"مثلت سامسونج مصدر إزعاج لنا في آبل، حيث كانوا يسرقون التكنولوجيا الخاصة بنا ويقلدون ابتكارتنا في نسخ رديئة بشاشات أكبر.. لم نكن سعداء بذلك!"

كانت هذه إجابة نائب رئيس آبل، جريج جوزوياك عندما سئل في فيلم وثائقي نُشر في صحفية وول ستريت، عن رأيه في المنافسة التي واجهتها الشركة الأمريكية مع بداية ظهور الهواتف الذكية، ولكن ما حقيقة هذا التصريح، وهل نهضت الشركة الكورية بفضل ابتكارات آبل بالفعل؟

آبل ضد سامسونج .. في عالم الهواتف الذكية، وقبل انتشار الهواتف الصينية وتصدرها المشهد الآن، لم يكن هناك أدنى شك أن آبل وسامسونج تسيّدتا هذا السوق؛ حرثتاه بالطول وبالعرض ولم تعطيا الفرصة أمام أي منافس أن يشاركهما الكعكة. بدأ الأمر مع أول هواتف آيفون، والذي صدر في 2007، ومنذ ذلك الوقت، اشتعلت المنافسة بين الأمريكيين والكوريين، فحاولت كل شركة القضاء على الأخرى، ما أدى إلى الدخول في معترك اقتصادي وسياسي، وصل إلى المحاكم الدولية!

فعلى الرغم من الشراكات والمصالح التي كانت -وما زالت- مستمرة بين الشركتين، إلا أن هذا لم يمنع إحداهما من اتهام الأخرى بسرقة براءات اختراعاتها، وهذا الاتهام هو ما نجم عنه ما وصفته مجلة Vanity Fair بحرب الهواتف العُظمى والتي استمرت لسنوات طويلة في المحاكم الدولية كما ذكرنا، والسبب كَمُنَ في الاتهامات المتبادلة بالسرقة ورغبة كل طرف في التفرد بالسيطرة على السوق، فكيف بدأ هذا الصراع، ومن سَرَقَ من؟

أول هواتف آبل وبداية ثورة الهواتف المحمولة

صادف التاسع من يناير 2007 تاريخًا مميزًا وخالدًا بالنسبة لشركة آبل؛ ففي ذلك اليوم عُقد مؤتمر «Macworld» وخرج علينا ستيف جوبز ببنطاله الجينز الأزرق والتيشيرت الأسود الكلاسيكي ليقدم لنا تحفةً تكنولوجية سابقة لأوانها. بشاشة قابلة للمس، وكاميرا بجودة سابقة لعصرها، وغيرهما الكثير من الميزات الأخرى، تم تقديم أول جهاز آيفون في التاريخ!

وعلى الرغم من أنه لم يكن الجهاز الأول في التاريخ الذي يأتي بشاشة قابلة للمس، حيث أصدرت شركة IBM في التسعينيات جهازًا بشاشة لمس أسمته "IBM Simon"، إلاّ أن هاتف آيفون كان مختلفًا عن أي شيء جربه المستهلكون من قبل. كانت فكرة التخلي عن الأزرار سخيفة نوعًا ما بالنسبة للكثيرين، وحتى الشركات ظنت أنها حركة ساذجة؛ فمن الصعب على الجماهير أن تعتاد هذا التغيير المفاجئ!

ابل ضد سامسونج: ستيف جوبز وأول هواتف آيفون

وبالفعل، لم يحقق الجهاز نجاحًا كبيرًا في البداية، وحقق مبيعات أماتت الشركات العملاقة الأخرى وقتها من الضحك؛ ففي ظل تحقيق شركة نوكيا أرباحًا بمئات الملايين، لم يرتق جهاز آبل الأول ليحقق شيئًا يُذكر. كانت هواتف الشركات العملاقة تحقق ملايين المبيعات منذ الشهر الأول، بينما احتاج هاتف آيفون الأول حوالي شهرين ونصف ليبيع مليون نسخة فقط، وبنهاية عام 2007 (العام الذي صدر فيه الجهاز)، لم تتجاوز مبيعات الهاتف أكثر من مليون ونصف المليون نسخة، بل لم تحقق هذا الرقم من الأساس. (وإذا قارنا آبل بالمنافسين حينها، نجد أن سامسونج في نفس السنة حققت مبيعات تقدر بمليون ونصف، بينما تجاوزت نوكيا الـ 400 مليون دولار!)

