاً، فلم تشكل فارقاً كبيراً لدى الناس ولم تحمل أي جديد. ومع ذلك، استمر المطرب العراقي باللجوء لدواوين نزار قباني كخيار آمن وضمانة لمسيرة نجاحه. بالرغم من كل ذلك لا نستطيع أن نصف أغانيه الأخيرة أنها الأسوأ، على العكس؛ فهي تتحلى بقدرٍ من النجاح والاستمرارية أمام عدد يكاد يحصى من المحاولات التي أقل ما يقال عنها أنها خائبة إن لم تكن فاشلة في تحويل القصيدة إلى أغنية تعبر بأصحابها إلى النجوم.

تجارب افتقدت للحرفية أحياناً

قد تكون التجربة الأسوأ هي تجربة فلة الجزائرية التي انتقت موضوعاً شائكاً من شعر نزار المعروف بجرأته في كثير من الأحيان، لتطرحه بصوتها وتقدم الأغنية التي حملت اسم حبلى بطريقة الفيديو كليب، لكن سرعان ما تم منع عرضها بسبب طريقة الطرح التي لا تتناسب مع ما سمي بقيم المجتمع العربي، بالإضافة إلى إشكالية كبيرة مع عائلة الشاعر التي عمدت إلى رفع قضية تمنعها من نشر تلك الأغنية؛ متذرعين أنها أساءت استخدام القصيدة وأساءت بفكرة الطرح في الفيديو المصور.

الشيء الذي كاد أن يحصل مع المطربة أصالة نصري التي غنت في بداياتها قصيدة اغضب فأغضبت الشاعر الذي لم يكن راضياً عن أدائها للأغنية، لم تكرر أصالة هذا التعاون إلا عندما غنت القصيدة الدمشقية كشارة مسلسل يحكي قصة حياة الشاعر بعد سنين من التجربة الأولى، فكان نجاح الأغنية مرتبطاً بالنجاح الذي حققه العمل الدرامي. حاول أيضاً عاصي الحلاني أحد نجوم الأغنية اللبنانية والشعبية غناء قصيدة لنزار، لكنها لم ترقَ لكونها محاولة غير مجدية للخوض في لون غنائي لم يعهد غنائه قبلاً فلم تلق الرواج نفسه الذي لاقته وتلقاه أغنياته الشعبية الأخرى. من جملة تلك المحاولات كانت أغنية لماذا التي أدتها المطربة المصرية غادة رجب فكان انتشارها خجولاً وأرضاً خصبة للعديد من النقاد الذي وجدوا أن الكلمة لا تكفي لترقى وحدها بالعمل الفني.

تعثر الإنتاج وفشل في التسويق

لا يجب أن نغفل أيضاً عن أغانٍ لُحنت ووُزعت بحرفية عالية وغناها مجموعة من أجمل الأصوات في العالم العربي، لكن سوء الترويج أحياناً أو ضعف الجهة المنتجة، أو قلة خبرة بعض الفنانين ظلمت تلك الأعمال التي تضاهي بجمالها قصائد نزار المغناة الخالدة، نذكر منها أغنية عيناكِ لخالد الشيخ التي تنتقل بسامعها إلى عالم من السحر تجعل السامع يهيم في يمٍ من النقاء والعشق، وهناك أغنية بغداد لإلهامي المدفعي تلك القامة الفنية الذي غنى لمدينته بغداد قصيدة من أروع ما قال نزار قباني فيها.

قد يصل البعض إلى نتيجة مفادها أن اعتماد الناس على المذياع وآلات التسجيل القديمة في زمن مضى وكونه وسيلة ترفيههم الوحيدة كانت عاملاً أساسياً في نجاح تلك الأعمال الخالدة، وأن الصعوبة تكمن اليوم في الوصول لنجاح مشابه قد يعد مستحيلاً مع كم الإبهار البصري والسمعي الذي يشهده العالم، لكننا يجب أن نقر أن لشاعرنا وصفة سحرية خطت كلماته لكبار المطربين العرب طريقاً من النجومية والانتشار ما كانوا ليسيروا به مع توافر العناصر الأساسية لوصفته من ملحنين عباقرة وترويج ذكي زادت من قيمة القصائد فأثْرتْها وأثرت بها.

0

شاركنا رأيك حول "قصائد نزار قباني المغناة: تجارب متباينة بين النجاح الباهر وسوء الاختيار"