سامسونج البطل الرئيسي وراء نجاح الآيفون!

ظلت مبيعات آيفون متواضعة ولا تنبئ بأي خطر على المنافسين حتى أواخر 2008. وقتها بدأت المبيعات ترتفع شيئًا فشيئًا وبدأ المنافسون يستشعرون الخطر. الجميع اتجه لهذا الهاتف القيم، والذي يُشعر مالكه بالتميز والفخر؛ وهذا لأنه كان كذلك بالفعل. لم يُصنع هاتفٌ في السوق ينافس آيفون بعد، وبدأ الجميع يتطلع لشرائه، لدرجة أعجزت آبل نفسها عن مواكبة المبيعات الصاروخية، فكان كثيرًا ما ينفد الهاتف من السوق.

العجيب في الأمر أن كل هذا النجاح لم يكن ليحدث لولا سامسونج، نعم يا عزيزي، منافس آبل المباشر وعدوها اللدود، والتي -إذا لم تكن تعلم- كانت تُصنع المعالجات الخاصة بأجهزة آيفون، كما أنها المورد الأساسي لشاشات الـ OLED الحالية الخاصة بهواتف آبل حتى اليوم.

قبل حوالي سنة من الموعد المرتقب لإصدار أول هواتف آيفون، لم تكن أهم قطعة في أي هاتف -وهي المعالج- جاهزة بعد. هذا الأمر أدى إلى توتر شديد داخل شركة آبل، واضطرهم إلى الهرع ناحية سامسونج، والتي كانت تُصنِّع شرائح الـ iPod الإلكترونية، وفي خلال 6 أسابيع فقط، تحدث المعجزة ويجهز النموذج الأولي «Prototype» الذي -يستغرق في العادة شهوراً- من معالجات آيفون (Samsung 32-bit RISC ARM)، وهذا بدوره أدى إلى إصدار آيفون في موعده المحدد، ليحقق النجاحات التي تحدثنا عنها.

آبل ضد سامسونج: بداية الصراع

عندما أصدرت شركة سامسونج هاتفها الذكي الأول في 2010 والذي كان أول إصدارات سلسلة "S"، استشاط ستيف جوبز غضبًا، وقال لوالتر إيزاكسون (مؤلف كتاب ستيف جوبز) إنه أراد أن يشعل حربًا "نووية حرارية" على نظام أندرويد الذي اعتمدت عليه سامسونج في أجهزتها. يرى جوبز أن هاتف سامسونج جالاكسي الذي صدر في 2009، ونظام تشغيله أندرويد كانا نسخة مُقلدة من ابتكارات آبل، ولهذا لم ير بُدًا سوى مقاضاة سامسونج على الفور.

أبل ضد سامسونج: هاتف سامسونج جلاكسي S

وفي الحقيقة، كان يحق لستيف جوبز أن ينظر للأمر على أنه سرقة علنية، وذلك لأنه وضع أساسات استخدام الهاتف الذكي، كإمكانية السحب على الشاشة، وفكرة وجود لوحة مفاتيح تدعم التصحيح التلقائي، والإيماءات التي نستخدمها حتى اليوم للتكبير والتصغير كلها ظهرت لأول مرة في هاتف ستيف جوبز الأول!

ولكن وقبل اللجوء إلى المحاكم والقضاء، ومن منطلق "العيش والمِلح" بين الشركتين، عرض كلٌ من ستيف جوبز وتيم كوك (الرئيس التنفيذي الحالي لآبل) على رئيس سامسونج جي لي تسوية تقتضي بدفع سامسونج 30 دولارًا على كل هاتف ذكي يتم بيعه، و 40 دولارًا على كل تابلت من أجل الاستمتاع ببراءات اختراع آبل، ولكن العملاق الكوري الجنوبي لم يوافق.

"نحن نصنع الهواتف المحمولة منذ قديم الأزل، ونملك براءات اختراع خاصة بنا، وربما تنتهك شركة آبل بعضًا منها".

- رد رئيس سامسونج "جاي واي لي" على اتهامات ستيف جوبز له بسرقة ابتكاراته.

ومن هنا اشتغل فتيل الحرب بين آبل ضد سامسونج، وفي 2011، بدأت الحرب، ورفعت شركة آبل في أبريل من ذلك العام عدة قضايا في عدة دول على سامسونج، متهمة فيها الشركة الكورية بسرقة تصميم آيفون، وانتهاكها لعدد من براءات الاختراع المتعلقة بالشاشات القابلة للمس، وتصميم واجهة النظام، وطالبت الشركة بمبلغ 2.5 مليار دولار كتعويض للأرباح التي كانت ستجنيها آبل لولا وجود أجهزة سامسونج التي سرقت ابتكاراتها وأفكارها. وبالطبع عادت سامسونج من بعيد، ورفعت هي الأخرى عدة قضايا في الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وألمانيا، وبريطانيا، وغيرها من الدول على آبل واحتجت بأن الأخيرة سرقت تقنيات الاتصالات ونقل البيانات الخاصة بها.

ربحت شركة آبل القضية، وحكمت لها المحكمة بحوالي مليار وخمسين مليون دولار أمريكي، ولكن سامسونج استأنفت الحكم وظل صراع القط والفأر مستمرًا؛ فتارةً كانت تصب الكفة في مصلحة آبل، وتارةً أخرى في مصلحة سامسونج. آبل تتهم سامسونج بالسرقة منها، وسامسونج تتهم آبل بسرقة براءات اختراع متعلقة بالشبكات اللاسلكية، بل وأن تصميم آيفون مسروق أصلًا من شركة سوني!

واستمرت تلك القضايا لسنين طويلة، وصنفت على أنها واحدة من أكثر القضايا التحامًا في المجال التقني، ولكن مع الوقت أصبحت التقنيات التي تتنازع عليها الشركتان منتشرة بين الجميع، ما جعل آبل تغير أهدافها من محاولة حظرها بيع هواتف سامسونج من السوق، إلى جمعها لأكبر مبلغ تعويضي ممكن من سامسونج.

آبل ضد سامسونج: الصلح خير

بعد حرب استنزاف تكنولوجية دامت لحوالي 7 سنوات، عَلِمَ الطرفان أن لا خاسر سواهما. ففي يونيو 2018، كانت الشركات الصينية تُزلزل السوق بأجهزتها الجديدة، ولم يعد المستهلكون يتهافتون على سامسونج وآبل اللذين علما أن لا طائل من الصراع، وأن المستفيد الوحيد من هذه القضايا هي الشركات المنافسة. وبالفعل، وصل كلاهما إلى تسوية لم يتم الإعلان عن تفاصيلها، والآن لا جديد يذكر ولا قديم يُعاد وكل شيء على ما يرام بين الشركتين، أو على الأقل هذا هو المُعلَن.

وجد المحللون أن آبل يمكنها كسب المزيد من المال إذا ابتعدت عن المحاكم ومعركتها الدامية مع سامسونج وركزت على طرح منتجات جديدة منافسة، وعلى الرغم من أن آبل قد تمكنت من ربح أغلب القضايا، إلا أنها فشلت في تقييد منافسها الكوري من السوق.

صحيحٌ أن سامسونج لم تعد المُصنِّع الرئيسي لمعالجات آبل، والتي أصبحت من شأن شركة TSMC التايوانية الآن، ولكننا لا يجب أن ننسى حجم الشراكة المتمثلة في تصنيع شاشات OLED وغيرها من المصالح المشتركة بين الشركتين.

ابل ضد سامسونج: هل سرقت سامسونج هوية آبل؟

والسؤال هنا يقتصر على الأشياء التي تهمنا كمستخدمين؛ مثل الأيقونات والتصاميم الظاهرة، وهذا لأنه من السهل معرفة أو ملاحظة التشابه والمقارنة بين أجهزة الشركتين. وفي نقطة التصميم، يمكننا القول إن سامسونج اقتبست تصميم آيفون الأصلي، وصممت به هاتفها الذي صدر في 2009، ولم تكن هذه نقطة البداية وحسب، وإنما استمرت الشركة الكورية في الاقتباس من نظيرتها حتى ظهور موضة ظهر الهاتف الزجاجي الذي بدأته آبل بالريادة مع هاتف iPhone 6s لنجده فيما بعد في هاتف سامسونج جلاكسي S6، فإذا وضعت الهاتفين بجانب بعضهما البعض، قد لا تستطيع التفرقة بينهما!

أبل ضد سامسونج: التشابه الكبير بين الجهازين

كذلك، يمكن اتهام سامسونج باقتباس شكل الأيقونات، على الأقل هذا ما أثار غضب ستيف جوبز حينها، بجانب الخصائص التي قدمتها آبل في نظام تشغيلها، والتي حاولت سامسونج تقليدها فيما بعد، كالمساعد الصوتي Siri ومنافسه "S Voice" من سامسونج، بل وحتى الفكرة العامة في طريقة تصميم واجهة المستخدم في نظام التشغيل، وتقسيمها إلى تطبيقات منفصلة يتم الخروج منها بواسطة زر الهوم يمكن أن ننسبها إلى أول هاتف آيفون.

معركة ستيف جوبز الحقيقية كانت مع أندرويد وليس سامسونج

صرّح ستيف جوبز في أثناء توثيق سيرته الذاتية أنه يريد تدمير أندرويد، وأنه مستعد لإنفاق كل أموال شركة آبل وحتى أنفاسه الأخيرة إذا كان هذا هو ما يتطلبه للقيام بذلك، وأن أندرويد ليس إلا "منتج مسروق"، وأنه سيقاضي أكثر من شركة مصنعة للهواتف الذكية تستخدم هذا النظام، تشمل هذه العبارة سامسونج بالطبع!

وفي الحقيقة، فقد كانت العلاقة بين جوجل وآبل جيدة في البداية، بل وكان عملاق البحث عاملًا مهمًا في نجاح أول هاتف آيفون، حيث طُرحت منتجات جوجل كالخرائط ومحرك البحث على الإصدار الأول من iOS. ولكن بدأت تتدهور العلاقات بين الشركتين عندما قررت جوجل إطلاق الإصدار الأول من نظامها الشهير أندرويد، في نوفمبر 2007، أي بعد 10 أشهر من طرح أول هاتف آيفون.

ومن هنا بدأت تتولد العداوة بين الشركتين، حيث رأى ستيف جوبز أن أندرويد ليس إلا نسخة مقلدة من iOS وأن التشابه بين النظامين لا يمكن أن يكون محض صدفة. وجاءت ضربة آبل لجوجل بعدها بعدة سنوات عندما رفضت عددًا من تطبيقات جوجل من التواجد على متجرها. ثم بدأت برفع الدعاوي القضائية كما وعد ستيف جوبز وكانت الضحية الأولى موتورلا ثم نالت سامسونج النصيب الأكبر من القضايا الأخرى ضد آبل.

هل تعلم؟

مُنعت سامسونج من بيع جهاز Galaxy Tab 10.1 في أستراليا وألمانيا بسبب مزيج من التعدي على براءات الاختراع وأوجه التشابه في "الشكل والمظهر" مع أجهزة آيباد.

هذا لا يعني أن آبل بريئة، فيمكننا اتهام آبل باقتباس قلم "S pen" الذي عرفت به سامسونج في سلسلة جلاكسي نوت، وخرجت لجماهيرها بقلمها الشهير Apple Pencil الموجه لأجهزة آيباد. أيضًا معيار Qi للشحن اللاسلكي، والذي ظهر للمرة الأولى مع هواتف سامسونج، وبالتحديد Galaxy S6، و Galaxy S6 Edge في 2015، ثم رأيناه في هاتف iPhone 8 في 2017.

الشاهد هنا أن ما خفي أعظم، وأن هذه الاقتباسات قد لا تكون سرقة بالضرورة، ولكننا نحكم بالأسبقية، وبما يمكن أن يكون مقتبسًا، والأهم بالنسبة إلينا -وبالنسبة للشركات من قبلنا- أن تتميز عن غيرها لتستطيع المنافسة والتفرد في هذا المعترك التكنولوجي الشديد، قد تكون سامسونج اقتبست بعض خصائص آبل ولكن استطاع الكوريون فيما بعد تكوين هويتهم الخاصة!